الرئيسية / home slide / “أم الشرائع”… المشعّة بالبؤس!

“أم الشرائع”… المشعّة بالبؤس!

09-01-2023 | 00:30 المصدر: “النهار”

نبيل بومنصف

نبيل بومنصف

بيروت كما بدت ليلة رأس السنة (نبيل إسماعيل).

بعد طول جدل واجتهادات ظهر ثابتاً أن مهمة الوفود القضائية الأوروبية لكل من فرنسا وألمانيا واللوكسمبورغ في #بيروت تتصل بخلفية بدء “الغابة اللبنانية” المالية الفالتة أسوة بفلتان وتحلل كل شيء في لبنان بضخ تأثيراتها أو جانب من انعكاساتها على المسارح المالية الأوروبية. هذه المهمة تنطوي على غموض في شأن حقيقة الأهداف التي حركت الوفود القضائية خصوصاً وسط الالتباس القائم بين ملفات التبييض والفساد التي تسعى الى استجواب لبنانيين فيها وبين ما تثيره التحقيقات القضائية في هذه الدول في حق حاكم مصرف لبنان. والى أن تظهر حقيقة الخيط الأبيض من الخيط الأسود في هذه المهمة “الغامضة” بعيداً من التوظيف السياسي والدعائي الداخلي الذي ستتعرّض له وبشراهة مطلقة، لا يمكن تجاوز المنعطف الأبعد من التفاصيل التي ستعوم على سطح استجوابات في ملفات فساد، ونعني بذلك أن الفوضى اللبنانية بلغت مراحل متقدمة وموغلة في الخطورة الى حدود إقلاق دول وحضّها على الدخول في “المستنقع” الفوضوي بنفسها.

هذا الجانب المثير للخشية الغربية من #الانفلات المصرفي في لبنان والذي يأتي بعد أكثر من ثلاث سنوات على التاريخ “الرسمي” لانفجار الانهيار المالي ليس معزولاً إطلاقاً عن اتساع رقعة الأخطار التي قد تحوّل لبنان برمّته بؤرة اجتماعية متفجرة من شأنها أن تتطور لاحقاً الى بؤرة تفجير أمنية إضافية في الشرق الأوسط. صحيح أن العالم تخلف بمعظم دوله عن الالتفات المركز الى الفوضى اللبنانية حين كان منهمكاً في تداعيات الأزمات العالمية من كورونا الى حرب روسيا على أوكرانيا الى أزمات الطاقة الى سواها وسواها، ولكن الأوروبيين يبدون الأشد تأثراً وتوجساً من جوانب متصلة بالكارثة اللبنانية حين تمسّ أمنهم الاجتماعي والمصرفي وغيره. ولكن لا تأخذنا الأوهام إطلاقاً بأن تحركاً يتصل بجانب قضائي سيقود الى “تدويل” التحقيقات ولاحقاً المحاكمات في ملفات الفساد اللبنانية لمجرد أن وفوداً ثلاثة أوروبية جعلتنا نكتشف أن ثمة معاهدة دولية للتعاون القضائي بين الدول في ملفات الفساد المعولم انضمّ إليها لبنان عام 2008 وتلزمه تسهيل مهمة هذه الوفود. لنقل إن الجانب الإيجابي الأساسي في هذه المهمة هو أنه يفضح على الغارب المسألة المتصلة بحقوق ملايين اللبنانيين الضحايا للفساد وانهيار الدولة بسبب الفساد والذين لا يعرفون مستقبل ودائعهم، هؤلاء سيشعرون ببعض العزاء حين يعاينون دولاً كبرى ومتطورة ترسل وفوداً قضائية لتجري استجوابات هي أساساً حق سيادي مطلق للقضاء المحلي لأن الواقع اللبناني توغّل في الخطورة الى حدود مسّ جوانب من المصالح الدولية. يحصل ذلك وسط تعاقب حقائق صادمة بفعل الانهيار واتساع تداعياته وتأثيراته المدمّرة ومنها أن بيروت “أم الشرائع” التاريخية التي اغتيلت كما اغتيل شهداء مسار السيادة والاستقلال والقيم الكبرى في هذا البلد، صارت مقصداً لوفود أجنبية تخشى تداعيات الفوضى اللبنانية لدى بلدانها. وبيروت الإشعاع التاريخي هذه وقبلة أنظار الوفود السائحة من شتى أنحاء العالم صنّفها تقرير دولي بقسوة بالغة أخيراً بأنها صارت من أسوأ عواصم الدول في مستوى الحياة والمعيشة للناس.

هؤلاء الذين حوّلوا بيروت الى هذا المصير البائس المحزن الصادم من تراه سيتمكن في زمن ما من جعلهم يقفون وراء القضبان ويحاكمهم في أسوأ ما عرفته دول من مصائر؟ سيحتاج ذلك حتماً الى ما يفوق معاهدة دولية لتنظيم تعاون قضائي بين الدول، وحتى التدويل الكامل قد لا يحصر الكارثة!