أمثولة الشهيد أحمد جرار: نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا!

رأي القدس
القدس العربي
Feb 08, 2018

حضرت مشاهد فلسطينية كثيرة مؤثرة بعد اغتيال جيش الاحتلال الإسرائيلي لأحمد نصر جرار منها وصول أمّه ذات الاسم المعبّر «ختام»، إلى يقين استشهاده عندما أحضر أقاربه بنطلونا وبلوزة تشمّمت فيهما الأم رائحة ابنها، ومصحفا أهداه والده الشهيد نصر له حين كان طفلا، وقد اخترقت رصاصة المحتلين المصحف الذي كان يضعه في صدره. ختام ختمت المشهد بالقول: «هو ابن فلسطين كلها وليس ابني لحالي».
ولابد أن قصة الشهيد الشاب، وتجنّد دولة العدوان لمدة شهر بأكملها ضده، إضافة إلى حكاية أبيه وأمه وأسرته المكافحة التي تلخّص التراجيديا الفلسطينية، مسّت، مثل سلك كهرباء، جموع الفلسطينيين حيث انطلقت مسيرات عفوية في مسقط رأسه جنين كما اندلعت مظاهرات في مناطق أخرى، بينها بلدة اليامون، التي شهدت حصاره بقوات كوماندوز ومروحيات واستشهاده، وكان مؤثراً أن يقيم أسرى معتقل النقب من حركتي «فتح» و«الجهاد» حفلا لتأبينه.
خبرة جرار الشاب التي تراكمت منذ طفولته حول الدولة الإسرائيلية وآليات اشتغالها الأمنية جعلته يدبر شؤون حياته باعتباره شخصا عاديا مشغولا بنشاط تجاري بحيث لم يعرف عنه، قبل اتهامه بتنفيذ عملية عسكرية خاطفة الشهر الماضي قتل خلالها مستوطن حاخام إسرائيلي وجرح آخر، بل إنه عاد لمزاولة عمله بكل هدوء أعصاب بعد العملية، وحتى أمه لم تعلم أن له نشاطا سياسيا أو عسكريا قبل قيام وحدات من القوات الإسرائيلية بمحاصرة واقتحام منزله في 18 كانون الثاني/يناير من هذا العام حيث غادر المكان قبل وقت يسير من وصول الأمن واختفى أسابيع قامت خلالها الاستخبارات الإسرائيلية باقتحام قرى عدة واعتقلت أقارب له.
حاولت جريدة «يديعوت» الإسرائيلية في عددها أمس تقديم تفسيرات نفسية واجتماعية لظاهرة جرار، وما يدفع أمثاله، حسب هذا التحليل، لـ»قتل اليهود». هؤلاء، برأيها، «مرضى نفسيون» يختلفون عن «مرضى إسرائيل النفسيين» المنزهين عن الإرهاب والقتل. المسألة إذن «ثقافية» (أو لعلها جينية): يتأزم المسلمون نفسيا فيثأرون من اليهود!
يسعى هذا «التحليل» الصحافي لإراحة ضمير الإسرائيليين وإعلائهم عن المقتلة التي يشاركون فيها وفوق كل ذلك لوم الضحية باستخدام معادلة استشراقية رائجة (وجائرة): المسلمون يقدسون الموت.
لا تقل هذه التحليلات إجراماً عن السياسة التي تبررها فهي لا ترى في وجودها العسكري والأمني احتلالا فظيعا يحاول منذ قرابة سبعين عاما (من دون جدوى) إخضاع إرادة أصحاب البلاد وإقناعهم بالخنوع للقتلة وسارقي الأرض الذين ينشرون في الأرض فسادا.
لم ينظر المحلل الإسرائيلي من نافذته «الثقافية» العالية إلى أعداد الذين اغتالتهم إسرائيل «المتحضرة» من دون محاكمة، وكان جرار آخرهم، ولم يسألهم إن كانوا، فعلاً، يحبون الموت، أم أنّهم، ببساطة، يحاولون وقف «الهولوكوست» البطيء الذي تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين.
أحمد نصر جرار استشهد ولكنّه، بالتأكيد كان يسعى يوماً بعد يوم، ليبقى على قيد الحياة، لأن وجوده، والذي سيستمر عبر ذرّيته، أو من خلال شعبه، هو فعل مقاوم لآلة الموت الكبرى التي اسمها إسرائيل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*