أنا الذي تتلمذتُ على أنطون غطاس كرم

النهارنحتفل هذه السنة بمرور مئة عام على أنطون غطاس كرم وأربعين سنة على وفاته. إنَّها ذكرى غياب أديب غير عاديّ. فهو رجل قد جاء من الأعلى سواء في مهنة التدريس أو في الكتابة. لقد تركنا هذا الأديب وفي جعبته الكثير ممّا لم يستطع أن ينقله إلى طلابه ومحبّي أدبه. فغادرنا ولسان حاله يقول: ليس ثمّة من موت، فأنا أستطيع أن أغلق عينيّ لأجدني في قلوب من يتذكّرني. وهذا يدلّ على أن قبور الموتى هي في قلوب الأحياء، وأنّنا غالبًا ما نعيش حياتنا وحياتهم في آن واحد.

إذا كانت الأعمار عارة مستردّة، فإنّها تدوم في الماضي الذي هو ملك لنا. وليس من شيء هو في محلّ أكثر أمنًا كالذي كان. والموت حضور مستتر. فكلّ غياب هو دعوة إلى التأمّل لأنّ الإنسان يكون عندما لا يكون. و”الذكر إذا قوي صار مشاهدة”، كما يقول بعض العرفاء. واستذكارُ من نحبّ ليس أقلّ نفعًا من حضوره. لذلك كان النسيان خيانة، لأنّنا نسلّم فيه الأبدي لمجرى الزمن.

يقول إبن عربي: “إنّما أنت ما ملت إليه”. وما مال إليه أنطون كرم هو الأدب بفروعه المتعدّدة. وكان التعبير الأدبي عنده أكثر من حياة. أمّا اللغة التي استعملها، فكانت، هي أيضًا، تفكّرًا أكثر من الفكر. فكانت إحساسًا وخيالًا ولحونًا مؤنسة للسمع والنظر. أمّا تركيبها في جمل فتختلف فيها العبارة فكريًّا وجماليًّا عن وجودها المفرد. وأبينُ ما فيها أنّها تجعلنا نعي الحياة التي غالبًا ما تمرّ دون أن ندرك معناها. وكان أديبنا يختبر في أعماق كلّ كلمة من كلماته ولادة جديدة. أي أنه كان يعتبر في أسلوبه الجِدَّة دائمًا في صوره، والتركيب الأُنُف في كلماته. لذلك لم تكن كتابته مرآة بل ستارة من حياكة جماليَّة شفّافة، وبُعد فكريٍّ عميق في باطن هذه الحياكة. أمّا النقد الأدبي عنده، فهو وإن كان من الأدب الوصفي، إلّا أنّه راح يخرجه في سَمت الأدب الإنشائي فيه مقادير من التراكيب الجماليّة المناسبة. لكنّه لم يكن في نقده هذا، يذهب مذهب الشاعر الفرنسي ڤاليري الذي كان يعتبره أديبًا مميّزًا. فهو لم يحاول أن يخلق بالألفاظ “حالةَ عجز الألفاظ”، لأنّه كان على جماليّته ورمزيّته في منتهى الحرص على توصيل أفكاره بشكل واضح. فقد آمن بأنّ النقد الأدبي عِلمٌ لا يقبل التعبير فيه بأسلوب خياليّ شعري. بل نراه لا يضحّي بالمسمّى من أجل الإسم، ولكنّه كان يزاوج في نثره بين الإسم والمسمّى. وهذه كانت خاصّته التي لم تخرجه من شيعة النقّاد الناجحين، من دون أن يجعل أسلوبه رهن التعبير العلمي الصرف.

بكلمة، يمكننا أن نوجز كتابة هذا الأديب الكبير بجملة قالها نيتشه وهي: “علينا أن نجلس قبالة الشعر لنكتب نثرًا جيّدًا”. وعليه، فنراه في جلوسه هذا ينظّف ميدان كلامه من النثرية الخالصة، فلا يسمّي الأشياء بأسمائها وذلك في كتابه “عبدالله”، معتمدًا الكلام المجازي الذي ظلّت العلاقة فيه بين الرمز والمرموز إليه واضحة غير مُغرِبة أو عصيّة على الفهم.

وإن من عايش أنطون كرم عن قرب كان يجد أنّ له ذاتًا تشبه كتابته، كما كانت ذات ڤاليري وذات الفيلسوف الفرنسي باشلار تشبه كتابتهما. وأقصد بذلك الأناقة عند كرم، والوجازة القاطعة والصارمة عند ڤاليري، والإنسانية القروية عند باشلار. ولأن كرم كان يعيش بكلّ صدق وعطاء وفرح لا يمكننا أن نعتبر أنّ حياته كانت قصيرة. ونراه يكتب وهو في عزّ شبابه: “ويُطلّ الصباح خاويًا فارغًا مثل كلّ صباح، وتكتشفين على المرآة في وضح النافذة غضونًا جديدة في الجبين وفي المحجرين. نحن نمشي في مأتم نفوسنا والناس لاهون… نموت لنحيا ومِبْرد العيش يقرض الغاية بحيث لا تكون غاية”. ففي قوله هذا إحساس قويّ، بالزّمنية والموت. ولأنّ “السؤدد مع السواد” أي مع الشباب، نرى الموت قد عجل في أخذه.

وأنا الذي تتلمذتُ عليه وكان لي أخًا وصديقًا، لا أنفكّ أذكره بالباقي والأصيل فيه لأن التذكّر لا يتضمّن الفاني. يقول الرواقي سينك في رسالة له إلى تلميذه لوتشليوس: “نحن بالنسبة إلى الموت كالزهرة الساقطة يلمّها من دون أن يحتاج إلى قطفها”. ولكنّه بالنسبة إلى أستاذي وأخي أنطون كرم، هذه الزهرة النضرة، لم يحتج الموت أن يلمّها ذابلة بائسة، فعمد إلى قطفها وهي في أوج تألّقها وعطائها. والموت بفعله هذا عرف كيف يقوى ويتجدّد بمن يغتاله. وليعذرني أخي، الذي نحتفل هذه السنة بغيابه، إن كان الموت لم يعاملني كما عامله فقطفه وهو في كامل نشاطه. فآثر أن يقصدني في خريف العمر، زهرة ساقطة يلمّها من دون أن يحتاج إلى قطفها.

استاذنا انطون كرم مكرماً

كرِّموه. عزِّزوه. يليق به وبأدبه التكريم والتعزيز.

أمثاله قلائل. وأوصافه حاجةٌ ماسة في هذا الزمن الانحطاطيّ اللئيم.

المناسبة: مئة عام على ولادة المعلّم الكبير، وأربعون عاماً على الغياب.

الموعد: كان الجمعة 12 نيسان الجاري.

المكان: مبنى الوست هول – الجامعة الأميركية بيروت.

البرنامج: توثيق بصري- كلمة ترحيب من الرئيس فضلو خوري- شهادات حية مصوّرة – تأثير أنطون غطاس كرم في الأدب العربي الحديث بين عامي 1976 – 1979، مداخلة زينة الحلبي الاستاذة المساعدة في الأدب العربي، دائرة اللغة العربية ولغات الشرق الأدنى في الجامعة الأميركية، أنطون غطاس كرم ودوره القيادي في الجامعة الأميركية، مداخلة الدكتور رمزي بعلبكي، رئيس اللغة العربية في دائرة اللغة العربية ولغات الشرق الأدنى، أنطون غطاس كرم وتأثيره ودوره القيادي في المنطقة، مداخلة رمزي النجار، الخبير في التواصل، ملاحظات ختامية للدكتور شادي كرم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*