أميركا وإيران… “صدام الثوابت” واستعصاء الحرب والتسوية

الستاتيكو خطير جداً ولا شيء يغيره سوى تطور دراماتيكي

رفيق خوري 
كاتب مقالات
رأي
 السبت 15 يونيو 2019 6:08

المفاوضات تهدد بخسارة إيران ما بنته عسكرياً في الداخل وما عملت له على مستوى مشروعها الاقليمي مقابل رفع العقوبات (رويترز)

ليست هناك وساطات ناجحة وأخرى فاشلة بالمطلق. ولا فرق سواء أكان من يتقدم لدور الوسيط صاحب حجم كبير أو صغير. سلطنة عمان نجحت في ترتيب مفاوضات سرية ثم علنية بين واشنطن وطهران المتصارعتين على ملفات عدة، بينها الملف النووي. روسيا والصين ودول عدة في أوروبا وأميركا اللاتينية دعت إلى تسوية سياسية في الصراع على السلطة في فنزويلا، لكن الحوار الذي بدأ بين ممثلين للسلطة والمعارضة توقف ولم يصل إلى أي مكان. فما يتحكم بالوساطات هو ظروف الطرفين المتصارعين وحساباتهما ومدى تأثير صراعهما واستمراره في مصالح قوى إقليمية ودولية. وما يفتح باب التفاوض ويقود إلى إنجاحه هو وصول الطرفين المتصارعين إلى لعب كل الأوراق الممكنة والشعور أنها صارت جاهزة للتوظيف في تسوية تضمن شيئاً من مصالحهما وتمنع خطر الانزلاق نحو صدام لا يريده أي منهما. 

من هنا، توجهت الأنظار منذ البدء إلى دور سلطنة عمان وسويسرا من دون التوقف أمام عواصم بلدان في المنطقة عرضت التوسط، وهي أسيرة الحاجة إلى كل من أميركا وإيران . ثم تركزت الرهانات على الدور الذي تصدى له رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي بعد محادثات في طوكيو مع كل من وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف والرئيس دونالد ترمب قادت إلى زيارة آبي طهران كأول رئيس حكومة ياباني يزورها منذ أربعين سنة. وكان التصور، كالعادة، أنه يصعب أن يغامر آبي بوزن اليابان وهيبته الشخصية من دون أن تكون في حقيبته أوراق من الطرفين تضمن له حداً من النجاح. 

لكن محادثاته في طهران جعلت مهمته تدور حول هدف متواضع هو السعي إلى “خفض التوتر”. وحتى هذا لم يتحقق. فالرئيس حسن روحاني يريد وقف العقوبات الأميركية وتغيير “السلوك الأميركي” شرطاً لبدء الحوار. والمرشد الأعلى علي خامنئي يرفض “التفاوض مع أميركا” ويرى أن ترمب “لا يستحق الرد على رسالته”. فضلاً عن أن وكالة “فارس” التابعة للحرس الثوري، ذكرت أن طلاباً في جامعة طهران تظاهروا ضد الوساطة اليابانية. وفضلاً أيضاً عن أن عمليات ضرب ناقلات النفط تكررت: بعد شهر من ضرب أربع ناقلات قبالة شاطئ الفجيرة وضرب أنابيب نفط في السعودية، جرى ضرب ناقلتي نفط في خليج عُمان. 

وفي المقابل، فإن حديث ترمب في طوكيو عن الاستعداد للتفاوض من دون شروط يخفي شروطاً مهمة في جوهر التفاوض. فالشروط الـ12 التي حددها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، أرفقها في حديث نشرته “فورين أفيرز” بالقول إن “النخبة الإيرانية الحاكمة تتصرف كمافيا في الابتزاز والفساد”. وحدد هدف العقوبات بأنه “دفع إيران إلى خيار: تصر على السياسات التي قادت إلى العقوبات أو تتوقف عنها، والتصعيد خيار خاسر لها”. 

والسؤال هو هل ما نراه ونسمعه حالياً هو سجال ما قبل التفاوض أم تصعيد يقطع الطريق على التفاوض؟ والجواب البسيط هو أن الطرفين يرفضان الذهاب إلى حرب مباشرة، ويضعان شروطاً ومطالب تجعل الوصول إلى التسوية مهمة صعبة. أما الوسطاء، فإنهم محكومون مهما تكن نياتهم حسنة، بالتحرك في الهامش الضيق المتروك بين “استعصاءين”: استعصاء الحرب واستعصاء التسوية.  

ذلك أن المشكلة، ولو بدأ التفاوض، هي في الأهداف التي يُراد تحقيقها على الطاولة. والثابت بين الأهداف الأساسية لأميركا ثلاثة: أولها إلغاء السقف الزمني لرفع القيود على تخصيب اليورانيوم والمحدد عام 2025 بحيث يصبح القيد إلى الأبد. وثانيها التوقف عن تطوير الصواريخ الباليستية والاكتفاء بمدى محدود لها. وثالثها “كبح النفوذ الإيراني” في المنطقة، وبالتالي وقف التدخلات في الشؤون الداخلية للدول العربية وخصوصاً دول الخليج، والتخلي عن التسليح والتمويل للميليشيات التي أنشأها الحرس الثوري في اليمن والعراق وسوريا ولبنان وللمنظمات الفلسطينية في غزة. وهذا ما ترفضه إيران التي تطالب برفع العقوبات من دون ثمن، إذ هي تعتبر أن تطوير الصواريخ وتسليح وكلائها وحرية تخصيب اليورانيوم من أسس الجمهورية الإسلامية وثوابتها. والترجمة العملية لذلك، “صدام الثوابت”، ولو بقي الصدام العسكري خارج اللعبة. فلا تسوية بلا تنازلات متبادلة. وأي تنازل في الثوابت هو صفقة نصف خاسرة ونصف رابحة بالنسبة إلى ترمب، وهزيمة ونوع من “تناول السم” كما قال الإمام الخميني عندما اضطُر إلى قبول وقف الحرب مع العراق. 

وهذا ما يجعل مهمة الوسطاء صعبة جداً. فالمفاوضات التي دارت أيام الرئيس باراك أوباما بين واشنطن وطهران ثم بين إيران ومجموعة 5+1 كانت مساراً تحقق فيه إيران مصالحها بأكثر من رفع العقوبات، وتحقق فيه القوى الدولية إزالة خطر إيران نووية وأموراً أخرى . مع ذلك، أخذ التفاوض وقتاً طويلاً، ولولا الحسابات التي دفعت أوباما إلى إعطاء الأولوية للاتفاق النووي والطلب من وزير خارجيته جون كيري التوصل إلى الاتفاق بأي ثمن، لكانت المفاوضات لا تزال دائرة. 

أما اليوم، فإن المفاوضات تهدد بخسارة إيران ما بنته عسكرياً في الداخل وما عملت له على مستوى مشروعها الإقليمي، مقابل رفع العقوبات. وهي مصرة على أن تبقى “دولة وقضية” معاً. 

لكن، من الوهم الرهان على استمرار الاستعصاء في الحرب كما في التسوية. فالستاتيكو خطير جداً. ولا شيء يغيره سوى تطور دراماتيكي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*