الرئيسية / home slide / أميركا و”حزبُ الله”… المدرسةُ الفكريّةُ نفسُها

أميركا و”حزبُ الله”… المدرسةُ الفكريّةُ نفسُها

21-10-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

سمير قسطنطين

سمير قسطنطين

عناصر "حزب الله" (حسام شبارو).

عناصر “حزب الله” (حسام شبارو).

لنتّفق أوّلاً أنّ أميركا وحزبَ الله هما، في الحدّ الأدنى، خصمان وَصَلا في مراحل سابقة إلى العَداوة. هذا لا يعني، أنّهما يريدان تدميرَ بعضهما البعض. أميركا والحزب، وعلى تفاوتِ حجمِهما ونفوذِهما، يأتيان من مدرسةٍ فكريّة واحدة School of Thought. وجودُ الحزبِ يبرّر وجودَ أميركا في منطقتِنا، والعكس صحيح. هُما بحاجةٍ إلى بعضِهما البعض حتى في مراحل كرهِهما لبعضهما.

مِن أوجه تشابه مدرستهِما الفكريّة، أنّهما يلوّحان بالقوّة ولا يستعملانها. إذا اغتاظت أميركا، تلوّح بالقوّة لكنّها نادراً ما تستعملُها. منذ غزو العراق، لوّحت أميركا بضربِ طهران عشرات المرّات، لكنّها لم تضربْها بطلقة مسدّس “6 ملم”. الحزبُ في المقابل، هدّد بضرب إسرائيل أكثر من مرّة، وبالانتقام لاغتيال قياداته في سوريّا، لكنّه عمليّاً لم يفعلْها. حافظَ على برودة الجبهة الجنوبيّة منذ الـ 2006. أميركا والحزب، يستعملان قوّتهما العسكريّة فقط عند الضرورة القصوى وبشكلٍ محسوبٍ بدقّة. لاحِظْهُما. أميركا عبر إسرائيل، تتجنّب استهداف الحزب في لبنان. تستهدفُه في سوريا، كما استهدَفَت السليماني في العراق. الحزب لا يستهدف الأميركيّين على الإطلاق لا في لبنان ولا خارجه. حتّى الإسرائيليّين لا يستهدفهم إلّا في مزارع شبعا، ونادراً ما يفعلُها.

أميركا والحزب قادران على قولِ كلامٍ بسقوفٍ عالية، وهما في الوقت نفسه، يديران نقاشاً مع بعضهما تحتَ الطاولة وفوقها، مرّاتٍ من خلال فرنسا، ومرّاتٍ من خلال مسؤولين لبنانيّين. هُما لا ينفيان التّهمة.

كلاهُما براغماتيّان. بالنسبة لأميركا، فإنّ حزبَ الله إرهابي. لكنّ أميركا فاوضَتْه من خلال الدولةِ اللبنانيّة. أَلَم تعرف أميركا أنّ من أعطى الضوء الأخضر للترسيم هو الحزب؟ طبعاً تعرف والأمرُ لا يُزعجها. أَوَليسَ الحزبُ نفسُه من دُعاة رمي إسرائيل في البحر؟ أَوَلَم تهدّد إيران والحزب إسرائيل أكثر من مرّة بإزالتِها من الوجود؟ طبعاً فعلا ذلك. فإذا كان الأمرُ أولويّةً لهما ومبدأً عقائديّاً، فكيف يُعطيان إسرائيل مُتنَفّساً ماليّاً هائلاً عبر الاعتراف بالحدود البحريّة!! البراغماتيّة تفعل ذلك.

مَثَلٌ آخر. الحزب لا يعترف بشيءٍ إسمهُ “دولة” إسرائيل. بالنسبة له، إسرائيل هي فلسطين المُحتلّة، وهي “العدوّ الصهيوني” و”الكيان الغاصب”. فكيف رضيَ بأن يفاوضَ لبنان “دولة” إسرائيل؟ لبنان لم يُفاوض فِلسطين المُحتلّة. فاوَضَ إسرائيل. في المقابل، أميركا لا تعترف ب#حزب الله كحزبٍ سياسيٍّ يمثّل شريحةً كبيرة من الشعب اللبناني. هي تراه فصيلاً إرهابيّاً فقط. هكذا تُفكّر أميركا وتُعلن. أميركا تُدرك، أنّ الأمين العام للحزب، وإن قالَ إنّ من يُفاوض هو الحكومة اللبنانيّة، تُدرك أنّ المُفاوضَ الفعليَّ هو الحزب. لا مشكلةَ لديها بذلكَ. ما يهمُّها هو ازدهارُ اقتصادِ إسرائيل وأمنُ حدودها، وهذا حصل. بالنسبة لأميركا، “لَشو كِتْر الحَكي” ما دام الهدف تحقّق؟

ليس مُهمّاً ما تُفكّر فيه الجماهير في الضاحية والطريق الجديدة وكسروان. الأقوياء يُفكّرون بعقولِهم. الشعب يُفكّر بعاطفتِه. الأقوياء براغماتيّون. الشعب إنفعالي. الأقوياء “يجْلَخون” أولويّاتهم. الشعب لا يُريد أن ينتبه. الأقوياء يبحثون عن حلولٍ. الشعب يُريد انتصارات.
قوّة الحزب لم تعُدْ بسلاحه. هو يُدرك أنّ وظيفةَ السلاح إنتهَت أو تكاد. قوّة الحزب هي أنّه الأقرب بين اللبنانيّين على فهم عقلِ أميركا والتعاطي معه من مُنطلقِ خصومةٍ إيجابيّة تسعى إلى حلولٍ تُشبه قناعاته، تلك القناعات التي لا تعترض عليها أميركا.