الرئيسية / home slide / أكتبْ وأنتَ حر

أكتبْ وأنتَ حر

 قاسم حداد
القدس العربي
22122021 

هذا هو حقك الأزلي الأصيل، وليس لأحد أن ينزعه منك، ولا ينزعك منه.
وكلما احتدم السجال (وهو يحتدم على الدوام) يبقى لك أن تتشبث بما يسعى الآخرون في تجريدك منه: حرية الخندق الأخير. لا تعوز الآخرين الأسباب والعلل والمناسبات ليطرحوا مساءلة المبدع عن (دوره) و(وظيفته) و(مسؤوليته) عما يحدث في الواقع، وكأن المبدع، المحبوس في هامش ما يحدث، عليه أن يتحمل التدهور الذي يجري بفعل حماقة الآخرين. (السياسيون خصوصاً).

٭ ٭ ٭

المبدع أضعف كائنات الحياة، وأكثرها جرأة على الرؤية، والبوح بها. يظل هدف مساعي العزل القهري، في واقعٍ يقعُ على كواهلنا لفرط تدهور الفعل السياسي، المثقف الذي «يدعى إلى الحرب ولم يدع إلى المجالسة» الشاعر أمل دنقل قال هذا. يطرحون عليه مساءلتهم دون خجل ولا تثبت. لكأن المبدع موظف في مؤسسة الحق العام، يظل عرضة لأمزجة مديري التدهور الشامل، لا ينبغي عليه سوى تحمل مسؤولية إصلاح ما أفسده الآخرون.

٭ ٭ ٭

بين وقت وآخر، ثمة من يطرح الصوت ضاجاً بتحميل المبدع مسؤولية الموت الماثل، الذي ينجزه السياسيون بامتياز الحمقى والجهلة والمدعين، لذلك يصحُّ لنا القول إن للمبدع حقه، الأول والأخير، في التحرر من كل هذه المزاعم التي يطرحها إداريو التدهور العام، ذلك الحق الذي لا يسقط بفعل وضع اليد، ولا يقدر الواقع على نفيه. حق الكتابة بحرية الطفل، وبالبراءة ذاتها وعدم الامتثال ذاته.

٭ ٭ ٭

على أن يظل المبدع وحيداً في سعيه نحو الجمال.
يظل وحده وحيداً.
حراً من الحدود والمماحكات التي يبتكرها الفاشلون في حقلهم، لينالوا من الكائن الضعيف، الأقوى بكلماته وأحلامه، وطاقة الكلمات التي لا تُضاهى. تلك هي طاقة الإبداع وقوته، على الانفصال والاتصال في آن: الانفصال عما ينهار، بمنهاريه، والاتصال بما يولد من الذات الجوهرية بمستقبلها الجريء الجميل. له أن يظل وحيداً بضعفه القوي، وبحقه الحقيقي الأصيل المهدور، دون أن يخالجه يأسٌ، ولا يثنيه حشد.

٭ ٭ ٭

يأخذونك إلى الزنزانة
فلا تعود وحيداً.
ثمة الأفق الذي يسع أحلاماً ضاقت بها الوسيعة،
خارج السجن ليس خارجاً،
يدخرونك للتنكيل
ليل طويل
لا يكترث بغير تحويلك إلى العتمة
هل تضيق بالظلام
لم تكن الزنزانة ظلاماً،
الظلام هنا
في هذا السديم، قويّ الشكيمة
ثمة الفرق الموجع بين الظلام والليل.
وإذا كتبتَ فأنت ضوءٌ بين ظلامين
لستَ ضعيفاً
ولا يقدرون على كلماتك
الكلمات حصون الضعيف وسلاح المستضعف
يتخلق الكون من كونك في قلعة الكلمات
الكلمات هنا ليست كلاماً
إنها شهوة التغيير
ووردته.
افتح دفتر السديم وابدأ الخلق
بينك وبين الله ما يسد رمقك ويصد رمحه.
لا الحرب تأتيك ولا تذهب إليها
الحرب جنة القتلى وجحيم الأحياء،
فما إن تخرج من زنزانتك حتى ينالك الوقت
تدع لهم الريح
فيما تذهب إلى الحرية.

شاعر بحريني