الرئيسية / home slide / أنْ نقولَ وداعاً… أمرٌ لا يُطاق يا أنغيلا!

أنْ نقولَ وداعاً… أمرٌ لا يُطاق يا أنغيلا!

أنغيلا ميركل

 الحسام محيي الدين
القدس العربي
18122021

عزيزتي أنغيلا.. أخاطبك باسمك الصغير لأنني أعلم أنكم تسمحون بهذا من جانبكم الكريم، وإلا لناديتكِ بالرئيسة المُفدّاة، حفظها الله، المناضلة، القائدة الخالدة، أو أقلّهُ «بانِيَةَ ألمانيا الحديثة». أذكُرُ جيداً وبفرحٍ كبير كيف حوّلتِ خريف عام 2015 إلى ربيعٍ حقيقي، عندما فتحتِ سماوات بلدك الجميل وأراضيه أمامي، أنا وغيري من اللاجئين المعذبين في الأرض لنحيا بِنِعَمِ الحرية والخير والحق والكرامة، وكيف كنتُ أطرُدُ كل يوم كابوس الصورة الموحشة عما فعلَتهُ أنظمتنا العربية – قياساً على ألمانيا الجرمانية – في سدّ أبوابها أمامنا نحن إخوتهم في اللّغة والدين والتاريخ والجغرافيا والثقافة، كي لا نخدش أحاسيسهم فنحرجهم بآلامنا ونجرحهم بمآسينا. وأحفظُ بعمق أنه لم تَقِفْ أمام إرادتك الصلبة مُسميّات ألمانيا شرقية وأُخرى غربية، ولا جنوب كاثوليكي أو شمال بروتستانتي، ولا ما بينهما من حواضر مُلحدة، لا تعترف بكليهما، وأنه لم تمنع كلّ تلك المعتقدات والأيديولوجيات أنْ تجعلي ألمانيا، جنّة العدالة الأرضية، حديقةً غناء للاجئ العربي، وكياناً مُدهِشاً لاستعادة كرامته حيِيّاً في عصرٍ ذهبيٍّ من جديد، على الرغم مما أصابه في وطنه الأم. لمْ تكوني يا أنجيلا سوى التفسير الحرفي المُقدَّس لمعنى إنسانية الإنسان، والمُتحوِّل الفلسفي عن اصطلاح حداثته في هذا العصر. ما أدهشني حتى الجنون أنكِ أنتِ أنتِ، قبل أن تكوني الرئيسة المستشارة وخلالها وبعدها، أيقونةَ المبادئ التي استَغْنتْ عن حطام الدنيا وعَرَضِها، الزاهدة بالسياسة والمناصب والسلطان والعراضات وأساطيل السيارات الفخمة الداكنة الزجاج والمضادة للرصاص، حتى جاءت كلُّها إليكِ وهي راغمة، وأنكِ أنتِ المرأة التي لم تشغلها بيوت الأزياء والعطور وعناوين الماركات العالمية، وهيَ تجلسُ في أروقة كريستيان ديور لأجل فستان مطرّز بالماس، وحقيبة يدٍ مذهّبة أنيقة، وأنكِ العصامية المذهِلَة التي تتنحّى برضاها اليوم من على قمّة المُستشارية، بثيابها التي دخلت فيها إليها. أنغيلا، المسؤولة الواضحةُ جداً، التي تقول لشعبها أين ومتى، ولماذا، وكيفَ تأخذهُ في فتوحات الصناعة والزراعة والتجارة والثقافة والإبداع المتنوع على امتداد الجيوبوليتيك الحيوي المتعامد مع مدنيات أوروبا، وحضارات العالم، والأمُّ التي لم تخدع أبناءها يوماً بحلولٍ لفظية في مواجهة استحقاقاتهم الكبيرة. كنتُ أتساءلُ دائماً يا عزيزتي كيف لم تفصلّي دستوراً هجيناً على قياسِك كي تظلّي الرئيسة إلى الأبد، قياساً على دساتيرنا المأساوية التي هجّرَتْني من وطني، وجعلتْ من زعيمي العربي، المُعلِّم، الدكتور، الطيار، المظلي، الفارس، المغوار، بطلِ الحرب والسلم، رئيساً أبدياً وهو يعيشُ ونعيشُ معه دائماً في قمقم المؤامرة الامبريالية لعقودٍ طويلة فما تحرّرنا منها ولا فهمناها، والتي يجب أنْ نموت جوعاً، ونعرى، ونتشرد، ونُسجن، ونُسحل ونُقتل، وأقلّه أنْ نصبح لاجئين، لننال شرف التضحية في مواجهتها. الزعيم العربي السادي الذي يصدع رأسنا صباح مساء بتآمُرِ المُستعمِر وإجرامه ونذالته ثمّ يحزنُ ويستشيطُ غضباً لأنّ الأخير منعَ عن شعبه مؤخّراً «فيزا» الدخول إلى بلاده، بلاد الكفر.

لطالما عجبتُ كيف لم يوسوس لك الشيطان يوماً لتنهبي ثروات بلادك التي لا تُحصى، وأنتِ على رأس القوّة الرابعة الكبرى في هذا العالم، واكتفى بأن يوسوس فقط للذين « نفتديهم بالروح والدم» على امتداد الوطن العربي الكبير، فسرقوا ونهبوا في «ساعة تَخَلٍّ» وبضمير «مرتاح».

لطالما عجبتُ كيف لم يوسوس لك الشيطان يوماً لتنهبي ثروات بلادك التي لا تُحصى، وأنتِ على رأس القوّة الرابعة الكبرى في هذا العالم، واكتفى بأن يوسوس فقط للذين « نفتديهم بالروح والدم» على امتداد الوطن العربي الكبير، فسرقوا ونهبوا في «ساعة تَخَلٍّ» وبضمير «مرتاح». لم أفهم لماذا كنت ترسلين المساعدات إلى بلادنا بملايين العملة الصعبة، ودون أن تكتبي عليها الجملة العربية الأشهر «هدية الشعب الألماني إلى الشعب العربي الشقيق» ولِمْ لَمْ تقفي بعنفوان سليلةِ العرق الجرماني الأسطوري على رأس غواصتك النووية بنظاراتك الداكنة محاطة بالجنرالات في استعراض القوة العظيم، الذي يليق بك، كما يفعل تماماً زعيم بلادي الذي، وبلا ريب، يبزُّكِ بنياشينه التي تثقل بزته العسكرية في الموقف عينه، والتي لا أعلم حتى اليوم في أي ساحة شرف تحصَّلَ عليها على طول جبهاته الهادئة منذ عشرات السنين مع العدو الغاشم. أيتها النموذج الذي يُحتذى في الحياة السّوية، نهراً من قصائد الحبّ النيوكلاسيكية، البلطيقية العذبة حتى البراءة، كائناً خلوقاً في الحضور، التي يكادُ يصيّرُني رَغَدُ حضورِها شاعراً فذّاً. يا ابنة الفلاسفة الخالدين التي ينعجن فيها الحسِّ التاريخي بالمواطَنَةِ الصالحة، من عبقرية شليغل وغوته وكانط وإنجلز وماركس، حتى قوانين آينشتاين المدهشة، إلى موسيقى باخ الفذة، وبيتهوفن الأسطورة. يا مزيجاً ساحراً من الألمانيتين جميلا، عاشقة الشعر الغنائي بمضامينه الساحرة، اليوم وبعد كل تلك السنين لم أعد أتفاجَأُ بأنك كنت النادلة الكادحة لتوفر مصروفها لأجل الدراسة، والطالبة الأولى دائماً على مدرستها والمتفوقة في ثانويتها، وأنه ما كان للحب منك حظ، عفواً أو قصداً، والتي استثارني أنها أمضت زهرة شبابها في طلب العلم حتى غدَتْ عالمة الأبحاث في ظواهر الكيمياء الفيزيائية بجدارة فائقة على ضفة البلطيق المقدس. أنغيلا! يا معنى الانتماء إلى الإنسانية، الفكرة السابقةُ عصرَنا العربي، السوناتا الآدمية، المهذبة بعمق، والموغلة في تاريخ اصطلاحات الأخلاق كيفَ حلّتْ، التي ليس لديها ما تحتاجُ أنْ تخفيه، تفعلُ في السِّرِ ما تفعله في العلَن، سنبقى دائماً حائرين دونكِ وقد أزِفَ ارتحالُكِ عن الواجهة.
أنْ نقولَ وداعاً، أمرٌ لا يُطاق يا أنغيلا

كاتب لبناني