الرئيسية / مقالات / ألوان تتغير إلى الأبد

ألوان تتغير إلى الأبد

يدوم المستقبل لزمن طويل.

اندريه مالرو

أندريه مالرو

لا يصدق المرء، أو لا يستوعب، ان ثلث قرن قد مضى على سقوط الشيوعية هرقل العصور الايديولوجية. عندما سقطت الامبراطورية الرومانية، تزلزل العالم. وعندما انهارت الامبراطورية العثمانية، تغيرت الخرائط. وفي عنف ودماء سقطت امبراطوريات بريطانيا وفرنسا وبلجيكا. في هدوء غريب، سقطت الامبراطورية السوفياتية. تركت للسياح أن يفككوا حجارة حائط برلين، رمز الفصل بين عالمين. وأعادت موسكوالجمهوريات السابقة الى اصحابها مثلما قلم أتاتورك سلطنة الصدر الأعظم، وانزوت الى حدود روسيا التاريخية، وطفق بوريس يلتسين يشرب الأنخاب حتى لم يعد في امكانه أن يفيق الى مستقبليه.

تغيرت الدنيا على نحو لا يصدق. مرة واحدة، تحول ادوارد شيفاردنادزه من وزير خارجية الكرملين إلى رئيس الجمهورية السابقة، جورجيا. ولم يعد يتصوّر إلّا وخلفه أيقونة فضية للسيدة العذراء. واستعادت أوروبا الشرقية أنظمة ما قبل الشيوعية وكأنها لم تعش نصف قرن في كنف لينين. وحلت بولونيا حلف فرصوفيا المقيم في ديارها لتنضم الى الوحدة الاوروبية وحلف شمال الاطلسي. وقفزت دول البلطيق من نظام “رأس المال” وتعاليم ماركس الى الرأسمالية المطلقة – والفاسدة كالمعتاد. وتبخرت الحرب الباردة في رماد الذاكرة. وعاد الكسندر سولجنتسين الى موسكو، ليكتشف أن الجيل الجديد لا يعرف من يكون، وأنه لم يعد من أهمية لكتاباته حتى على رفوف الأدب.

كان ديغول يقول إن فرنسا هي التي ربحت الحرب، وليس الجمهورية. وها هي السوفياتية تسقط، لكن روسيا تخرج بلا جروح جراء تنكيس العلم الأحمر. لقد اعتادت التحولات الكبرى ما دامت الأرض الأم باقية، وما اللون إلّا طلاء، واللون الاصل في الكرملين، ذهبي في أي حال.

منذ عشرين عاماً على وجه الضبط وأبواب الكرملين المرصّعة تفتح أمام فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين. ما هذا الشبه الهائل بينك وبين الروسيا، ايها الرفيق: كولونيل في الكي. جي. بي. في برلين الشرقية، حارس من حراس فلاديمير ايليتش الاشداء، ثم رئيس للوزراء عند يلتسين في مرحلة التحول المهول، ثم القيصر، راعي الروم، باني الكاتدرائيات والكنائس، صديق أصحاب الغبطة والسيادة والأخوة الموقرين.

كيف يكون كل هذا؟ الروسيا، يا عزيزي. الشيوعية لم تكن سوى ذريعة من ذرائعها وفكرة من أفكارها وعصر من عصورها. إنها تجربة من التجارب الإنسانية الكبرى. تولستوي أوسع قلب نبيل في التاريخ، وستالين الذي ملأ البلاد بنعوش أهله ورفاقه، ناهيك بالاعداء. نحو 30 مليوناً منهم. هل استطعت أن تستوعب، بعد ثلاثين عاماً، كيف سقطت الشيوعية في موسكو ولا يزال العلم الاحمر مرفرفاً في بكين؟ ولا أنا. كل ما نعرفه مما هو واضح أمامنا، أن أحد أهم التحولات الكبرى في تاريخ البشرية، تمّ دون اراقة دم. لا 60 مليون قتيل من أجل ماو ومسيرته الطويلة، ولا ملايين يوسف ستالين. من دون قتيل واحد، أو سجين سياسي، تحولت الصين الى ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وسيبيريا، التي كانت المنفى المريع في كل العهود الروسية، هي الآن المقاطعة الأعلى انتاجاً، والأعلى اجراً.

كان غاندي يقول عن ستالين: “في روسيا ديكتاتور يحلم بالسلام، يعتقد أن في امكانه ان يحققه بعبور بحر من الدماء”. وما لا تعرفه لا يمكن ان تنساه. هزمت الشيوعية في روسيا من اخفاقاتها وشططها وفظاظة القيمين عليها، فيما ظلت “الاشتراكية” أجمل “أشكال الديموقراطية” حيث رافقها الوجه الانساني والعدالة والحرية.

حظنا في العالم العربي أننا اعتقدنا ان الشيوعية شوارب معكوفة ووجوه مكفهرة لا تعرف الابتسام. واعطيناها الكثير من فظاظة الطبع وجهل الرومانسيات. ولم تستطع الوصول الى السلطة الكلية إلا في اليمن الجنوبي، حيث كان الرئيس العزيز علي ناصر محمد مقتنعاً بأن قراءة ماركس في الصباح سوف تلغي المشاعر والجذور القبلية.

لم يكن وحده في ذلك. كان هناك ايضاً عدد غير قليل من الحالمين الذين اعتقدوا ان الافكار الجذابة التي وضعها ماركس في بيته الفقير في “السوهو” يمكن غرسها بسهولة في أبناء عدن وتريم وإب. وفي النهاية، سقطت الشيوعية بالعنف القبلي. واضطهدت في مصر، وسحلت في العراق، ولم يبق لها مكان لائق إلا في لبنان، حيث الحرية، ولو زائفة، أفضل من الاستبداد، ولو عرضياً. فقط في بلد مثل لبنان كان يمكن ان ترى زعيم الحزب الشيوعي جورج حاوي، يتلقى التهاني بالفصح، الى جانب المتروبوليت الياس عودة. وفي كل مكان آخر اصبحت الشيوعية توبة، أو ندماً، أو رفاقية سابقة. أو مجرد ادبيات من الماضي، بحيث تقرأ صنع الله ابراهيم الآن كما تقرأ كارل ماركس، الذي، بعد مائة عام من تحريك البراكين في قلوب المغلوبين في الأرض، اقتنع بدوره، كأديب جذاب ومفكر له سحريات ديزني فألقه.

يبقى للروس بعد الهزيمة الكبرى، ما كان لهم دائماً: تلك الكثافة الهائلة في أدب الإنسان. وصورة تولستوي مسيحاً في الرواية والسلوك البشري. قبل ادبيات ماركس، ومن دون عنف لينين، هو من مهد الاشتراكية الفسيحة. هو وعظماء آخرون أمثال بوشكين ودوستويفسكي وتشيكوف والعشرات الذين جعلوا الروسيا أماً من امهات الأدب الانساني العالمي.

أحدث انهيار الاتحاد السوفياتي اختلالاً شديداً في توازن العالم لم تكن تتوقعه حتى الولايات المتحدة. وفي هذا الفراغ السياسي، نمت الحركات الأصولية بدعواتها العنفية الهائلة. ووجدت الولايات المتحدة نفسها أمام عدو يضرب كرامتها في أبراج نيويورك كما فعلت اليابان في بيرل هاربور. وبدل قوات صدام حسين، رأت امامها داعش في العراق وسوريا والخليفة البغدادي. وفي غياب اليسار العالمي، الذي تداعى، أو انهار في كل مكان، عادت الفاشية تطل برؤوسها الفارغة من كل الامكنة، مهددة العالم بموجة عنصرية لا يعرف أحد الى اين يمكن ان تؤدي غباوتها وجلافتها. المشكلة كانت، وستبقى، أن مقابل كل ستالين يولد موسوليني. لكن النادرين لا يتكاثرون. ديغول واحد. غاندي واحد. ومانديلا واحد، يطرد آخر خيوط الوحش الأبيض من القارة الافريقية. في ثلث قرن تدورالكرة على نفسها وتتغيّر ألوان العالم.

اضف رد