الرئيسية / home slide / «أنا أحيا خلال روحك حتى/ لأرى فيكَ مُهجتي وكياني»: الشعر وتغزّل النساء بالرجال

«أنا أحيا خلال روحك حتى/ لأرى فيكَ مُهجتي وكياني»: الشعر وتغزّل النساء بالرجال

عبد الواحد لؤلؤة
القدس العربي
20112022

هذا من غير المسموع به. بل قد يتحمّس آخرون ويقولون بل هو من علامات قيام الساعة! لقد سمعنا بنساء يرثين أبناءهن أو إخوانهن أو أزواجهن، وسمعنا عن نساء هَجَون أزواجهن، ولو أن أمثلة الهجاء هذه نادرةٌ نسبياً في كتب الأدب. ولعل من أبرز أمثلة الرثاء ما يروى عن الخنساء في رثاء أخيها صخر:
يذكِّرني طلوعُ الشمس صخراً/ وأذكُرُه لكل غُروبِ شمسِ.
أما أمثلة هجاء النساء لأزواجهن فهي نادرة الورود كذلك، ولو أنها لا تعوزها الطرافة. من ذلك قول عُصَيمة الحنظلية تهجو زوجها:

كأن الدار حين تكون فيها / علينا حُفرةً مُلئت دُخانا
فليتكَ في سفينِ بني عُبادٍ / فتُصبح لا نَراكَ ولا تَرانا

وقالت امرأة من بني ضَبّة تهجو زوجها:

تَراهُ أهوجَ ملعوناً خليقتُه / يمشي على مثل مُعوَجِّ العرانين
وما دعوتُ عليه قَط ّألعَنَه / إلاّ وآخرُ يتلوهُ بآمينِ
فليتَه كان أرضَ الروم مَنزِلهُ / وأنني قبله صُيِّرتُ في الصين

وربما كانت أمثلة تغزّل النساء بالرجال أشد ندرةً في المدوّنات التاريخية، ولكن ثمة مثال في شعر أول شاعرة إغريقية معروفة هي سافو (620- 550ق.م) التي كان أفلاطون معجبا بها، كما كان معاصرُها الشاعر المؤرخ ألكائيوس، ومعاصرُها الشاعر ميلياكر الذي قال عن القليل من المعروف من شعرها، الذي لم يبق منه سوى 104 جُذاذات: «قليلات لكنهن وردات». تقول سافو في الجُذاذة رقم 2 متغزّلة بزوجها في معرض حديثها عن الحب:
«كالآلهة نفسها في نظري ذلك الذي/ يجلس حيث يستطيع أن ينظر في عينيكِ، الذي يصغي / قريبا منكِ، ليسمعَ الصوتَ الناعمَ، حلاوتُه /تهمس حُباً / وبهجةً، كلّها له. لكن ذلك يعتصر روحي؛/ وتحت ضلوعي يَختفِق القلبُ جميعا».
وتذكُر التواريخ الإغريقية المعاصرة أن سافو بعد وفاة زوجها قد أحبت رجلاً اسمه فاءون حباً شديداً ما دفعها إلى أن تُلقي بنفسها من أعالي جُرف ليوكاديا. وكل هذا يدحض تخرّصات بعض نقاد آخر زمان من الأمريكان بأن الشاعرة كانت مِثليّة في حب النساء.
ولا أعرف أمثلة من تغزّل النساء بالرجال في مدوّنات الآداب اللاتينية في العهد الرومي، وحتماً من الصعب إيجاد أمثلة على ذلك في آداب العصور الوسطى الأوروبية التي تسيطر عليها الكنيسة. كما كان الشعر العربي منذ أيام المُنَخَّل اليَشكري إلى أيام نزار قباني وما بينهما من عصور أموية وعباسية وأندلسية لا تعرف سوى تغزّل الرجال بالنساء، والقول بغير هذا غير مسموع به.
ولكن في هذه الأيام نجد مالم يكن متوقعاً في ظروف بلادنا الحالية، وهو التفات وزارة الثقافة في بغداد إلى الشعر المعاصر والثقافة بوجه عام. فقد قرّروا الاحتفاء بذكرى أستاذ الجيل والمرشد الأكبر للحداثة في بغداد الخمسينات وما بعدها: جبرا ابراهيم جبرا، وإصدار كتاب من مقالات ودراسات ممن عرف الرجل أو تلمَذَ عليه، ومنهم كاتب هذه السطور، مقالات ودراسات بالعربية والانكليزية، وهذا ما يوحي بأن هناك من يقرأ ويتابع وأن أمور الثقافة تعني له أكثر مما تعني أمور أخرى، تشغل بال الضائعين بين الماء والماء!
ومن الأمثلة العجيبة على هذه الحركة المباركة أنهم قد أصدروا مجلداً من 600 صفحة، يضم الأعمال الشعرية الكاملة لشاعرة العراق الحديث، المتميِّزة: لميعة عباس عمارة، بما في ذلك قصائدها بالعامية العراقية الجميلة، وطلبوا من هذا المسكين في ربيعه التسعين أن يترجم هذه الأشعار إلى الانكليزية، هذا إذا بقي في القوس مَنزَع.
ومن باب العناد بدأتُ الترجمة، لأني وجدتُ في هذا العمل استمراراً لجهودي في السنوات العشر الماضية من «التمتّع بالتقاعد» حيث صدرت لي سبعة كتب من مختارات من الشعر العراقي الحديث، ترجمتُها إلى الانكليزية ونشرَتها لي دور نشر كبرى في لندن ونيويورك وجامعة نوتردام في ولاية إنديانا الأمريكية. وأحسب أن هذا من باب «خدمة ثقافة الوطن» التي تختلف «قليلا» عمّا يقدّمه «آخرون» في مجالات «أخرى».
وفضيلة هذا المجلّد الفاخر أن قصائده كلّها تقريبا تدور حول الحب في أشكاله المختلفة، وأن الشاعرة تخاطبك بحميمية كأنها تجلس قبالتك، مما يلغي أي شك في احتمال أن يكون هذا التعبير عن الحب مُتكلَّفاً أو مصطنعاَ. هذه قصيدة تعود إلى العام 1948 والشاعرة لمّا تبلغ العشرين من العمر، وهي طالبة في السنة الثالثة بقسم اللغة العربية بدار المعلمين العالية، التي كانت تموج بالشعراء، وهي السنة التي تعرّفتُ فيها على الشاعرة كما تعرَّفتُ على ابن عمّتها عبد الرزاق عبد الواحد، وأنا في سنتي الأولى بقسم اللغات الأجنبية، فبقيتُ أتابع نشاطهما الشعري، كما بقيتُ على تواصل معهما وكتبتُ عنهما في مناسبات عديدة.
هذه القصيدة بعنوان «شهرزاد» وقد تقمّصت الشاعرة شخصيتَها إذ تخاطب الحبيب متغزّلةً به:
ستبقى ستبقى شفاهي ظِماء/ ويبقى بعينيّ هذا النداء…. لعينيكَ أنتَ يَلذُّ العذاب/ ويَستعذِبُ القلبُ مُرّ الشراب…. هَوانا وأشواقُنا الخالدة/ وثورةُ أرواحنا الحاقدة/ لأعجزُ من أن تمدَّ يداً/ تُمزِّق أسطورةً بائدة / أساطير نمّقَها الأولون/ وأشباحُ موتى تجوب القرون/ لتخنُقَ أجملَ أحلامنا/…. فقلبي، وشِعري، وعُمري سُدى/ إذا لم أُمَتَّع بعيشٍ معَك.

أليسَ هذا شعور عاشقة منعَتها التقاليد الاجتماعية الموروثة من الاجتماع بحبيبها؟
وفي قصيدة بعنوان «أنا كُلّ النساء» نجد العاشقة قد ملكَت عِنان المعشوق، تُسيِّره كيف شاءت، مثل ما قال العباس بن الأحنف على لسان هارون الرشيد الذي «كان يحجّ سنة ويغزو أخرى» كما تقول التواريخ، ومع ذلك كان لديه من الوقت والقدرة علي أن يُحبّ ثلاثاً من الآنسات فقال، بلغة الشاعر العباس بن الأحنف:

ملكَ الثلاثُ الآنساتُ عِناني / وحَللنَ من قلبي بكلِّ مكانِ
مالي تُطاوعني البريّةُ كلُّها / وأُطيعهنّ وهُنّ في عصياني
ما ذاك إلا أن سُلطان الهوى / وبه قوينَ أعزّ من سلطاني

والشاعرة العاشقة هنا هي «كلّ النساء» فأين المفر أيها العاشق؟

لا تقُلها إن لَجلَجَت في حناياك / ودَعني أشتَفّها من عيونِك….
وإذا الآدميّ فيكَ تنزّى / وتمطّى العناقُ بين جفونِك
فاحتضِن أيّهن شِئتَ، تجدني /- أنا كل النساء- طوع يمينك….
أنا أحيا خلال روحك حتى / لأرى فيكَ مُهجتي وكياني.

كيف نَصِف هذا المعشوق الذي هو «في قبضة العاشقة»؟ أهو سعيدٌ بهذا العشق قدر سعادة العاشقة التي تتلذّذ بعنان من تملكه في العشق؟ ما رأي علم النفس التحليلي؟
وهذه صورةٌ أخرى من صور الحب، أكثر هدوءاً واتّزاناً، هل نقول: رومانسية؟ مفهومة؟ أقرب إلى القلب، كما تقول العجائز، وهنّ الخبيرات بالحب؟ «صورته» قصيدة تتغزل بالمحبوب بكلام لا تستطيع أن تشكّك في صدقه، ولا أدري لماذا:
«صورتُه تنام في أهدابي/ تَصحو معي/ تتبعُني/ تَحومُ عند بابي/ أقرأُ،/ أو أكتبُ/ أو ألهو مع الصِحاب، / وهي معي/ وملءُ عيني/ وعلى كتابي./ في ضَحِكي/ سِيّانِ/ واكتئابي./ مللتُها/ مللتُ من عذابي/ لو ورقا ًمزّقتُها/ لو حجراً حَطّمتُها/ لكنها/ أعصابي.

منذ بداية الخليقة والشعراء العشاق يشكون: «من لم يذُق ظُلمَ الحبيب كظَلمِه/ حلواً فقد جَهِل المحبّةَ وادّعى». يا ترى كيف هو شعور العاشقة والمعشوق في هذه الأيام؟

 عبد الواحد لؤلؤة