الرئيسية / home slide / ألو بيروت.. كيف وصلنا لهون؟

ألو بيروت.. كيف وصلنا لهون؟

حسن داوود
القدس العربي
29092022

في مبنى بركات في منطقة السوديكو، ذاك الذي كان واحدا من الأبنية التي كانت منطلق رصاصات الحرب ومرماها، قبل أن يجري تحويله، مرمّما لكن على أن يبقى ظاهرا دمارُه، يقام معرض»ألو بيروت» ناقلا أجواء الستينيات في المدينة وعوالمها. وهذه عودة إلى ما يسمى العصر الذهبي، أو سنوات الزمن الجميل، كما يراه لبنانيو اليوم. أكثر هؤلاء من ولدوا بعد العصر الذهبي ذاك، وهم النسبة الغالبة، لذلك ليس ما يساعدهم على تخيّل ذلك الزمن إلا مقارنة بلدهم فيه ببلدان أخرى: سويسرا مثلا، ما دام أنه عُرف آنذاك بسويسرا الشرق، أو باريس حيث اختلط أمر التسمية على بعضهم فكانوا يقولون باريس الشرق، أو دُبي الآن، التي ذهب الكثيرون من الشباب للعيش والعمل فيها. هي صورة ساطعة الأضواء تستحضرها مخيّلاتهم لزمن الستينيات، لكنها مع ذلك تظل باردة وبلا حياة، إذ نادرا ما يذكّر شيءٌ الآن بما كانه.
لهذا رغب منظمو معرض «ألو بيروت» أن ينقلوا صورا من زمن الستينيات، حقيقية واقعية هذه المرة، حفزّهم على ذلك، من بين محفّزات أخرى، مذكرات بيروتية كان كتبها رجل إسمه بروسبير غي بارا، وكان مالكا لملهى ليلي شهير آنذاك هو «كاف دو روا» الواقع في فندق اشتهر هو أيضا، كما اشتهر اسمه (إكسلسيور). وقد خصّص المعرض ركنا للملهى لم يشأ المنظمون تزيينه على نحو ما تُزيّن معالم الماضي عادةً. كما توزّعت على غرف المعرض، المتروكة مهملة كلها، مشاهد مصنوعة لأمكنة كانت ثم زالت، مثل مدرسة كارمل سان جوزيف، التي أقيم في مكانها مجمع ABC التجاري الضخم، ومثل ما كان يعرف آنذاك بالسوق العمومي ورمزه الشهير ماريكا، إضافة إلى أزياء ورسوم صور رافقت تجارب فنية خصصت لها غرف أخرى.
في إحدى غرف ذاك البيت كشك للصحف ظنّنا، نحن المتجوّلين فيه، أن تاريخها يعود إلى ذلك الزمن، وذلك من أحد عناوينها الرئيسية يشير إلى انهيار بنك إنترا، الذي أدّى آنذاك إلى فاجعة مالية واقتصادية لكثير من اللبنانيين، وغير اللبنانيين أيضا، لكن لم نلبث أن تبيّنا أن عدد الصحيفة الذي بدأنا في قراءته هو عدد توليفي أنجز على أيدي منظمي المعرض، ليحتوي مقالات مختارة من صحف عدّة كانت قد صدرت في تلك السنوات السابقة على فترات متباعدة بين 1958 و1970. ومثلما تكون للصحف افتتاحيات اختيرت مقالة لبروسبير غي بارا افتتاحية لهذا العدد. ذاك الذي كان يدير ذلك الملهى الليلي الأكثر شهرة في زمن بيروت الجميل، كتب متشائما عن بلد كان في أوج احتفاله بجماله وحداثته: «هناك بالفعل مؤامرة تُحاك ضدّ لبنان.. هذه المؤامرة تحمل عنوان الرداءة» كتب في مقالته. «ذاك أننا لا نذهب إلى أبعد من وضع حجر الأساس لإنجازات لن تبصر النور أبدا. لا نعرف إلا افتتاح مشاريع ستُلغى، ودفع ثمن بضائع لن يتسلّمها أحد، وإطلاق شعارات فارغة، وتشكيل لجان رمزية لن تنجز شيئا». في مكان آخر من المقالة يُطلق حكم شامل قاطع عن مكمن الرداءة: «لا يوجد أي عمل جوهري».

وهناك مقالة من 1960 تتناول عجز القضاء بسبب تدخّل السياسيين فيه. وفي سنة 1967، وربما كانت هذه سنة الذروة، غنّت فيروز على ضوء الشموع في صالة البيكاديللي، بسبب انقطاع الكهرباء.

في الصفحة الأولى نقرأ مقالة كانت نشرت في جريدة «النداء» يوم 12 تشرين الثاني/نوفمبر سنة 1972 عنوانه: المجزرة: 3 شهداء وعشرات الجرحى» إثر غضبة شعبية استنكارا «للقمع البوليسي الوحشي ضدّ عمال معمل غندور». وهناك مقالة من 1960 تتناول عجز القضاء بسبب تدخّل السياسيين فيه. وفي سنة 1967، وربما كانت هذه سنة الذروة، غنّت فيروز على ضوء الشموع في صالة البيكاديللي، بسبب انقطاع الكهرباء. لكن في مكان آخر خبر عن بدء كازينو لبنان بالتحضير لحفل انتخاب ملكة جمال أوروبا لعام 1965، ثم خبر عن الأمسية التي أحياها لويس أرمسترونغ في 11/ 4/ 1959. ولمناسبة تقديم مسرحية المارسلياز العربي، حوار مع أنطوان كرباج سئل فيه: إذا هاجر الجميع من يبقى في الوطن، فأجاب كرباج: «المباحث». وفي زاوية صغيرة أعلى الصفحة الثالثة من العدد نقرأ أن «طالبة لبنانية (من الصفوف الثانوية) تخالف نظرية آينشتاين» وذلك على طريقة ما نشاهده اليوم ونقرأه عن إبداع اللبنانيين رغم محنة بلدهم.
لغة ذلك الزمن هي لغة اليوم ذاتها، شيء من قبيل كلام الإنشاء الخاص بشعب كان يصرخ محتجّا ساخطا وهو في الذروة من ماضيه الجميل، وهو مع ذلك يحتفل بكل ما يُفتتح هنا، مثل اعتزازه، حسب إعلان أعاد نشره هذا العدد من الجريدة التي أعطيت اسم «ألو بيروت» بأن ملهى ليليّا باسم «ستيريو كلوب» سيباشر سهراته على وقع أغان مسجلة يديرها دي. جي، وهذا لم يسبق حصوله في أي من بلدان أشقّائنا.
من يرغب منظمو المعرض في التوجه إليهم لتعريفهم بماضي لبنان يعرفون، رغم كونهم لم يعيشوا ماضي لبنان، ذلك الازدواج، بل الفصام، الذي يبدو سابقونا فيه بلداء لكنهم أذكياء، طليعيون لكنهم متخلّفون، مجلّون في سباق لن يصلوا فيه إلى خطّ النهاية. ذلك الزمن الجميل كان قبيحا أيضا. كيف لنا أن نعرف في أي أرض كنا؟

يستمر المعرض في بيت بيروت- السوديكو حتى نهاية هذا العام 2022.

كاتب لبناني