اخبار عاجلة
الرئيسية / home slide / أن تنبذ الجامعة رقص ناديا جمال!

أن تنبذ الجامعة رقص ناديا جمال!

محمد حجيري|الأحد30/01/2022
Almodon.com

ناديا

جاء في كتاب “سمك لبن تمر هندي(*) للقاص والجامعي، جورج شامي أن: “ناديا جمال آخر عمالقة الرقص الشرقيّ ظلمها كثيرون ممن استشرتهم في نشر هذا التحقيق الذي اجريته معها عام 1986، ونشر في “الوطن العربي” في ذلك الحين مع ما نشرته في كتابي”اذ نطقوا… علامات فارقةّ” الذي صدر عام 2012 بحجة أن الرقص الشرقي لا ينتمي إلى الفن الراقي”! يضيف شامي “على الرغم من أنني لم أكنْ مقتنعا بهذا الرأي الجائر، إلا أن ظروف نشر الكتاب الذي صدر عن “الجامعة الاميركية اللبنانية للعلوم والتكنولوجيا” عام 2012، جعلني أرضخ وأستبعد هذا التحقيق من مضمون الكتاب ريثما تحين

فرصة أخرى يرى فيها النور”

ورأى التحقيق أو المقابلة النور في كتابه الذي يتضمن أفكار ومواقف وأحداث، تحولت الى نوادر وأخبار مضحكة…

والحال أن ما فعلته الجامعة المذكورة، هو أنها تماهت مع الأنظمة الشمولية الكليانية والأبواق الدينية بشكل من الأشكال، فرفضتْ الرقص الشرقي، ليس من بوابة “الحلال والحرام” بالمعنى الديني والكهنوتي والتزمّتي، وليس من بوابة “حراسة الأخلاق” بالمعنى السلطوي، بل بزعم عدم انتمائه إلى “الفن الراقي”… ولم يعدّد جورج شامي الفنون الراقية التي اختارتها الجامعة في الكتاب المطبوع، وهو بحسب ما رأينا في الفهرس يتضمّن حوارات “شملت مفكرين ومثقفين، رسامين ونحاتين، ممثلين ومسرحيين، شعراء وموسيقيين وهي شخصيات تضيء على جوانب من الذاكرة الثقافية اللبنانية”. ولم تحدّد الجامعة مواصفات الرقي وبنوده، حتى يرتقى الفن(المنبوذ) ويصبح في ضمن الشرعية أو “لوبي الرقيّ” إذ جازت التسمية… وليست الجامعة المذكورة، وحدها من ينبذ أو يرفض الرقص الشرقي، فهي، أو من يدير شأنها وثقافتها وإعلامها، ربّما مثل الكثير من الناس، سواء العوام أو “النخبة” أو الدهماء، أو السلطات، القديمة والمعاصرة، ينتقدون الرقص (الشرقي) في العلن وفي أحاديثهم، ويعشقونه في السرّ والخفاء.. يطبلون ويصفقون لهز الخصر والبطن في السهرات والمرابع الليلية وحتى في متابعة الافلام السينمائية القديمة، ويتهكمون على صفة الراقصة أو “الرقاصة”، كجزء من نمطية “شعبية” سلطوية بطريركية موروثة تافهة.. أو بمعنى آخر، لا يفصلون بين الرقص الشرقي كفنّ له نجومه كتحية وسامية جمال وسهير زكي، وبين بعض الراقصات صاحبات السمعة السيئة أو المبتذلات والساقطات، وذلك بسبب ارتباطه في أذهان الكثيرين بعشرات المفاهيم المغلوطة، وربما كانت معاناة زينب عبد الحكيم (سعاد حسني) خلال أحداث فيلم “خلي بالك من زوزو” تغني عن الكثير من القول في هذا الصدد.

كان يفترض بالصرح التعليمي، أن يسعى أو يساهم بشكل من الأشكال، إلى تطوير الرقص الشرقي وارتقائه إلى مستويات مختلفة ليصل إلى معانٍ مختلفة، تماماً كما حصل مع الكثير من الفنون الموسيقية والشعبية، التي كانت بمستويات محلية وضيّقة وأندرغراوند، وتتضمن تعابير خاصة، وسرعان ما ارتقت وانتشرت تعلومت وتهجنت وأصبحتْ نقطة اهتمام العالم في أصقاع الأرض.

وإذا وضعنا الرقص الشرقي جانباً، نعلم أن ناديا جمال(1937-1990)، فنانة وممثلة شاركت في عدد من الأفلام وفي عرض استعراضي مع روميو لحود عام 1964 والفكرة “فولكلور لبناني مع ناديا جمال”. في إطار الليالي اللبنانية في بعلبك. وكانت لوحات بدوية – تراثية وألف ليلة وليلة. مع روميو لحود انقلبت المعادلة “المغنون في الصف الثاني والصدارة للرقص”. بعد ثلاث سنوات قدمت في مهرجانات بعلبك “القلعة” مسرحية غنائية مع صباح، حضر الاخوان رحباني مع المخرج المصري هنري بركات العرض. قال لها عاصي رحباني: “حضرنا لنشاهد فشلك لكن رقصك لا يقل عن مستوى أعمدة بعلبك”. وهنا يطرح السؤال على الصرح الجامعي، هل مهرجانات بعلبك لا تنتمي إلى الفن الراقي؟ ولا تنتمي الى الذاكرة الثقافية اللبنانية؟ بالطبع تتشعب الاسئلة والأجوبة، حول موضوع اخذ الكثير من القيل والقال وينظر إليه البعض بطريقة فصامية.

 لا ضرورة أيضاً للدخول في عالم الرقص الشرقي وما يحمله من مكنونات، لا تبتعد كثيراً عن مكنونات الفلامنكو والتانغو والباليه، فكل رقص له طقوسه وناسه وجمهوره، وكل رقص يبدأ من بيئات ويتحوّل إلى المسارح والمهرجانات… وناديا جمال (اسمها الاصلي ماريا كاريداس)، موضوع مقابلة جورج شامي، ليست إلا امرأة اغريقية – يونانية اسكندرانية من عشرات النساء اللواتي وجدن في الرقص الشرقي فناً ساحراً، وهي قدمتْ وصلاته في مصر ولبنان وفيينا وباريس، إلى جانب أنها علّمت الرقص لعشرات من النساء في العالم…



ولم يخطئ الكاتب حكيم مرزوقي حين كتب أن الرقصَ الشرقي فنّ لا يجيد الدفاع عن نفسه، “ليس هناك من فن تعرض أصحابه -أو صاحباته على وجه التحديد- إلى شتى ضروب التناقض في العالم العربي، بين مطلق الرفض والاستهجان من جهة، ومطلق الإقبال والاحتفاء من جهة ثانية، كما هو حال الرقص الشرقي بمفهومه التقليدي السائد”. ويسأل مرزوقي “لماذا حُكم على الرقص الشرقي بأن يكون في هذه الدائرة بينما كسرت فنون شعبية أخرى في العالم طوق المحلية والنظرة الدونية واكتسحت مسارح العالم مثل الفلامنكو الإسباني والسامبا البرازيلية والسالسا الأرجنتينية وباقي الرقصات الهندية والأفريقية وغيرها؟ الأمر إذن لا يتعلق بجرأة في اللباس، ولا بضعف في الأداء الفني بل بالإيحاء وطرق الاستقبال والتلقي لدى جمهور الرقص الشرقي”. والحال أن النساء يعشقن الرقص، وهو جزء من أنوثتهن، وفي اول فرصة تسنح لهن بالرقص يرقصن، خصوصا التجمعات العائلية، ولكن عين السلطة دائما بالمرصاد، فالاباء في العالم العربي يضعون الرقص في موضع “العيب”، والأنظمة (العربية) لا تزال تصاب بالهلع من ثياب الرقص ومن دورة لراقصات كما حصل في الكويت قبل أشهر، إذ تدخلت المحاكم الشرعية لمنع دورة رقص.

والحق أن نبذ الصرح الجامعي الرقص الشرقي من الفن(الراقي)، ونبذ الاصوليات والسلطات الرقص والراقصات من المجتمع، يذكرنا بما كتبته المنظّرة حنة ارندت عن النبذ السياسي بكونها يهودية في أمم الغرب. يسأل الباحث تشارلز تايلر في مقالة بعنوان “حنة ارندنت ومسار تشكل ملامح المنبوذ، اليهود نموذجاً”: “هل أذنت الحداثة كحدث بإنعتاق البشر فعلا كما وعدت؟ ويجيب أرهق هذا السؤال المنظرة الأميركية حنة آرندت بالقدر ليس فقط من جهة كونها فيلسوفة وهو اللقب الذي رفضته، بل أساسا أرهقها كـ”امرأة يهودية” فهي تقول: “أنا واحدة منهم هذا كل شيء، وهذا ينبع من البداهة ولا يمكن أن يوضع موضع نقاش.”لقد رأت في الزمن الحديث منبتاً لتشكّل ملامح “المنبوذ”. النبذ لا يقتصر على الأشخاص والجماعات، بل يطاول الفنون والشعر، وقد طاول صوت عبد الحليم حافظ وموسيقى الراب وقصيدة النثر والرقص الشرقي بالطبع، وسرعان ما يفرض المنبوذ أو(الصعلوك) نفسه، ويصبح في الواجهة.