الرئيسية / home slide / أنطون سعاده

أنطون سعاده

11-11-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

أنطون سعادة


محمود شريح

#أنطون سعاده (1904-1949)، باعث النهضة الحديثة في بلاد الشام وخاتمها في آن، رأس العلمانية في المشرق العربي حتى الساعة، متكئاً على عناد الريحاني وثورة جبران، الصاعد من الشوير، مسقطه، إلى برمّانا، مدرسته، فالقاهرة، ملجأ والده خليل، ثم البرازيل محرّر الجريدة (1920-1923) والمجلة (1923-1925) إلى جانب والده، لهو نفسه مؤسّس “الرابطة الوطنية السورية” و”حزب الأحرار السوريين”، مدرّس العربية في الكلية السورية البرازيلية والكلية الوطنية للعلوم والآداب ورئيس جمعية سريّة تدعو إلى تحرير سورية من الانتداب الفرنسي، دون أن ينقطع عن الدرس، فأتقن الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية والإسبانية والألمانية، العائد إلى بيروت (1930) فدمشق (1931) يحرّر صحيفة الأيام، ممهداً لعودته ثانية إلى بيروت ليُطلق منها الحزب السوري القومي الاجتماعي (1932.11.16)، فكان زعيمه ومشرّع دستوره، وكان بوصوله إليها محرّك الحداثة يوم كانت بيروت الحائرة تتأرجح بين قطبي التقليد والتجديد، وكان لكتابه الصراع الفكري في الأدب السوري (1942) فاتحة ثورة شعرية وجدت ضالّتها في مجلة شعر، وحين انكشفَ أمرُ حزبه السرّي يوم خروجه إلى العلانية أُودِعَ الزعيمُ سجنَ الرمل المركزي ومنه خرج بعد ستة أشهر وفي يده ما صاغه في معتقله شرح مبادىء الحزب ثم أُودِعَ السجن من جديد وخرجَ منه بأثره الخالد نشوء الأمم أول مبحث علمي في تطوّر النفسية السورية، فأصدره (1938) وغادر عبر ميناء حيفا إلى أميركه اللاتينية إثر مذكرة جديدة باعتقاله، فاستقرّ قرابة عقد في الأرجنتين محرّر جريدته الزوبعة وعلى صفحاتها نشر فصول كتابه الإسلام في رسالتيه المسيحيّة والمحمديّة، منهجاً مؤصلاً في تعيين موقع الإسلام حضارياً، ملحّاً على أن العنعنات المذهبية تسبّبت بمعضلات لا تلتئم مع مصلحة أمّة تريد النهوض، ومن بونس آيرس أعلن في الأول من آذار 1939 أن الأحزاب الدينية ستودي بالأمة السورية إلى التهلكة.

ما أن وصل الزعيم إلى بيروت يوم 2 آذار 1949 عائداً من مغتربه القسري في بيونس آيرس عبر القاهرة حيث اجتمع إلى أسد الأشقر ونعمة تابت، حتى أعلن من شرفة نعمة تابت في الغبيري أن الثورة لقلب لبنان الطائفي لهي المدخل إلى وحدة بلاد الشام وأن فلسطين مسألة لبنانية في الصميم كما هي مسألة شامية في الصميم، وأن العراق درع الشام، وأن لبنان سيف العرب وترسه، فما أن أنهى كلمته هذه بعد ساعات من وصوله إلى الوطن حتى صدرت مذكرة باعتقاله فالتجأ أولاً إلى بشامون ثم إلى مخابىء في الجبل.

إثر سقوط فلسطين واصطدام الزعيم بجدار الطائفية، حبّر سعادة آخر مقال له في مطبعة صحيفة حزبه الجيل الجديد على مطلّ من مقهى الجميزة عَنْوَنَه “هشيم الطائفية، يشتعل في الجميزة”، مدركاً أن لا خلاص إلا بثورة مسلّحة فالتجأ إلى دمشق ومنها أعلن الثورة الاجتماعية الأولى (4 تموز 1949) وكان سعادة فجر 3 تموز 1949 ألقى خطاباً في أتباعه ناحية دير العشاير على الحدود السورية اللبنانية، ثم ناداهم فرداً فرداً بأسمائهم ووزّع عليهم السلاح قطعة قطعة ودعاهم في واقعية دوّنها له التاريخ إلى قلب النظام الطائفي في لبنان مدخلاً إلى العلمانيّة في المشرق العربي، فكانت أوّل انتفاضة من نوعها إثر ضياع فلسطين بسنة، وليس صدفة إعدام سعادة يوم 8 تمّوز 1949، ففي عام واحد انطفأت العلمانيّة في بلاد الشام وارتدّت سورية الكبرى إلى تجزئة لا تحمد عقباها، وها اليوم لا يرجى تلاقينا، فأرّخ سعادة حياته القصيرة المديدة بقامته الشامخة على مدى سبعين عاماً من تأسيس حزبه ونضاله حتى الساعة فاديا للأُمّة ما يذكّر ببيت عمر أبو ريشة، الوافد من حلب إلى أميركية بيروت لدراسة الكيمياء، فالتحق بالحزب القومي في صباه، مستعيداً مجدَ واقعةِ ميسلون:
شرفُ الوثبة أن تُرضيَ العُلى
غلبَ الواثبُ أم لم يغلبِ