الرئيسية / home slide / أنتعل أزقة بيروت حذاءً

أنتعل أزقة بيروت حذاءً

 بهاء إيعالي
القدس العربي
09032021

بيروت، تلك التي تقضم شفتيّ كما تقضم شفاه الآخرين لكن… بالحب نفسه.
٭ ٭ ٭
في شوارع بيروت، تحديداً في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، كلّ ما ينتظره منك العابرون هو أن تقول لهم إنّك تدخّن السيدرز، ليكتشفوا أنّك خفيف كذاكرتهم التي لا تتذكّر آباءهم.
٭ ٭ ٭
السماءُ في بيروت لا تمطر
السماء؟ هل حقاً هناك منها في بيروت؟
كلّ ما أعرفه هو أنّ الماء النازلَ على رأسي دموع امرأةٍ لم تجِد ريحاً تقبّلها.
٭ ٭ ٭
حين تدخُل بيروت من بابها الشمالي، تحديداً من الكرنتينا حيث تصبحُ الكنزات كمامات أنوف؛ انسَ أنّك تحمِلُ تلفونَ SAMSUNG، أو أنّك تستمعُ بيتهوفن، أو أنّك تقرأ محمود درويش، أو أنّ والدك يعمل في وظيفةٍ حكوميّة، أو أنّك مارست الحبّ مع عابرةٍ بخمسين ألف ليرة، أو أنّ أمّك تحفظُ القرآن الكريم، أو أنّ أختك تشاجرت مع خطيبها، أو أنّ صاحب المكتبة مصابٌ بالزكام..
تذكّر فقط
أنّك تدخُل مكاناً ينبغي ألا تحملَ فيه شيئاً حتى اسمك، مكاناً ينبغي أن تتعرى فيه تماماً كبزّاقة.
٭ ٭ ٭
شوارع الحمرا-
أقول شوارع لأنها ممتلئة كحقلٍ هاجمه الجراد –
يمكنك أن تكون وحيداً
أنت من ستطلب ذلك.
٭ ٭ ٭
حين يخرج أمامك أحد ويبادرُ بالتعرف عليك في مسرح المدينة، عرّفه عن نفسك بكلمةٍ واحدة: مشرّد؛ هذه الكلمة تختصر كلّ ما فيك وأنت في الحمرا.
٭ ٭ ٭
في الحمرا مطعمٌ يسمّى «سندويشة ونص»، أن تأكل فيه يعني أنّك تطرقُ باب بيروت الذي لا يرى.
٭ ٭ ٭
فنادق الوسط التجاري مملّة، الموظفون يرتدون بدلات رسميّةٍ ثمنها أعلى من رواتبهم، الحراس يحرسون مكاناً يحلمون أن يناموا فيه، أماّ النازلون فيها كثر: نساءٌ ورجالٌ يتشدقون بكلماتٍ مصطنعة وابتساماتٍ صفراء تماشياً مع الاتيكيت، حتى حين يتبادلون التحيّة تشعر بأنها قادرة على تجفيف أوراق التبغ.
يمكنك أن ترمق النساء بنظراتك فهنّ سيعجبن بذلك، لكن أنت من ستندم لاحقاً لأنّ معظمهنّ تماثيلُ متحركة.
٭ ٭ ٭
السيجار في الحمرا يدلك على مكانه لوحده، لكن الذين يدخنونه للتفنيص لن يختلف برأيي عن سجائر السيدرز القديمة التي يدخنها عمال ورشة البناء الأخيرة في الحمرا.
٭ ٭ ٭
المقاهِي في بيروت أيضاً مملة، خصوصاً تلك التي يلجأ إليها المثقف ليقرأ، أو الحبيبان ليتبادلا العناق، أو الصديقات ليدرسا، أو…. كلّ هذا يمكنك أن تفعله في الرصيف. هو حميمٌ أكثر من غيره.
٭ ٭ ٭
في الحمرا التقيت بفتاةٍ تشعرُ كلّما كانت معي بأنّها عارية. أحبها لأنها تشعرُ بذلك.
٭ ٭ ٭
إن أردت أن تعرف عدد الذين يحبون بيروت اتجه إلى جسر الكولا، رائحة البول تخبرك بذلك.
٭ ٭ ٭
الحارات في البسطة مكانٌ مناسبٌ لأن تذيب حذاءك. هي جميلةٌ كسوقٍ شعبيٍّ في حزام بؤس، البؤس هنا هو بؤس الحرب التي لم تنته بعد في ذاكرتهم….
٭ ٭ ٭
أتيت بيروت وغادرتها ولم يكن الله قد سحب خيط صنارته التي تعلقت بخطافها الشمس.
٭ ٭ ٭
بيروت مدينة وحيدة.
٭ ٭ ٭
الحذاء الذي تتطوى تحته طريق بشارة الخوري لن يجد له كراجاً يسعه.
٭ ٭ ٭
في بيروت، لا داعي أن تستقيم بسيرك، سر كما تريد، فالطرقات ذات مقاسٍ واحدٍ وجميعها يؤدي إليك.

 كاتب سوري

بهاء إيعالي