الرئيسية / home slide / أميركا تنهزم أمام مهزومين حضاريّاً ولا مستقبل لهم

أميركا تنهزم أمام مهزومين حضاريّاً ولا مستقبل لهم

21-08-2021 | 00:06 المصدر: النهار

جهاد الزين

عناصر من الجيش الأميركي

 رغم المظاهر… كم هي قوية و”مؤسستها العميقة” واثقة من نفسها هذه الدولة المسماة الولايات المتحدة الأميركية لكي تتمكّن من الانهزام مراتٍ في غضون أقل من خمسين عاماً وأمام قوى متخلفة من العالم الثالث!

 في فييتنام في العراق (ما بعد الحرب) والآن في أفغانستان.تحتمل هذه الدولة العظمى ولأنها عظمى شكل الهزيمة وكل تبعاتهاالمعنوية. 

ستُروَّج فكرةُ انحطاطِ القوة الأميركية أمام مشاهد الانسحاب من أفغانستان.
ولكن دعونا لا ننسى أنه انسحاب باتفاق رضائي وقّعته مع حركة “طالبان”. قوة أميركا، ناهيك عن عسكرها وقد قرّرت تخفيف المغامرات العسكرية الخارجية، هي في اقتصادها وعلمائها وجامعاتها وثقافتها وشركاتها وقد ربحت آخر “حرب” عالمية في إنتاج اللقاح الأكثر فعالية في المعركة العلمية ضد كوفيد 19، لقاح بفايزر، ووضعت وراءها بوضوح وبأشواط، بريطانيا والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين.لندقّق أولا أمام من “انهزمت” الولايات المتحدة الأميركية:

 انهزمت أمام قوة حزبية دينية متماسكة ذات عقيدة قتالية ولكنها قوة متخلّفة في الشكل والمضمون لن يكون لديها في المستقبل القدرة على بناء دولة معاصرة وقابلة للبقاء بمعايير العصر. ها هي فييتنام بعد نصف قرن تستجدي التعاون الاقتصادي والسياسي مع الولايات المتحدة ضد الصين. ماذا بقي من كل الإرث القتالي الفييتكونغي الذي أدهش العالم ذات يوم وجعل أميركا تهزم نفسها كما يحب العسكريون الأميركيون أن يقولوا من وجهة نظر يمينية تعتبر حركات الاحتجاج الداخلي في أميركا هي التي هزمت أميركا من داخلها وليس الشيوعيون الفيتناميون من انتصر. 

ماذا بقي من انهزام أميركا في العراق المفتّت غيرالقادر على بناء دولة – لاديموقراطية ولاعصرية – الذي يبيع نفطه بعشرات مليارات الدولارات سنوياً ولا يستطيع أن يؤمن الكهرباء والاستشفاء لسكانه؟

 ماذا سيبقى من أفغانستان وموادها الخام مثل ليبيا وموادها الخام مثل اليمن ومواده الخام؟هل يعقل أن تكون “طالبان” التي تديرها المؤسسة العسكرية الباكستانية التي تدير دولة شبه مفلسة على الدوام والتي تعتبر في الجغرافيا السياسية معقلاً لواشنطن رغم علاقتها الوطيدة مع الصين بسبب أولوية عدائها للهند… هل يعقل أن تكون انتصرت على الولايات المتحدة الأميركية؟

 البراغماتية الأميركية هي اليوم في إحدى لحظاتها الأقوى ولكن الأكثر إحراجاً كما يبدو الموقف من أفغانستان. سننتظر لنرى كيف سيتصرّف حكام كابول المتعصبون السنّة حيال حكام طهران المتعصبين الشيعة وكيف سيكون سلوكُهم حيال الصين وأقلية الإيغور المسلمة السنية؟ يبدو حتى اليوم أن عددا من الالتزامات غير المعلنة قامت بها “طالبان” خلال المفاوضات مع الأميركيين في قطر ولربما مثلها مع الصين وإيران ولكن علينا أن ننتظر المزيد من الوقت لنرى طبيعة “لعبة الأمم” الجديدة في تلك المنطقة من العالم. 

دعونا “نلعب” في المستقبل: لا أرى سوى أفغانستان فقيرة ومتخلّفة يهرب منها المزيد من أبنائها ولاسيما نساءها وشبابها، ولا أرى سوى إيران فقيرة يهرب منها المزيد من أبنائها ولا أرى سوى باكستان أكثر فقراً … هل هذه هي الدول التي تنهزم أميركا أمامها؟

 إذا كان من لحظة كئيبة اليوم في المشهد الأفغاني فهي على مستويين:
الأول أميركي من حيث انهيار آمال ثلاثة عقود بُنيت على نظرية أساسية في السياسة الخارجية الأميركية دعمتها مثاليّةُ نخبةٍ واسعةٍ غير حكومية أميركية كانت تقول بالحاجة إلى قيام أميركا بالمساعدة على إعادة بناء دول بعد انهيار أنظمة حكم استبدادية كانت تحكمها.

ما أسماه الفكر السياسي الأميركي Nation Building في لحظة طموح وغرور بعد انهيار الاتحاد السوفياتي هو اليوم في مأزق إن لم يكن يحتضر. ها هي أفغانستان بعد تحضير عشرين عاما من نخب مدنية وعسكرية أفغانية يتبيّن أنها هشّة وأنها منخورة بالفساد. لم يكتشف الأميركيون الفساد مؤخّرا في الحكومة الأفغانية التي ساعدوا على تثبيتها ولكن السؤال كما في العراق كما في لبنان لماذا تظهر هذه التركيبات الفاسدة حيث يرمي الأميركيون بثقلهم. هل لأن مجتمعات هذه المنطقة عاجزة عن إنتاج حكومات رشيدة أم بسبب الواقعية الشديدة التي تطغى على أهداف السياسة الخارجية الأميركية والتي جعلتها تتعايش بل تتحالف مع أنظمة ديكتاتورية لحماية المصالح الأميركية.في كتابه الأخير “الأرض الموعودة” يبدأ الرئيس السابق  باراك أوباما الفصل المتعلق بثورات “الربيع العربي” (الفصل 25)بالحديث عن كتاب لباحثة أميركية قال أنه أثّر فيه ينقد السياسات الخارجية الأميركية التي فضلت ثنائية الاستبداد- الاستقرار على ثنائية الديموقراطية – التغيير ويقول أن هذا الكتاب جعله يضم كاتبته سمانتا باور إلى فريقه الرئاسي الذي تعامل مع ثورات “الربيع العربي”. والكاتبة نفسها هي اليوم في إدارة الرئيس بايدن مسؤولة عن وكالة التنمية الأميركية للمساعدات. وسيروي في فقرات مشوّقة كيف عايش وعمليا أثّر في أحداث ثورة ميدان التحرير في مصر والانقسام الذي حصل داخل فريقه بين الأكبر سناً الذين كانوا يريدون إعطاء فرصة للرئيس حسني مبارك والأصغر سنا الذين نجحوا في جعل أوباما ينحاز لهم في دعم الإطاحة بمبارك. 

المستوى الثاني هو إحباط يصيب حتما النخب الشبابية في الدول المتخلّفة من سقوط الرهان على فعالية الدعم الأميركي للتغيير الديموقراطي وثباته في أفغانستان. إحباط يتخطّى الأيتام الليبراليين النخبويين الأفغان لكي يمس يتامى نخب لبنان والعراق وتونس وتركيا وإيران والعديد من الدول الأخرى.

 إنها لحظة نكسة لكل من هو ضد التعصب و التخلف الدينيّين أينما كان. ولحظة المزيد من الهجرة النفسية لكل هؤلاء حتى لو تركوا المنطقة لوحوشها. لن يركض ثوار 17 تشرين وراء النفاثات الأميركية في مطار بيروت، لأن لبنان لن يصبح أفغانستان في أي ظرف، ولكنهم ربما اليوم يتعلّقون بأجنحة من نوع آخر.

 لقد سقط الجناح العسكري لليبرالية السياسية. هذه حقيقة وعلينا أن نواجه معضلة أن الديموقراطية لا يمكن استقدامها مع القوة العسكرية الغربية. نواجه ذلك بمعنى أن النخب التي تسكن هذا الجزء البربري من العالم عليها أن تفكِّر عميقاً بحلول محلية أخرى للإقامة على أراضٍ غير مأمونة لا لها ولا لأولادها.
ما حصل في أفغانستان يصلح ليكون من الآن فصاعدا تحت عنوان: Nation Unbuilding.

 j.elzein@hotmail.comTwitter: @ j_elzein