الرئيسية / home slide / أكراد العراق تقاتلوا وسنّته تقاتلوا فهل بدأ اقتتال شيعته؟

أكراد العراق تقاتلوا وسنّته تقاتلوا فهل بدأ اقتتال شيعته؟

10-09-2022 | 00:25 المصدر: “النهار”

سركيس نعوم

سركيس نعوم

المسلمون الشيعة يصلون العراق لإحياء أربعينية الإمام الحسين (أ ف ب).

لا تستطيع الجمهورية الإسلامية ال#إيرانية أن تعوّل في #العراق فقط على المؤيّدين لها أو المحسوبين عليها الذين يسمّيهم البعض جماعتها رغم انتشارهم الشعبي وتنظيمهم الأمني والعسكري والسياسي والمذهبي. هذا ما يقوله معمّمون وآخرون غير معمّمين في بلاد الرافدين. وإن كانت تسعى الى إقامة نظام شيعي في المنطقة وعصرٍ شيعي داخل العراق فلا بدّ من أن يدفع ذلك الولايات المتحدة الموجودة في العراق بقوة داخل مكوّناته الثلاثة أي السنّة والكرد والشيعة، الى العمل الجاد من أجل منع طهران من التحكّم بالتفاصيل العراقية، كما من أجل التحكّم فيها وتالياً تغييرها. انطلاقاً من ذلك يرى المعمّمون وغير المعمّمين المشار إليهم أعلاه أو بالأحرى يظنون أن حركة السيد مقتدى الصدر لم تكن مفتقرة الى غطاء إيراني. فهو احتلّ بواسطة أنصاره وتيّاره طبعاً مجلس النواب وانتقل منه الى السيطرة على مجلس القضاء لكنه تراجع عن ذلك لاحقاً، ثم انتقل الى السرايا الحكومية أي مقر مجلس الوزراء، فوقعت الواقعة أي حصلت اشتباكات احتدمت منتصف الليل ولم يكتفِ المشاركون فيها بإطلاق الرصاص الحيّ فقط، فاستخدموا أيضاً أسلحة “ثقيلة” مثل صواريخ كاتيوشا داخل العاصمة بغداد. أمّا دوافع الحركة الإيرانية أو بالأحرى القصد الإيراني من “دور” ما في حركة السيد مقتدى الصدر وإن على نحو غير مباشر فبدت جليّةً ساعة أعلن الأخير أن جماعته وأنصاره سيقومون بتعطيل آبار النفط. يعني ذلك تعطيل تصدير أربعة ملايين برميل يومياً الى الخارج. ويعني أيضاً أن تنفيذ التعطيل بل النجاح فيه سيضطرّ أميركا الى “تقبيل” يد إيران للتوقيع في صورة عاجلة على إحياء الاتفاق النووي الذي وُقّع عام 2015 وألغاه الرئيس الأميركي السابق ترامب عام 2018 ويحاول الرئيس الحالي بايدن إحياءه أو العودة إليه عبر مفاوضات غير مباشرة مع إدارة الوليّ الفقيه السيد علي خامنئي في فيينا الأوروبية، يؤدّي فيها الاتحاد الأوروبي والدول الأخرى الموقّعة على النووي دوراً إشرافياً، إذ من شأن ذلك رفع العقوبات الأميركية المفروضة على إيران والإفساح في المجال أمام تصدير نفطها وغازها الى دول العالم. وهذا أمرٌ تحتاج إليه هذه الدول بقوة ولا سيما الأوروبية منها من جرّاء حرب روسيا على أوكرانيا، وإقدام الأولى رداً على عقوبات الغربيْن الأميركي والأوروبي المفروضة على روسيا على وقف تصدير غازها إليها قبل خريف وشتاء يُقال إنهما سيكونان شديدَي البرودة. هذا السيناريو يرى كثيرون أن تنفيذه ليس بالأمر اليسير، إذ يعني أن إيران استعادت كل شيء وصارت تمتلك كل شيء. في ظل هذا الواقع رأى كثيرون داخل العراق وخارجه ضرورة القيام بشيء من أجل وقف دفع الأوضاع في العراق في الاتجاه المذكور أعلاه أولاً تلافياً لتدمير العراق من الداخل، وثانياً حرصاً على عدم خلاص إيران وإن شقيقةً وحليفة على حساب شقيقها وحليفها العراق واستقراره الداخلي ودماء أبنائه واقتصاده “التعبان” أساساً. هنا استُعين بالنجف الأشرف بطريقة لا تزال غامضةً تفاصيلها فتوقّف التحرّك الصدري بعد صدور بيان عن زعيمه يركّز على “حرمة سفك الدم” ويدعو الى الهدوء والانسحاب من الشوارع في العاصمة العراقية، كما من المدن الكبرى في محافظات الجنوب.

هل أنهى إعلان الصدر سحب تيّاره من الشارع واعتزاله هو السياسة و… المأزق الخطير الذي كاد يوصل العراق الى حرب أهلية دامية جداً؟ خطوة الصدر هدّأت الأوضاع، يجيب المعمّمون وغير المعمّمين أنفسهم، لكنها لم تقتلع أسباب توتّرها. لهذا فالمتوقّع هو أن “الآتي أعظم وأشدّ وأعنف”، لكن بعد أربعين الحسين الذي استُشهد في كربلاء وتحديداً بعد عودة الحشود الشيعية العراقية والإيرانية وغيرها من “الزيارة” للمشاركة في إحياء هذه الذكرى الى مناطقهم داخل العراق ودولهم خارجه. إلا أن اللافت في رأي هؤلاء كان أن “الإطار التنسيقي” الذي يضمّ حلفاء إيران وعدداً من القياديين إذا بقي في العراق حياديون تعاطى مع ما حصل فيه في الأيام المشؤومة وكأن شيئاً لم يحدث، إذ سارع الى إصدار بيان ثم الدعوة الى تأليف حكومة حتى قبل أن يتوقّف سفك الدم ودفن جثث القتلى ونقل الجرحى الى المستشفيات للمعالجة. فضلاً عن أن “الحشد الشعبي” الموالي لإيران تصرّف في يومي بل ليلتي الاشتباك بشيء من الحكمة، كما تصرّفت القوى الأمنية بحنكة. علماً بأن المعركة التي وقعت كانت حقيقية وأن الانتقام فيها كان سيّد الأحكام.

في اختصار، يقول المعمّمون العراقيون وغير المعمّمين أنفسهم، إن المعركة التي حصلت كانت عبارة عن “مِجسّات” هدفها أن يعرف كلّ طرف فيها حجمه والغطاءات الإقليمية والدولية له ومصادر الأسلحة التي يحتاج إليها. يقولون أيضاً إن ضعفاً ما ظهر على حركة السيد الصدر في تلك المعركة الممتزج فيها السياسي بالأمني بالوطني بالمصلحي… وكان أولاً ضعفاً بشرياً من جرّاء العجز عن “تغطية” بغداد كلها بالجماهير المؤيّدة له. وكان ثانياً ضعفاً في التنسيق داخل التيار الصدري أي بين قياداته وفصائله وتياراته من جرّاء “تناحر” ما بينها. وكان ثالثاً ضعفاً في نوعية الأسلحة الموجودة لدى التيار الصدري.

فهل كان ما جرى فعلاً “مِجسّات” تكشف حقيقة القوة الصدرية أم هو كان من دون تخطيط؟ الجواب عن ذلك الآن ليس سهلاً بل ليس متوافراً. الى ذلك، أُثيرت تساؤلات عدّة داخل العراق وتحديداً داخل المكوّن الشيعي فيه مثل: ماذا عن رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي؟ هل هو متواطؤ مع الصدر أم كان ضدّ انجرار الدولة الى معركة مع حزب معيّن أو تيّار معيّن أو إطار معيّن؟ رغم ذلك كله لا يزال الكاظمي مرشّح أميركا وإيران لرئاسة الحكومة الجديدة في العراق ومرشّح المنطقة العربية أيضاً، ولا سيّما بعد تناوله ملف علاقات إيران والسعودية وملفات أخرى بجدّية وبشيء من الكفاءة.

في النهاية يعتقد خبراء جدّيون في أوضاع العراق أن ما جرى أخيراً فيه هو تتمّة أو تكملة لما جرى فيه سابقاً، إذ اقتتل #الأكراد في ما بينهم وانقسموا جغرافياً بين إربيل (آل البارزاني) والسليمانية (الطالباني)، واقتتل السنّة في ما بينهم. أما الشيعة فقد قاتلوا الدولة التي أقاموها ذات الغالبية الشيعية وربما يكون حان وقت تقاتلهم في ما بينهم. حصول ذلك يفتح الطريق واسعةً أمام تركيز إيران نفوذها في العراق كله أو على الأقل أمام حماية نفسها من الشظايا العراقية. فهل يستطيع جيران العراق أي أشقاؤه حماية أنفسهم من الشظايا نفسها؟

Sarkis.naoum@annahar.com.lb