أقدار لبنان..في الحروب البديلة

ساطع نور الدين|الأحد29/09/2019
Almodon,com

لم يسبق أن إجتمعت كل هذه العوامل، الداخلية منها والخارجية، للتسبب بواحدة من أسوأ الازمات الاقتصادية التي يشهدها لبنان في تاريخه الحديث، والتي يبدو أنها عبارة عن تراكم الضريبة المتأخرة للحرب الاهلية، التي لم يتوقف دفع ثمنها طوال ثلاثين سنة مضت.

سوء الادارة السياسية، هو سبب رئيسي طبعا. القرار بالتقشف كان قاتلا وربما يكون مدمراً، فضلا عن كونه يتناقض مع الدرس الاول الذي يتلقاه طلاب الاقتصاد والمال والاعمال. كان البديل المطلوب ولا يزال، حسب الخبراء، هو تخفيض مستوى الفساد وكلفته الى المستويات العالمية، أي من نسبة أربعين او خمسين بالمئة الى ما دون العشرة بالمئة التي يتسامح معها أي إقتصاد ليبرالي.. وإلا فإن دورة الاقتصاد تتباطأ، وتنخفض عوائد الدولة، وينتشر الفقر، وتتسع الهوة بين الفقراء والاغنياء، لاسباب لا يخطئها أي مسؤول.  

لكن القرار أصبح نافذاً، وطريق العودة عنه مسدود، والاسوأ أنه ليس بين المسؤولين اللبنانيين، من يملك الاهلية والجدارة والخبرة للتعامل مع الازمة، بالحد الادنى من المسؤولية، وليس بينهم من يتمتع بحس رجل الدولة، الذي يدرك مخاطر تحويل الازمة الى ذريعة لتصفية الحسابات السياسية..برغم ملاحظة الجميع من دون إستثناء ان استخدام الشارع ليس رهاناً مجدياً، طالما أن الجمهور اللبناني بات يفضل الكفاح على فايسبوك وبقية مواقع التواصل الاجتماعي، بدلا من الانتظام في نقابات وهيئات وجمعيات تستوعب النقمة الشعبية وتحولها الى مطالب ومشاريع محددة، ترفع الى السلطة.  

الخلل في الداخل عميق وقديم، ولعله موروث مما قبل الحرب الاهلية. الانهيار الحالي ناجم عن عدم  قدرة الطبقة السياسية على التكيف مع واحد من أخطر التهديدات التي تتعرض لها وظيفة الاقتصاد اللبناني، الذي كانت نجاحاته السابقة مجرد إنعكاس لإزمات إشقائه العرب، سواء في فلسطين أو مصر أو سوريا..  اليوم، لا يمكن التوصل الى تعريف واحد لدور الاقتصاد اللبناني، سوى أنه أصبح مرآة مصغرة تعكس انهيارات شاملة في المحيط العربي، وصولا الى إيران، التي كانت تدفقاتها النقدية تعوض بعض ما فات السوق اللبناني جراء خروج منظمة التحرير الفلسطينية في مطلع الثمانينات.

الرهان على أن يستفيد الاقتصاد اللبناني من عملية إعادة الاعمار في سوريا، أثبت خطأه وعدم جدواه، لانه يسلط سيف العقوبات الغربية المسلط أصلا على لبنان، ويعرض رجال المال والاعمال والسياسة لمخاطر جدية مباشرة، نتيجة تورطهم في شراكات او حتى علاقات مع أمراء الحرب السوريين الذي يفوقون أترابهم اللبنانيين شراسة في جني مكاسب الصراع السوري.. الذي دخل في طور جديد يمكن ان يستنزف الكثير من الارصدة والحسابات اللبنانية، بواسطة أمير الحرب الاكبر والاقوى في النظام السوري.

القدر هو التي جمع شح المال الايراني ونقص المال الخليجي وندرة المال السوري، في وقت واحد لكي يضطرب السير على طريق “الترانزيت اللبناني”، الذي يريد الاميركيون قطعه نهائياً بعقوبات خانقة  تفتقر يوماً بعد يوم الى التمييز بين حزب الله وعناصره بين بقية فئات الشعب اللبناني، وتترك أثراً عملياً ونفسياً سلبياً جداً على لبنان بأسره. فقدان الدولار الاميركي من الاسواق اللبنانية، كان يختزل في الجوهر تلك العوامل مجتمعة، وربما يمثل أيضاً إنذاراً للبنان، من الاقدام على أي خطوة تسهم في خرق الحصار على إيران، او في تمويل النظام  في سوريا.

للمرة الاولى يبدو لبنان الان بلا نصير خارجي يمكن ان يدعمه بتحويلاته او إستثماراته أو حتى ودائعه، ويمكن ان يحيده عن تلك الحروب الاقتصادية الطاحنة التي تدور حوله كبديل من الحروب العسكرية الدامية، والتي لم تعد تحتمل التسويات وأنصاف الحلول، وبات هدفها المعلن رؤية رايات الاستسلام البيضاء مرفوعة في كل عاصمة.. بما فيها بيروت، التي ليس فيها مسؤول واحد يشعر بالحاجة الى إعلان الحياد وعدم الانحياز، على الأقل من أجل حماية العملة الوطنية من أي غدر أو نصب.   

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*