ألمانيا الشرقية وسرديات زمانها وزماننا

 وسام سعادة 
القدس العربي
11112019

بعد ثلاثين عاماً على انهيار جدار برلين الذي عجّل بزوال حلف وارسو والإتحاد السوفياتي، تبرز حاجة نقدية مزدوجة.
فمن ناحية، ثمة من لم يتعلّم من الإرث الغليظ في القرن الماضي الذي ظلّ يحتسب الانتفاضات الشعبية في شرق أوروبا «ثورات مضادة» إلى أن انهارت المنظومة «الاشتراكية البيروقراطية» برمتها. واليوم، أنظمة وحركات عديدة لا تزال تكرّر الأمر نفسه إزاء ما تصفه بـ«الثورات الملونة».
ومن ناحية ثانية، ثمة من يختزل كل تاريخ المنظومة الاشتراكية في اللحظة الموجبة لسقوطها، ويؤسس على هذا أن أي فكرة تجاوزية للرأسمالية لا يمكن أن تطرح بجدية أو بمقبولية من الآن فصاعداً. أو يأخذه الوهم بـ«تجاوز الرأسمالية» كما لو أنّ شيئاً لم يكن في القرن الماضي، كما لو أنّ التجارب التي انهارت لا يمكن أن تعلّمنا اليوم إلا ما ينبغي التبرؤ منه واجتنابه، وليس أبداً ما يمكن الاستفادة منه واستعادته.
بدءاً من انتفاضة عمال برلين 1953، وصولاً إلى ثورة المجر 1956 وربيع براغ 1968، قمعت الدبابات السوفياتية وثبات قادتها الطبقة العاملة في بلدان أوروبا الشرقية، بشعارات تحررية وطنية وانقاذية للفكرة الاشتراكية في نفس الوقت. لاحقاً، كفرت البروليتاريا بـ«الاشتراكية» وقادت عملياً في بولونيا عملية تفكيك النظام الشيوعي. لقد الحق استسهال اتهام المسارات الانتفاضية العمالية والشعبية بأنها «ثورات مضادة» بالغ الضرر بمستقبل الفكرة الاشتراكية نفسها، مثلما تلحق محاكاة هذا المنطق ضررا بالغاً بالديناميات التحررية المناوئة للسياسات الإمبريالية عبر العالم.
في الموازاة، ليس هناك أسوأ من توثين لحظات 1989 ورفعها فوق التاريخ، فوق الزمن، بدعوى أن التاريخ قال كلمته النهائية لصالح الرأسمالية.
والأنظمة في أوروبا الشرقية لم تكن كلها مثل بعضها البعض، لا في فترة قيامها بالتتابع، في فلك السيطرة العسكرية السوفياتية المحققة بنتيجة الانتصار في الحرب العالمية الثانية وتقسيمات مؤتمر يالطا، ولا في فترة تساقطها بالتتابع أيضاً. يبقى أنّه في معظم هذه البلدان، هذه الأنظمة ناشئة عن حركات فاعلة مقاومة الاحتلال الألماني والنازية، إلا في بولونيا حيث كان الدور الشيوعي محدوداً في حركة المقاومة، نسبة إلى القوميين، وجرى تركيب النظام الشيوعي فيها بشكل اصطناعي للغاية. أما في تشيكوسلوفاكيا فكان الشيوعيون قوة جماهيرية حقيقية وصلت إلى السلطة بشكل ثوري، انقلابي، إنما بقوتها الذاتية، وكان هذا قبل أن تصطدم تطلعات التشيكوسلوفاك وقبلهم المجريين الى اشتراكية غير بيروقراطية، بالبيروقراطية السوفياتية ونظرية السيادة المحدودة.
أصعب التجارب كانت «ألمانيا الديمقراطية»، أي الشرقية، تلك التي عجّل سقوط جدار برلين بدمجها في ألمانيا الغربية، وهو دمج لا يزال الألمان الشرقيون ينقسمون حول ماهيته الى اليوم بين من يراه بحكم «الأنشلوس»، أو الضم القسري، وبين من يغالي في تثمينه ايجاباً، رغم صعوباته المرحلية.
في كتابه «البلد المفقود. على خطى جمهورية ألمانيا الديموقراطية» (2018) وهو أشبه ما يكون بأركيولوجيا ميدانية للذاكرة، يشرح المؤرخ نيكولا اوفنشتات الأستاذ في جامعة السوربون أنه لم يسبق له أن زارها قبل انهيارها، لكن وجود هذا النوع من الأنظمة في أوروبا كان مؤرقاً بالنسبة إلى جيله من اليساريين. فهذه الأنظمة كانت تبدو من جهة كأثمن هدايا يمكن أن تقدم للرأسمالية، لكنها تظل تمثل، وتحديداً في حالة «ألمانيا الشرقية» استمرارية ولو مشوّهة مع تاريخ الحركة العمالية وتاريخ مقاومة الفاشية والنازية.
ما يظهره اوفنشتات أن الإشكالية تتجاوز «النوستالجيا» أو «الأوستالجيا»، التي تتمثل مثلاً في الولع، عند الألمان الغربيين قبل الشرقيين، باقتناء سيارات مصنعة أيام النظام الشيوعي واغداق المدائح لمتانتها والافتتان بها. الإشكالية تتصل بشعور موجود لدى العديد من الألمان الشرقيين بأنّ سردية الشطر الغربي تلغيهم، أو تفتئت على كينونتهم، تختزلهم إلى الثنائية الكاريكاتورية التي أتى بها فيلم «وداعاً لينين» (2003)، أي نظام شرطة سياسية سرية مهووسة بالتلصص على حياة الناس من جهة، وأوثان لديانة شيوعية من جهة ثانية.

ثمة من لم يتعلّم من الإرث الغليظ في القرن الماضي الذي ظلّ يحتسب الانتفاضات الشعبية في شرق أوروبا «ثورات مضادة» إلى أن انهارت المنظومة «الاشتراكية البيروقراطية» برمتها. واليوم، أنظمة وحركات عديدة لا تزال تكرّر الأمر نفسه إزاء ما تصفه بـ«الثورات الملونة»

يقابل اوفنشتات هذه الثنائية الكاريكاتورية وبين الصورة الأكثر واقعية، التي تظهر في فيلم كوميدي، «جادة الشمس» أو «زونن آليه» للمخرج لياندر هوسمان (1999)، والأخير أفصح أن ما يتوخاه من الفيلم هو جعل ألمان الغرب يشعرون بالحسد والغيرة لأنهم لم يعيشوا في ألمانيا الشرقية. ليس أبداً لتمجيد ولا حتى تسويغ النظام الذي كان قائماً فيها. في مقابل التركيز المبالغ فيه غربياً على هوس الألمان الشرقيين بالسلع الاستهلاكية للمحرومين منها، التي كانوا يحلمون بها في الشطر الغربي، أظهر هوسمان مثلا شعبية السخرية في الشطر الشرقي طويلاً من الأفكار النمطية والفوقية للغربيين عنهم بأنهم كشرقيين يتضورون جوعاً ولا يستطيعون الهمس ولا الاعتراض في ظل الشيوعية.
«ألمانيا الديمقراطية» دولة انبنت على معاداة الفاشية، وغالت في هذه المعاداة الى درجة جعلتها ترى الفاشية في كل مكان. مهمة الشيوعيين الألمان بعد نهاية الحرب العالمية الثانية كانت تعجيزية. فهذا الحزب قامت النازية أساساً لتصفيته، لكنه رجع بقوة الدبابات السوفياتية، أي بقوة البلد الذي قدم الفاتورة الدموية الأكبر جراء الاجتياح الألماني الهتلري له. في البداية، كان ستالين من دعاة تفكيك البنى الصناعية الألمانية، هذا في مقابل نجاح القيادات النازية في نهاية الحرب بنقل الأساسي منها نحو الغرب الألماني، الأكثر تصنيعاً تاريخياً من الشرق، الذي كان لا يزال يرزح تحت علاقات شبه إقطاعية، وعائلات اقطاعية ذات تراث عسكري، «اليونكرز».
فوق ذلك قضم السوفيات معظم الأراضي الألمانية التي سيطروا عليها بعد الحرب، قسموها بين روسيا وبولونيا، ما قضى بتهجير ملايين الألمان منها.
استطاعت ألمانيا الشرقية أن تبني مع ذلك قاعدة صناعية يكاد يكون من الصفر، لكنها وجدت نفسها منذ السبعينيات بحاجة الى الاستدانة من غريمتها ألمانيا الغربية، وكان ثقل المديونية واحداً من أسباب اخفاق نموذجها، وهو ما يعكس بالنتيجة مفارقة أساسية، وهي أن بلدان حلف وارسو، المحكومة بالقبضة السوفياتية، وبأنظمة ترفع لواء الأيديولوجيا نفسها، لم تستطع تطوير تعاون اقتصادي نافع فيما بينها، وبالعكس تماماً، اتجهت كل هذه البلدان منذ السبعينيات الى الغرب، وبشكل أساسي للاستدانة منه.
في لحظة تأسيسها، كان على ألمانيا الشرقية أو «الديمقراطية» أن تكافح بضراوة، بالفعل، استمرارية الأفكار والمشاعر الفاشية والنازية، لكنها تأخرت كثيراً في فهم التبدل الحاصل. كان صحيحا حتى الستينيات أن قسما كبيرا من المؤسسة الحاكمة في ألمانيا الغربية هم من النازيين السابقين، لكن القطيعة الجدية مع هذا الماضي حصلت في النهاية في ألمانيا الغربية. في حين ظل هونيكر وقادة النظام في الشرق ينظرون الى النظام القائم في الغرب على أنه يخفي نواته النازية، وأن هذه النواة ستعود فتظهر في وقت لاحق، ولا يغرنك المجتمع الاستهلاكي المتقدم، والديمقراطية المستندة الى مؤسسات الرعاية الاجتماعية.
ظلت عين هونيكر على ظاهرة هامشية، مثل «النازيين الجدد» كما لو كانت تخفي كل الحقيقة. ظل يكابر على اخفاقات نظامه، ويعارض سياسة «البيرسترويكا» بقيادة ميخائيل غورباتشوف. وعندما حصل تطوران في حزيران 1989، القمع الدموي للاحتجاجات في بكين من ناحية، وفوز حركة التضامن بالانتخابات البولندية من ناحية ثانية، اعتبر أن الخيار الصيني يمكن أن ينتهج في ألمانيا ايضا التي كانت قد بدأت تتسع فيها الاحتجاجاتً. لم يسمح له السوفيات بذلك.
انقلب عليه سريعاً الحزب الحاكم في ألمانيا الشرقية، الذي اعتقد أن بإمكانه اصلاح نفسه، من بعد التضحية بهونيكر، لقيادة عملية التوحد مع الغرب بشكل يبقي على ما اعتبر من مكتسبات النظام، لكن عملية التوحد تجاوزت هذه الطموحات. حصل التوحد بشكل إلحاقي للغاية، وشبه استعماري. أوجد ذلك سردية مغايرة، لا تزال حيوية في ألمانيا الشرقية سابقاً، سردية تنظر الى «ألمانيا الديمقراطية» على أنها كانت «دولة الأدباء والموسيقيين» أيضاً، فتتمسك بتراث ثقافي تراكمي يعود الى هذا الماضي، كما تعارض أي مماثلة بين الشيوعية والنازية، بل تتهم هكذا مماثلة بتطبيع أمر النازية.

كاتب لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*