“أنا من أهل الصمت”

سمير عطاالله
النهار
28112018

كنتُ أنوي أن أُبقي مقال فيروز السنوي حتى موعد “شخصية السنة” كما فعلت العام الماضي. وقد اعددت مادته منذ اشهر. ومثل الأطفال الذين يعرفون أن ثمة هدية ملفوفة لعيد، رحت أعيد قراءة المادة، أغالب نفسي على نزع الهدية من أوراقها، ثم اتراجع. فماذا لو نشرت المقال اليوم ولم اعثر على شخصية للسنة؟ وعندما احتفل “الفيارزة” بميلادها الاسبوع الماضي، شعرت أنني لا يجوز أن أبقى خارج الطقوس.

أجمل مشاركة في احتفال فيروز تكون بصوتها وبوحها. عندما تقرأها، يغمرك الخدر السماوي كأنك تسمعها. وعندما تقرر فيروز أن تروي، فهي الأم الحزينة تغني، هي فصول حياتنا، بحزنها الأعمق وفرحها العالي. هي الصوت الذي يضيف الى الموسيقى والقراءة التي تضيف الى الشعر والاسوارة التي تضيف الى الشعر. كل ما يأتي هو قول لفيروز نشرته أيقونة الصحافة المصرية سناء البيسي:

“حياتي قطار يركض ما بين الاحباب والاعداء. ناس غيروا قطارات. ناس نزلوا من قطاري بنص الطريق. ناس لغموا السكة من بعد ما كنا صحاب. ناس حاولوا خطف القطار. ناس اتعربشوا وطلعوا مش محبة بالقطار ولا بالسفر، بس تا يوصلوا. وناس ظلوا صحاب قراب، ململمين حوالي مثل الوطن. القطار وطنه أحبابه لا محطاته وسككه… ما عندي حكي. اللي بدو يفهم علي ما بخلّيكي تحكي. نفسي انبرت مثل القلم داخل البراية. مثل حبة بن بشي مطحنة جبلية…. مين أنا وليش جيت وليش صرت هيك؟!….. ما يحزنني هو أنهم جميعاً يحبونني ويكرهون بعضهم بعضاَ… إيماني بأن بلدي مكتوب عليه ألا يموت… بيتنا بزقاق البلاط، كان في خزاين. بالخزاين كان في مراية، بالمراية كان في غراضي، بين الغراض كان إلي تنورة وصورة مليانة ضحك وسعادة…. يوم اختاروا الحرب علي اخترت أنا الصمت. أخرجت من بيتي ولم أخرج منه. أبعدوني عن العمل ولم أرفض التعاون. قد يأتي اليوم الذي أحكي فيه، لكني إلى اليوم ما زلت افضل الصمت. هناك بشر للحكي وآخرون للإصغاء، وأنا من فئة المصغين. أنا من أهل الصمت…

في مسرحية “صح النوم” غنيت في فقرة حوار روح ياللي ما مربي واحتج الكثيرون ففيروز ما بيليق لها هالحكي. غنيت كيفك إنت وفي نفسي رغبة داخلية بكسر الوقار البطريركي الذي يلبسني. يخيفني هذا القالب الذي أجد نفسي مصبوبة فيه. يرعبني هذا الرمز الذي صرته. في مسرحية “جبال الصوان” رفض الكثيرون فكرة موتي على البوابة في آخر المسرحية، كان على البطل المتسلط فاتك أن يقتلني في المشهد الأخير، وكنت اسمع أصوات الجمهور تصرخ تنكسر ايدك فيروز ما بتموت. في الفن كما في حياتي العادية أشعر بأنني سجينة القالب. صارت حياتي مثل لاعب السيرك الذي يمشي على الحبل، مطلوب منه ان يمشي بلا وقوع. عندما صار اللي صار وانفصلت عن عاصي قال لي البطريرك طلاق ما في… أنت لست امرأة.. أنت نموذج للمرأة ورمز لها… عاصي كان طفلاً يمتلك نفسية مفتوحة كالكف. اعطاني كل الاشياء التي كنت أحبها. مرة كنا جالسين مع ليال ابنتنا في الشرفة المطلة على البحر سألها فكانت إجابتها مثل ما أردت أنا أرد عليه. سألها: بتحبيني قد إيه؟ قالت له: شايف البحر شو كبير قد البحر بحبك، فتحولت في اليوم التالي إلى أغنية… أنا لست عنيدة أنا افكر كثيراُ وثقتي قليلة بالغير كما أنني انفذ قناعاتي، وأحبذ المرأة العنيدة بحق ومش عالفاضي… سوف أغني وأغني وأغني واعطني الناي وتعال غني معي حين يستعيد لبنان عافيته، حين يسترد ليونه المخطوف، وأرزه المحترق، وتفاحه المقطوف، وأزهاره الذابلة… السعادة والحزن ممتلكات شخصية لا يجوز لأحد الاطلاع عليها. لا توجد حياة بدون حب حتى لو اختبأ تحت الجلد. أعيش حياتي كما عشتها منذ ولدت بين الموسيقى والتأمل والسهر والنوم، لا شي يتغير عندي لأنه لم يوجد المبرر الذي يغيرني.

ما بفهم في السياسة أنا ضد الحرب أيا كانت وضد الظلم، وحياة الإنسان قصيدة على الأرض، قصيدة حب أو قصيدة قهر، وها الإنسان مجروح ومقهور لبعيد. في رحلتي لأمريكا غنيت لأهل المهجر: شو ما صار، بس ما تنسوا وطنكم… وراح اغني كتير كتير لحد ما العصفورة ما ترجع تعشش بالقرميد”.

في الغربة يفرحون بحضور الوطن في ذاتي، وأشعر بالأمان في وجود أي عربي في قاعتي. لا أريد دور حفار قبور الذكريات في حياتهم، أريد أن نستمر في الحياة، والحياة هي الماضي والمستقبل معاً.

والدي وديع حداد، زلمة درويش كان عاملاً في مطابع لوجور، أمي ليزا بستاني من بلدة الدبية في الشوف، وجدتي كانت طيبة تأتي بالأعياد محملة بأكياس اللوز ترتدي تنورة بجيوب واسعة وفي نهاية الزيارة أروح معها لبلدتها في البوسطة أنط جنبها وأنا لا أعرف لوين رايحين. في سنة 1955، جاء عاصي لبيتنا وتم أمر الزواج أشبه باسكتش عالمسرح وفضلت طول عمري أسأل ليش عم بيصير هيك؟

دعوناه للغداء وطبخت له بطاطا وكفتة مع السلاطة وبعد الغداء قال لي اتركينا شوي يا نهاد أنا وأبوكي بدنا نحكي كلمتين. غادرت وسمعته بيقول له أكون ممنونلك لو جوزتني بنتك، فرد والدي: على بركة الله!,,, بيتنا بيت معاناة وفي رحلتي العائلية زلزل كياني أربع مرات وبتضل الزلزلة للآن… الأولى لما أصيب ابني وصار مقعدا يتحرك على كرسي أطعمه بيدي، والثانية لما ماتت أمي وهي في الثانية والأربعين، والثالثة لما رحل عاصي، والرابعة لما ماتت ليال ابنتي. في كل المصائب والصدمات ظل إيماني بالله قوياً… طفولتي كانت معثرة ما عرفت فيها لعب ولا حضنت لعبة ولا تذوقت حلوى.

كان بيتنا حجرة ببساط فوق الحجر وحمامنا مشتركاً مع الجيران، بعد الزواج كنت أسد الثغرات المفتوحة بما يتيسر. يريحني جو البيت الحي غير المحنط الذي يشبه أجواء المتاحف، وأخذت عن أمي ميلها للحلي والخواتم لكن عملية الشراء لم تزل عندي تتم من خلال موازنة دقيقة. فليس من السهل نسيان العوز الذي عشته في طفولتي… أنا أقف في الحياة كتلميذة لأتعلم من سائر الأشياء، من الطبيعة والناس، ومن عيون الأطفال وشهقات الأمهات، ومن الكتب والقصائد، ومن الآخرين ولا اتمنى أن أهاجر من تلمذتي ومن ضفائري ومريلتي، ولو فعلت ذلك لصرت عجوزاً شمطاء… لا أعتبر نفسي أمثل بالمعنى الكامل للكلمة بل أقوم بأدوار قريبة من نفسي، وكثيراً ما أعود إلى ادواري في الاسكتشات القديمة لأتذكر مدى خجلي وخشيتي من الحركة، فيتأكد لي ان حب الناس هو الذي يفجر في الفنان طاقات لم يكن هو ذاته يتوقعها، وليت الجمهور يدرك مدى المجهود الذي بذلته حتى استطعت بخجلي يوماً أن أضرب على الدربكة في مسرحية “هالة والملك”.

أغني لمكة وللقاهرة ولعمان ولبغداد واغني لدمشق وبيروت وبعلبك. لحظة عاجزة أنا عن وصفها لا يعيشها سوى الفنان حين يعتلي المسرح ويرى الموسيقيين يعزفون والعيون كلها شاخصة إليه. لحظة ينتقل فيها إلى عالم النشوة ولا يدانيه سموا عالم دنيوي آخر. غنيت على أعلى جبال لبنان في الأرز فلفني الضباب وغطى الجمهور بتحول الليل إلى زمن من أزمنة الجنة…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*