الرئيسية / home slide / “أن تعشق الحياة” لعلوية صبح المُرشّحة لجائزة الشيخ زايد: أضواءُ العطب

“أن تعشق الحياة” لعلوية صبح المُرشّحة لجائزة الشيخ زايد: أضواءُ العطب

18-03-2021 | 17:35 المصدر: “النهار”فاطمة عبدالله

الروائية علوية صبح.

A+A-تُنافس #رواية#علوية صبح، “أن تعشق الحياة” (دار “الآداب”)، على #جائزة الشيخ زايد للكتاب في الإمارات، أحقَّ منافسة. اختيرت في القائمة القصيرة للدورة الخامسة عشرة، مُتفرّدةً بسردٍ إنسانيّ عميق، ولغة #أدبية متفوّقة. هذا مسرحٌ تراجيديّ أشبه ببحر شاسع من التخبّط والتحوّلات، شخوصه في الخطوط الأمامية دائماً، وإن حملت البطلة بسمة على كتفيها شقاء الكلام. الجميع في الخضمّ، والموج يمارس دوره في الصفع واللطم، مُحدثاً هدراً ممزوجاً بالأنّات والأصوات المتصاعدة- بعد خفوت ونسيان- إلى الجهور والارتفاع، لا سيّما أصوات النساء وذاكرتهنّ المُصادَرة. علوية صبح سردُها بديع، تتّخذ من معاناتها العصبيّة حاجةً لتفجير الغضب. يتحوّل التشنّج الشخصي انعكاساً شاملاً لانهيار عريض عنوانه الأوطان البائسة، كما تتحوّل علل الجسد اختزالاً للخرائط المعطوبة بعد نكسة “الربيع العربي” والاستبدادين السياسيّ والدينيّ. تُعرّي الروائية الأحوال العربية، مواجهةً بجسد البطلة الراقص، وحشية الأصولية وانعدام البدائل؛ مُنتصرةً بالحبّ والبوح على الاهتزاز والتشنّج وشلل الروح. 

 إن فازت الرواية، فتلك أيضاً إضافة للجائزة وارتفاع لها. تنطلق الكاتبة من ألم داخليّ، مُتمثّلاً باضطرابات عصبيّة ألمّت بها، إلى مجال أكثر اتّساعاً لمفهوم الألم، فتُحاكي الوجع الكونيّ، حيث كلّ قهرٍ هو قهرها، وكلّ ظلم ووحشية وفجيعة، إن مسَّت إنساناً، مسّتها. نرى بسمة، الفنّانة الراقصة، في كباش دائم مع عذابات جسدها، وتَورّطه بمتابعة أخبار الحروب والفظاعة الداعشية، من سبي وتعليق رؤوس على الأشجار، وجرائم طالت الإيزيديين والمسيحيين وكلّ مَن رفض الالتحاق بـ”الدولة الإسلامية”. تتّخذ من نشرات الأخبار حلبة مواجهة، ومن الأدوية العصبية وحبوب المهدّئات “قوّة” ردع عند إطلاق جرس العِراك كلّ ليلة حين يشتدّ الوجع. هذه رواية الأحزان العربية مصقولة كصافي الذهب. مسرحها اللبناني سرعان ما يلتحق بفوضى المسرح العربي؛ سردها ملطّخ بدم الحرب، تلتقط الأنفاس حدّ الإحساس بأنّ المرء في الزجاجة، يطارده احتباسها، ولا يقوى على خرقها. لكنّ ثمة دائماً هذا السقف في الأعلى، حيث يمرّ الهواء من عمق الاختناق، فتعود بسمة إلى الحياة، بتسلّل الضوء إلى روحٍ معطوبة، مُنتصرةً بالرقص، مُتجاوِزة موت الحبيب الأول أحمد وصدمة الحبيب الثاني يوسف، ومرارة الولادة في الشرق. 

 الشخوص مُحمَّلة بثقل الأرق الوجودي، لكلّ منها حكاية. بطولة بسمة لا تقلّل من حضور أيٍ شخصية. فالجميع يتشارك التهشّم الإنسانيّ وورطة الذات السحيقة. هذه أنيسة التي تتجاوز آلام الشلل والجفاف العاطفيّ باتمام كتابة رواية، وهذه أمينة المتعثّرة باستحالة الأمنيات وتهيّؤات العين والحسد. صديقتان حافظتا على علاقة متماسكة مع بسمة، فيما كلّ شيء حولهنّ في سقوط عمودي. هذا نزار على حافة الجنون بعدما لم تُبقِ له الحرب بريقَ حياة. وهذا عيسى، الفلسطينيّ الخائب بعد “مجد” الالتحاق بزعيمه “أبو الغضب”، وما أغدقه عليه من امتيازات وهدايا، بعدما شغّله مُخبراً؛ فتحوّل بموته، عظاماً بلا لحم. شخوص في كفّة، والحبيبان أحمد ويوسف في كفّة ثانية. فالحبيب الأول هو أيضاً من ضحايا مقتلة الجسد، هذه المرّة بالسرطان، تاركاً لبسمة وصية الاستمرار في العيش من بعده، “بحب جديد، وبحياة أجمل”. والحبيب الثاني يوسف، شخصية روائية مُرهِقة، تُتقن صبح حبْكها، متعمّدة هزّ القارئ، من دون إحاطته بأيّ ترقيع في ما بعد. فالظروف والخسائر الكبرى، هي ما حوّلت يوسف من رسّام بوهيميّ رقيق، إلى أصوليّ متشدّد، يدهن بالطلاء الأسود لوحاته، ويطلب من بسمة، زوجته، ارتداء النقاب والامتناع عن الرقص. تُمهّد الكاتبة لدراماتيكية التحوّل، رابطةً إياه مباشرة بالحروب الدائرة في سوريا، فحرب تموز، حين تفحّمت جثّة أمّه، وفَقَد عائلته لاحقاً بثأر بين العشائر. 

 البطلة بين عذابين: الأب ومَن ظنّته حبيباً. هاتان الشخصيتان، إن أزحنا قليلاً شخصية بسمة، بمثابة حَفْر أو حَبْك، أو حفّ جلد، تتقنه الكاتبة فتنزف الروح أدباً عظيماً. الرواية عزفٌ على وتر المصائر الإنسانية، بيدٍ تتراءى مُرتجفة، إلا أنّها في أقصى الصلابة. وما الارتجاف هنا سوى جلجلة على طريق القيامة، فتدرك علوية صبح كيف ينبت عشبٌ من تشقّق الصخور، ويولد ربيعٌ بعد عصف هائل. هي المُنتصرة دائماً في أدبها للصوت النسائي من مبدأ إنسانيّ، وللكائنات المكتوية بالاستضعاف الاجتماعي واستقواء الآخر. الأب، ندبة الرواية وذنبها. كأنّ مصيره يختصر كلّ شيء، ولا تُضاف كلمة في وصف مأساته. تملك علوية صبح من الجرأة الأدبية لتُصوّر مشهدية المواجهة الأخيرة بين والد بسمة ووالدتها، بما يندُر في الرواية العربية. فالأم التي لطالما نفّرتها رقّة زوجها، تمنّت لو يحظى بشيء من شخصية جارها، مُعنّف زوجته الراضية. وفي لحظة انفجار مذهلة؛ تبلغ الكاتبة الذروة، بمشهدية إطعام الزوجة زوجَها برازَه، في حوض الاستحمام، ثم تناولها البراز ذاته، كانتقام وانتقام مضاد؛ وغرقها في عذاب الضمير بعد موته انتحاراً، لردّ الاعتبار لكرامته المدعوس عليها، وتَحوّله عالة بعد الشلل، فيُحرّر بهذا الموت جسده من الانكماش وروحه من جحيميتها. 

 يبقى الرقص ملك الانتصارات جميعها. ليس عبثاً الربط البديع بين البطلة وشغفها، ثم الشفاء بهذا الشغف. فالجسد المُنهك لم يكن لينجو لولا رقصة الحياة، وكسر الأقفاص الموصدة لتنطلق النفوس المولودة من جديد نحو فضاءات الحرّية. ماذا تريد علوية صبح من هذا كلّه؟ النجاة بالشغف. إن وجد المرء ملاذاً، رسم لحياته مَخرجاً، وإلا التهمه اليأس والعجز والعُمر الأسود. تحفة الحبْك والسرد وسيرة الشخصيات. والعرض المُبهر للانهيار الأخلاقي على مستوى الفرد والوطن. وهنا إعلاء للكتابة في وصفها علاجاً وللرقص كاختزال للانطلاق. تألّمت علوية صبح وتحمّلت عصيان جسدها وعضّات روحها، طوال الوقت. وحين كتبت إخفاقات “الربيع العربي” بهذا الشكل المُعذِّب، إنما أرادت إسكات الصوت الداخليّ لتستكين أنّات الإنسانية. الكتب التي تضيف قلّة. رواية علوية صبح جوهرة. 

fatima.abdallah@annahar.com.lbTwitter: @abdallah_fatima