الرئيسية / مقالات / أميركا ليست «الحاضر الأكبر في احتجاجات لبنان»: إنّه النهب المنظّم لدولة الأحزاب والطوائف

أميركا ليست «الحاضر الأكبر في احتجاجات لبنان»: إنّه النهب المنظّم لدولة الأحزاب والطوائف

بهدوء، ففي العادة لا أرغب في الرد على الكتّاب والصحافيين، والدخول في سجالات تأخذ طابع التأدْلُج العقيم. ولكن، من باب الحرص والمعرفة، ارتأيت توضيح الكثير من المغالطات في المقال الذي سطّره الصديق صادق النابلسي في جريدة «الأخبار»، والذي حمل عنوان: «أميركا الحاضر الأكبر في الاحتجاجات اللبنانية».

لقد فات النابلسي، في قراءاته الاستراتيجية، أنّ التدخُّلات الأميركية الاستعمارية في لبنان وغيره من دول الشرق الأوسط، كانت قبل ثورة 17 تشرين، أي قبل «ثورة الكرامة»، ولن تنتهي هذه التدخُّلات بعد انتهائها. إنها كرامة الشعب، الذي أذلّته أحزاب السلطة والتسلُّط، وأهانت كرامته محميات الطوائف والمذاهب المتلحِّفة بأثواب دينية شتّى، حمايةً للأزلام والمحاسيب والبلطجية، الذين لم تَشبع بطون زعمائهم من سرقة أموال الشعب. فكان الأجدى، في قراءة النابلسي الاستراتيجية، التطرُّق إلى ذلك، ولو لِماماً، حتى نشعر بموضوعية المقال، والتقرُّب لله وللناس الجائعين، والخائفين على مصيرهم ومصير أبنائهم. فكيف يمكن استعادة الثقة في ظلِّ استمرار عنجهية الخطاب؟
يُورِد النابلسي، في معرض كلامه، تصريحات كثيرة لمسؤولين أميركيين، ومنها: «قبل يومين من اندلاع الاحتجاجات في لبنان في السابع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر، نشرت صحيفة واشنطن بوست الأميركية، مقالاً بعنوان (سوريا ضاعت. لننقذ لبنان) للكاتب ديفيد إغناتيوس». منذ متى تقدِّسون الكلام الأميركي المنزّل على صفحات جرائدهم، وتعتبرونه قالباً جاهزاً لاستهداف محوَر المقاومة؟ تلك المقاومة، التي حقَّقت الانتصارات والعزَّة وصارت قوة وازنة إقليمياً، بدليل الخنوع الأميركي للإرادة الإيرانية بعد قصف قواعدها العسكرية في العراق. وهل تثبيت السيادة، والحديث عنه في لبنان لنفترض أنَّ قائله إغناتيوس، يضرّ بالبلد ووحدته؟ ولماذا لم تُثبِّت أحزاب السلطة سيادة لبنان، وهي التي انتصرت في المعركة الانتخابية الأخيرة وكانت لها الغَلَبَة، على طريقتها وبأدائها بالتكامل والوحدة؟
لماذا لم تمارس أحزاب السلطة في لبنان، وفي محور المقاومة، سيادتها، لتفرضها على أرضه بفتح الحدود على سوريا الحليفة الاستراتيجية؟ ولماذا لم تُعد النازحين السوريين إلى بلادهم، وهي التي تملك الغَلَبة في مجلس النواب والحكومة التي أسقطنا؟ ولماذا لم توقِف أحزاب السلطة في حكومة الوحدة الوطنية وتثبيت السيادة، سَطْوة المصارف واستباحتها للمال العام؟ولماذا لم توقِف هذه السلطة الهجينة، سرقة أموال الناس والتقييد على المودِعين في البنوك؟ هل أميركا قالت ذلك ومَشَت بمشروعها ورَضَخَ محور المقاومة وأحزابه لها؟
هل منع المشروع الأميركي عودة الكهرباء 24/24، والتي كلّفت الدولة وجيوب الناس 24 مليار دولار وجباية 12 مليار دولار، أي بما يعادل 36 مليار دولار، وما زلنا نعيش بفواتير كهربائية، وتحت رحمة المافيات، بأقل من 12 ساعة يومياً بسبب التقنين، بينما تكلِفتها هي مليار واحد لتصبح بجهوزية تامة؟

هل منع المشروع الأميركي عودة الكهرباء 24/24، والتي كلّفت الدولة وجيوب الناس 24 مليار دولار وجباية 12 مليار دولار، أي بما يعادل 36 مليار دولار


هل أميركا ومشروعها يمنعان وقف الفوائد بـ45% على سندات الخزينة؟ وإذا أرادت أحزاب المحور المنتصر للمقاومة في لبنان وقْفَها لأَوْرَدَت للخزينة العامة 7،6 مليارات دولاراً سنوياً. هل أميركا بمشروعها الدموي القاتل والاستعماري، هي التي أوْعَزت للمصرف المركزي تقديم قروض للمصارف طويلة الأمد بفائدة 2%، لتعود هذه المصارف الناهبة وتودِعَها المصرف المركزي بفائدة 8%، فتخسر خزينة الدولة 6% وتستنزف ميزاتيها 90% طيلة 26 عاماً، أي منذ عام 1993 لغاية 2018، بما يعادل 70 ملياراً ومئتي مليون دولار من الأموال العامة؟
أين هم أحزاب السلطة ومدَّعو المقاومة، والذين أتحفونا بالوطنية وبكيل الاتهامات، يَمنَة ويَسرة، بالعمالة للغرب والخارج؟ أين موقفهم من كذب وتضليل الوزير المخلوع محمد شقير، ومحاولته التمديد لشركتَي الخلوي، ما سيُفقد الدولة ملايين الدولارات؟ لماذا اختفوا عن الشاشات وعن الاعتصامات وعن المصارف، وعن بؤَر الفساد التي تستوجب وقْف استباحاتها للناس؟ أم أنّكم مندورون فقط لتحرير فلسطين، وهذا واجب وتكليف ونحن معه؟
نقول لمن فاته ما يُرتَكَب في لبنان، ومن بعد ما أفْلَس الإقطاع السياسي ومقاطعجيته الدولة، وسرقوا مال الناس وما في جيوبهم، وبعدما رهنوا البلد للبنك الدولي ولمؤامرات المصارف، إنهم يبشّروننا اليوم بضرورة التموين وجمع المونة وزراعة العدس والقمح والحبوب وتوزيع الإعاشات والإعانات للفقراء من قبل أحزاب السلطة ضمن معادلة: «سُرقت أموالكم العامة وقُيّدت ودائعكم، ولا تخافوا سنوزِّع الريوع والعطاءات المذهبية والإعاشات لتبقوا على قيد الحياة».
ونقول، أخيراً، في لازمة ظاهرة التخوين لمدَّعي الوطنية: يجب أن تفهموا أنّكم لستُم من العِرق الذهبي وبقيّة الناس من العرق الطيني. فما زالت نظرتكم فوقية في التعامل مع الناس حتى اليوم. حتى عندما نقول وجهة نظرنا في شيء يخصُّ إصلاح بلدنا، تقولون إنّنا مضلَّلون بالدعاية الأميركية ومضلَّلون بالدعاية الإسرائيلية، وغيرهما من دعايات التدخّل الخارجي. فلماذا تعتقدون أنَّكم تملكون الحق والعقل والوعي، وقادرون على أن تفهموا المؤامرات الإقليمية والدولية ضدّ البلد ومصالح الناس وتتصوّروا بأنّنا وباقي الشعب اللبناني شعب تافِه لا يستحق أن يُقرِّر مصيره، وأنّه مغرَّر بنا، وكأنّنا صبيان، أي أنكم الوحيدون الذين تملكون الفهم والتقدير؟ كلّا، فلن تحكم سلطة الفساد وأحزابها وميليشياتها بعد اليوم. وهنا، أتّفق مع صادق النابلسي بما أنهاه، وبما قاله يوماً الأستاذ محمد حسنين هيكل: «ليس كلّ التاريخ مؤامرة، ولكن المؤامرة موجودة في التاريخ»!

*أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

اضف رد