الرئيسية / home slide / أناشار بصبوص يدشّن محترفه في راشانا: منصّة ما بعد حداثية للنحت المعاصر

أناشار بصبوص يدشّن محترفه في راشانا: منصّة ما بعد حداثية للنحت المعاصر

27-09-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

أناشار بصبوص يدشّن محترفه في راشانا.

الدكتورة مهى سلطان

#راشانا مملكة الحجر ومأوى الذاكرة والمتحف الحيّ لإنتاج عائلة بصبوص، تزينت وازدادت ألقاً وغواية مع افتتاح اناشار بصبوص محترفه الجديد الذي أطلق عليه اسم MAB Anachar Basbous كمساحة تفيض بالأصالة والجمال والأمل والحب، وهو تحفة معمارية معاصرة صممها بالتعاون مع المهندس المعماري جواد عرنوق، على قطعة أرض تبلغ مساحتها 1400 متر مربع أمام منزله في راشانا، مواجِهة للبحر وتتميز بعنصرين، يطبعان القرى في منطقته: الاول، انها مساحة مسطّحة تُعرف باسم “البيدر” حيث كان يُجمع القمح استعدادا لطحنه، وهو جزء مكشوف وعاصف، في أوقات الحصاد، كانت تُفصل فيه بذور القمح والشوفان. أما العنصر الثاني المميّز فيسمى “رجمة”، وهي تلة ضخمة صُنعت عبر رصّ القرويين الحجارة الصغيرة.

البناء عبارة عن كتلة اسمنتية خام ومتراصة، مثبّتة على الأرض من جانبها الشرقي، ثم ترتفع من جهتها الغربية مثل دفة سفينة معلقة في الفضاء، أو شرفة مطلة على البحر، وهو من حيث الشكل أقرب ما يكون الى منحوتة تجريدية من ابداعات المينمال آرت، لفرط بساطته وقوتّه في آن واحد، فضلاً عن وظائفه الجمالية المتعددة.

يتوزع المبنى على ثلاثة أقسام متميزة: السقف الذي بُني ليشابه طريق القرية، ويسهل الوصول إليه من الجانب الشرقي. ويمكن مشاهدة المنحوتات الضخمة في الصالة التي تحتوي على نوافذ كبيرة، كاشفة لجهتي الشمال والغرب. ومن هذه الزاوية، يمكن رؤية الحديقة و”الرجمة”. أسفل القاعة الرئيسية، تقع غرفة أصغر، تضم منحوتات متنوعة الاحجام ومعروضة للزوار. اما المدخل إلى العالم الخارجي فمُتاح من خلال باب زجاجي ضخم. يمكن الوصول إلى هذا الطابق من طريق الصعود على مجموعة سلالم، مصنوعة من الاسمنت المكشوف وتؤدي إلى الحديقة التي تكسو السطح.

في عملٍ انشائي ينتمي الى فن الأرض Land Art، #نحت أناشار “رجمة” لكي يختبر أشكال الحجارة وتدرجاتها وأحجامها وملامسها في صنع منصات للعرض، وفي بعض الحالات، للحفاظ على اجزاء من الجدار القديم. بذلك أتاح الحوار ما بين منحوتاته المعاصرة بأشكالها المبتكرة والتقليد البدائي المتجذر في ذاكرة المكان، ونحت “البيدر” من تاج “الرجمة”، وهي مساحة حافظ على شكلها لما تتمتع به من موقع وحجم مثاليَّين، وأبقى فكرة الدرج الخشبي الذي استخدمه العمال للتنقل بينهما مستبدلاً إياه بدرج اسمنتي. هكذا يبدو المشهد كحديقة متعددة الطبقات، تتوزع في ميدانها وعلى اطرافها انصاب حديدية، حيث يجول البصر بين شموس وأقمار وخواتم واقواس متشابكة ونواقيس مرتفعة، ويتغلغل بين اشجار الزيتون إلى ان يرتمي بعيداً في زرقة البحر.

من الحداثة الى التفكيك
من البطولة الامساك بموروث غني ومتنوع وثقيل من تركة الماضي، والمضيّ به على نحو تصاعديّ مدهش ليخاطب لغة الحاضر ويستشرف به المستقبل. هذا ما فعله أناشار الذي أخذ راشانا من زمن الحداثة ومفاهيمها الى عصر التفكيك والتركيب والتصنيع الآلي ومواد البناء والخامات الثقيلة وعلاقتها بموحيات الفضاء، من دون أن يتخلى عن موروث العائلة وما تهبه القرية من سكينة وتأمل، فضلاً عن العلاقة بالطبيعة التي يهيم بها ويتعلم من نظامها وتكاوين موجوداتها وكائنتها قوله: “أجد الافكار عبر مراقبة العالم من حولي وخصوصاً الطبيعة المليئة بكل تلك التفاصيل الصغيرة، كالمعادن والنباتات والمناظر المفعمة بالأشكال والألوان والملامس التي تبثّ فيّ روح الالهام”.

على دروب راشانا تعبق رائحة الفن ويتعرج بين بيوتها وفي بساتينها وحدائقها مسار نحت البصابصة، تدلك عليها تلك القامات النحتية الممشوقة الواقفة على منعطفات طرقها مثل حارسات المعبد، تعيدك الى امجاد نتاجات الأخوة بصبوص (ميشال وألفرد ويوسف) ومفاهيم الحداثة وينابيع الهاماتها وتأثيراتها الآتية من مرحلة ما بعد التكعيبية والتجريد والتفاعل مع تكاوين الطبيعة والفنون البدائية بطقوسها الغامضة. يكمل المسار صعوداً كي تكتشف أنك أمام جيل آخر من فن النحت مع قامات اناشار العملاقة المصنوعة من الصلب وتلافيف دواماته المفككة المفتوحة على المطلق، التي تتراءى منتشرة على الطريق وداخل محترفه الذي يعانق الطبيعة الخلابة، قبل المضي قدماً الى الأعلى عند كتف التلة حيث “المنحوتة- السكنية”، وهي البيت البيضاوي ذو الحجرات المقببة، الذي شيّده ميشال عام 1973 بمساعدة اخويه، وعاش فيه مع زوجته الكاتبة والشاعرة تريز عواد. في هذا البيت تفتحت مدارك أناشار على الفن، بين قامات من نسل الحجارة وأحلام ملونة وتموجات ظلال، وكتبٍ وقطع نحتية كان يظنها العاب أطفال. وقد شهد هذا البيت ولادة أول منحوتة له (العام 1979)، انجزها حين كان في العاشرة من عمره، وصبها بمادة الالمنيوم، وهي المرحلة التي خاض فيها ميشال في استنطاق جماليات المعادن (ألمنيوم وبرونز ونحاس ملوّن)، لكن المفارقة أنها تحمل كل أسرار تقاطعات الاشكال الهندسية والبنيان المجرد الذي تدور في أفلاكه تآليفه الراهنة، لذا وضعها في مقدمة قاعة العرض كأول قطعة من انتاجه في جوار الركن الحميم المعدّ لاستذكار والديه بكثير من الحب والعرفان: “كائنان وهباني كل شيء، صنعاني، والأهم من ذلك، أحباني بشكل رهيب”.

شمس راشانا وميشال وأناشار
شمس راشانا هي شمس ميشال بصبوص التي نقشها على وجه الحجر زيوحاً دائرية في ميحط نورانيّ تتبدى على نحو نموذجيّ في المنحوتة التي مثّل بها لبنان في اليابان وهي التي تتراءى بين دفاتره ورسومه بالطبشور الملون (الباستيل) شمساً فرحة مثل اهازيج الطفولة واعياد الطبيعة وقطاف المواسم وألوان الثمر، وهي ايضاً شمس #أناشار بصبوص ذات السطوة والقوة والايهام، بأن ما يراه المرء ليس واقعاً بل افتراض شكلي يؤسس لغته على منجز تقنيّ حيث يلتقي الحديد بالحديد، والحافة بالحافة والفراغ بالكتلة في كوكبة من قضبان تجمعت في نظام دائري كي تشع في دورانها الى ما لا نهاية. شموس اناشار تأخذ بعداً تأويلياً كونها تتبدل وتتغير وتتلبس معاني مختلفة في اكثر من تكوين وتركيب ومادة، وهي تنبري للعيان احياناً ببعدها الشكلي كدوائر عملاقة ومراراً ببعدها الطوطمي السحري حين يلامس بريقها البصر.

انها ايضاً الشمس التي تنتشر في كل أرجاء محترفه الذي يضم أكثر من خمسين قطعة فنية، استخدم في صنعها فولاذ كورتن المقاوم للصدأ والرخام والخشب والألومنيوم والبازلت والاسمنت، كما يحتضن المكان مجموعة متنوعة من الأعمال التي تعود الى الفترة الممتدّة بين العامين 2017 و 2022. وهي الحقبة التي عرفت اعماله انتشاراً واسعاً على المستوى العربي والدولي ووصلت الى “دار كريستيز” في لندن ومتحف معهد العالم العربي في باريس وعدد من المتاحف العربية والاوروبية والاميركية، فضلاً عن أصحاب المجموعات الخاصة والحدائق العامة والفنادق وبعض المؤسسات الرسمية والخاصة حول العالم.
يبدو ان الفكر الهندسي والميل الى اللعب بالأشكال كان ظاهراً لدى أناشار منذ سني الطفولة، لكنه اخذ منحى جدياً حين دخل الى قسم الهندسة في “المدرسة الوطنية العليا للفنون التطبيقية والفنون المهنية” (ENSAAMA) في باريس حيث تخصّص في تصميم الجدران المعمارية، ليعود الى لبنان ويفتتح ورشة للنحت في قريته راشانا حيث يزاول فيها النحت الى جانب فن الموزاييك الجداري حتى العام 1996، قبل ان ينصرف كلياً إلى النحت على الحجارة والرخام والخشب منحازاً أكثر فأكثر الى انواع المعادن. لعل هذه الخبرات عززت لديه الجوانب العملية والتقنية في مجاراة الاساليب المعاصرة التي تختلف بفكرها وادواتها ووسائطها عن النحت الحديث الذي حمل ابداعات والده ميشال التي نقشها على وجه الحجر، وحيثما حط ازميله أو لامست معالم المواد بصمات يديه.

انطولوجيا الاشكال وقوة البساطة
استطاع أناشار ان يؤسس اسلوبه الفني الخاص، من طريق التفكيك والتركيب ونظام التكرار، الذي يؤسس للحركة ونموها في الفضاء. فثمة حركة يرسمها النمو العمودي لأطباق كاملة يتراكم بعضها على حافات بعض، وثمة اشكال نصف كروية تتقاطع لتقترب من الأشكال الهلالية، وتبعث في تنوعاتها اللانهائية السؤال عن قدرة الهندسة على اختراق الثبوت والرهان على الاحتمالات التي لا تزال في اعمال أناشار تركن الى التجاذب الكتلوي لأجزاء المنحوتة. وهي احتمالات بنائية جديدة من شأنها أن تؤسس، كما أسست المستقبلية من قبل، لبنيان هندسة التفكيك للكتلة في الفراغ وإعادة بنائها على نحو غريب وجديد وغير متداول من قبل. يكفي ان نتأمل اشكال الأطباق الشبيهة بالعدسات الطائرة، وهي في رياضيات الهندسة البنائية ليست سوى طبق واحد في طور التنقل لذا نراه يتكرر في مدارات مكوكية أو مسارات افقية، شبيهة بحركة الكواكب السيارة بما تحمله من دلالات استعارية ورؤيوية متصلة بالطبيعة الكونية وعوامل الضوء والزمن والسرعة، وكثيراً ما تظهر مقاطع الاشكال المنشورية بزواياها الحادة في التفافات شبه دائرية، لكأنها أجنحة طيور تعاند الريح.

يدعونا أناشار كي نغوص في تحليل ميكانيكية عوالم اشكاله التجريدية المفتوحة على وميض الضوء، واعتبارها دلالات نحتية ذات نوعية إبداعية في مساراتها المتبدلة والمتنوعة. أشكال لا تقع في اغراءات مظاهر التكرار والسكون النهائي الذي يقودنا الى نهايات محتومة، بل الى احتمالات قائمة على التجريب المستمر. فهو يقدم لنا أشكاله النحتية في مشهدية مؤثرة متأتية من الضخامة التي تفرض نفسها على العين. ففي جنبات محترفه نرى صروحاً عالية من الصلب بأثلامه العميقة، وانصاف دوائر في تكاوين مغلقة ومفتوحة، أما قرص الشمس فهو رابض لكأنه يحرس المغيب، واشكال نواقيس لولبية لكأنها من أثر حضارات لم يتحدث عنها التاريخ. هذه الانطولوجيا المفتوحة التي تعتني بدراسة الاشكال وقوتها واحجامها وابعاد حضورها، تشكل هاجساً جمالياً لدى أناشار، وتميز فضاء محترفه بالتأكيد. الى ذلك يتميز بقوة البساطة في التصميم الهندسي لسطوحه الذي يدخل في صلب الفن الأقليّ بما يتوافق مع مزاجه وهواه. فالبلاغة التي وصل اليها، تتجلى في تقدير الانزياحات الخطوطية بين السطوح حين تتراكم، او نقاط التمّاس الشبيهة بأول لقاء بين جسمين يتجاذبان فيلتصقان فيُحدث هذا الالتصاق ظلالاً وذكريات. فالتنابذ والتقاطع ونقاط الجذب والانشطار والتفكك واللاتوازن وصدمات الفراغ والتشابه والاختلاف، هي بمثابة لغة بصرية وجمالية شبيهة بالوشوشة الناعمة التي تثير العين وتلدغ الحس ولكنها تتسرب الى القلب.