“أنا، الامبراطورة المسكينة”

كانت كاترين العظمى تريد لروسيا في عهدتها أن تصبح أهم الأمم. لذلك، أحاطت نفسها بأفضل الرجال، مدنيين وعسكريين. ومنهم من راقه الاقتراب. ولم تكتف الامبراطورة بطلب مشورة المفكرين الروس، بل ارسلت في طلب دوني ديدرو، صاحب الانسيكلوبيديا ورائد الانسيكلوبيديين. لكنها اكتشفت بعد أيام، أن الفيلسوف الفرنسي، يأخذه حماسه في اثناء “الدرس”، فتمتد يده إلى صاحبة العظمة، فأوصت للتشريفات بوضع طاولة عريضة بينها وبين الفرنسي المحب للنساء، بصرف النظر عن تقاليد القصور في سانت بطرسبرج.

لم تطل إقامة الضيف الفرنسي في مدينة القياصرة والقيصرات. ولم يكن السبب فقط طول يديه وضغط راحتيه، بل الخلاف في الرؤية، بينه وبين المرأة التاريخية. وذات يوم صارحته، من وراء الطاولة العريضة: “مسيو ديدرو، لقد اصغيت باهتمام شديد الى كل شيء أوحى به عقلك اللامع، غير ان أفكارك العظيمة، التي اتفهمها تماماً، تؤدي الى كتب عظيمة وخطوات سيئة. إن خططك للإصلاح لا تأخذ في الاعتبار، الفارق بين موقعينا. أنت تعمل على الورق، الذي يقبل كل شيء ولا يعترض على اي شيء من قلمك ومخيلتك، أما انا، الامبراطورة المسكينة، فإنني أعمل على الجلد البشري، وهو شديد الحساسية وسريع الحكاك.

كانت الامبراطورة تريد ضمناً من فيلسوف التنوير أن يبرر لها فكرة “المستبد العادل” التي سوف يروِّج لها عندنا العالِم جمال الدين الافغاني. أما الرجل الذي أشرف على شرح 28 مجلداً و 74,000 باب ، فكان مقتنعاً بأن المستبد لا يمكن أن يكون عادلاً. الظلم والعدل لا يلتقيان. وكذلك النور والعتمة.

انقلبت كاترين على زوجها نقولا الثالث. وفي بيان قالت إن وفاته نتجت من نزف حاد في الشرايين الشرجية. وكاد عشيقها الضابط غريغوري أورلوف يقرأ النعي بنفسه على الروس، الذين تجمهروا تحت شرفة القصر، يبايعون أشهر امرأة في تاريخهم، وصاحبة أطول مرحلة استقرار في البلاد، مرتدية الثياب العسكرية، مزينة الصدر الناهد بالاوسمة والانواط.

لم تطل إقامة المسيو ديدرو في رحاب القصر. وبعد ستة أشهر، انتهت محاورات الطاولة العريضة، ذلك العازل المؤدب بين كاترين والفرنسي الضعيف أمام الجنس الآخر والجاذبية الامبراطورية. وعاد الى باريس يعيش في حرياتها بلا أي عوازل، وناشراً المزيد من التنوير، لكنه لم يعش ليرى اندلاع الثورة الفرنسية، التي كان هو ورفاقه، من آبائها.

اخطأت سيدتنا الامبراطورة عندما استهانت بقوة الورق وفعله. ولم تستطع تعاليم الكولونيل اورلوف ان تنتصر، في الصراع بين الجلد والورق. فالورق (والحبر) الذي نقل أفكار صعلوك يدعى جان – جاك روسو، ورجالاً أمثال ديدرو وفولتير، سوف يغير تاريخ البشرية، أولاً في باريس، ومن بعدها في بطرسبرج، حيث لف فلاديمير لينين التاريخ في محرمة ورماه من منبره الصيّاح، منهياً، بإشارة من يده، قيام دولة الكادحين، ونهاية عصور روما والقيصر.

كما مهد ديدرو وروسو وفولتير للثورة في فرنسا، مهد الكونت تولستوي ودوستويفسكي وتشيكوف، للثورة التي سوف يخطفها الشيوعيون، ويعيّنون عليها وعلى معانيها الإنسانية مفوضين من قبلهم. وضاع إرث تولستوي، الاكثر نبلاً، تحت اقدام لافرنتي بيريا ويوسف ستالين. وبعدما كان ممكناً في عصر القياصرة أن تصبح المرأة امبراطورة زمانها، اصبحت المرأة في عصر الثورة، مجرد رفيقة، أوزوجة للرفاق العظام. وفي بلد الثورة الأم، لم تقترع المرأة إلا مع شارل ديغول، الفرنسي الأقل نسائيات، العام 1945.

هذه مجرد خواطر متأخرة قليلاً عن “يوم المرأة العالمي” بدأناها، كما ينبغي، بامبراطورتنا. اميرة بروتستانتية من المانيا، تصبح ملكة الأرثوذكس في روسيا، باسم كاترين الثانية، تزيح زوجها القيصر، وبدل ان يخلفه ابنه البكر وفق الأصول، تحل هي محله لأطول فترات الحكم. وفي ظلها تكبر الروسيا وتتوسع وتصبح في عداد الدول العظمى، مثل امبراطورتها.

الغرب، كان تاريخ الرجال، إلا بريطانيا، ولا سبب محدوداً للظاهرة. ثلاثة عصور حملت اسماء انثوية: الاليزابيتي، والفيكتوري، وحداثة مارغريت تاتشر. وها هي بريطانيا تبحث عن نفسها من جديد، في ظل السيدة تيريزا ماي، الجذابة ذات شباب مضى. ولم يعد الاحمر يليق بها، على طريقة احلام مستغانمي “الاسود يليق بك”.

“على شعرة”، كادت امرأة أن تصبح رئيسة الولايات المتحدة. لكن الهند كانت أول من أعطى الزعامة لامرأة. وكانت أيضاً من اغتالها. وباكستان الاسلامية أعطت الزعامة (الظاهرة) لسيدة، ثم اغتال العنف الآسيوي بنازير بوتو كما اغتال انديرا غاندي من قبل. وفي شبه القارة الهندية كلها وصلت المرأة الى الحكم، وهي إما في الساري الطويل، العاري تحت لفة الصدر، مثل انديرا، وإما في الحجاب الأبيض حامل تلاويح أوكسفورد، مثل بنازير. لم يتوقف الانفتاح الآسيوي عند زعامة انديرا، بل كاد يوصل الى الحكم صونيا غاندي، المضيفة الايطالية السابقة، التي ارتدت الساري الآسود، وتركت خلفها ايطاليا حتى من زيارة عابرة. تلك هي المرأة الحديدية الحقيقية، التي لا تزال تحصن سلالة نهرو وغاندي. وتعيش في منزل مستأجر. ولا تزال تحتفظ بمعالم الشبه مع ابنة بلدها، كلوديا كاردينالي.

ما زلنا لا نعرف من كان بونابرت يقصد عندما قال “فتش عن المرأة”: والدته، التي سميت بموجب مرسوم امبراطوري “السيدة الوالدة”، أم زوجته جوزفين، التي التحقت به في مصر، هي وعشيقها. عن الأم قال “المرأة التي تهز السرير بيمينها، تهز العالم بيسارها” عن معذبته لم يقل شيئاً. لقد ارتجف وهي تهز عالمه، يمنة ويسرة.

العناوين الكبرى لا تعني شيئاً. في بلاد الملكة فيكتوريا، لا تزال المرأة تعاني العنف مثل المرأة الصينية. أو الهندية. أو العربية. مساء الأربعاء الماضي شاهدت برنامج “أنا هيك” (الجديد) للزميل نيشان. فجّة ومبتذلة هي الحقيقة. فالعنوان الرئيسي عنى في يوم المرأة أننا بلد الوزيرات الأربع. لكننا أيضاً البلد الذي يضرب فيه الرجل زوجته قبل قتلها، ولا تزال المحكمة لا تلتئم لإصدار الحكم في حقه. أو يطلب من الخادمة أن تتولى ضربها، لأن الزوجة عادت الى المنزل واكتشفت زوجها يبعّل الخادمة على أرض المطبخ.

لم تلغ كاترين الكبرى، نظام السخرة، الذي أدّى في النهاية الى سقوط النظام القيصري. وبالعكس، زادت ميزات النبلاء. ولم تخصص المرأة الروسية بشيء، مكتفية بإحاطة نفسها بكبار ضباط الجيش والبحرية. (لم يكن هناك سلاح جوي في تلك المرحلة). وأبعدت ديدرو عندما حاول اقناعها بتخفيف شيء من صلاحياتها. لكن سيدتنا، أي كاترينا، مرّت في روسيا كما مرت فيكتوريا في العصر الامبراطوري البريطاني. باسمها ارتبط عصر التنوير. ومعها دخلت روسيا ملامح الحداثة بعد قرون من الحياة الزراعية. وصحيح أنها احاطت نفسها بالضباط، وبينهم أورلوف ، الذي كان لا يزال برتبة ملازم، لكنها اشتهرت برفقة الفلاسفة ومراسلة فولتير. وعلى رغم الطاولة العريضة بينها وبين ديدرو، فقد أحبها الفرنسي، وهو الذي اطلق عليها “كاترين العظمى”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*