الرئيسية / مقالات / أقباط مصر ومسيحيو لبنان: ملاحظات

أقباط مصر ومسيحيو لبنان: ملاحظات

 

في الشعور القوي الذي تثيره إعادة “اكتشاف” تعبير ولو غير جديد مثل تعبير “المسيحيين الأوائل” لوصف المسيحيين في منطقة الشرق الأوسط هناك حقيقة أن النزيف الهائل المتواصل لهؤلاء لا يمكن تعويضه: ليس فقط بالنسبة للمسلمين بل أيضا للمسيحية الغربية نفسها التي لم تستطع دولُها الكبرى أن تنفي شبهة تأثير سياساتها العربية، إن لم يكن تواطؤ هذه السياسات، في تفعيل نزوح هذه البيئة التي استقبلت، بل أسست، المسيحية الأولى.

لست هنا في مجال تأملات أنتروبولوجية إلا بقدر ما يصح التأمل في أنتروبولوجيا المستقبل أو في الانتروبولوجيا كأداة مستقبلية!

المنطقة تشهد منذ 2003 ثم 2011 تحولات من تلك اللاعودة فيها. لكن الذي أثار موجة جديدة من الذعر، ولا أقول المخاوف، هو ظهور التركيز مؤخَّراً على إيذاء وترهيب الأقباط في مصر بشكل ليس مُركَّزاً فقط بل عبثيٌ أيضا بحيث يبدو جميع المتضررين، وعلى رأسهم الدولة المصرية، وكأنهم أمام قدَر لا يمكن ردُّه بسبب تداخل الفاعلين والمشبوهين حتى لو كانت الأداة الطاغية، الواضحة الغامضة معاً، هي أداة النوع الأكثر توحّشاً من الاسلام الأصولي، وهو تيار حديث (مودرن) وليس قديماً.

حتى لا أسمع تعليقاتٍ منتظرةً عن أن “الإكزودوس” ليس مسيحيا فقط بل هو من كل المكونات الدينية والطائفية، وهي تعليقات صحيحة إنما تُستخدم لتهميش الحالة المسيحية الخاصة في هذا الوضع الانهياري، ألفت النظر إلى أننا بصدد التوقف عند هذه الحالة لا لأنها الوحيدة بل لأنها الفريدة. طبعا علينا أن نضيف فورا هنا ان الوجود المسيحي كوجود أقلاوي يحمل معه كل مسألة الأقليات المسلمة الآتية من التراث الإسلامي للمنطقة كالدروز والعلويين والاسماعيليين، أو غير المسلمة وغير المسيحية كما العديد من الأقليات العراقية السابقة للإسلام والمسيحية.

خسارة المنطقة التي لا تعوّض تشمل بل تبدأ طبعا بخسارة يهودها، الخسارة التي أصبحت مكتملة عبر انقراض الحي اليهودي في المدن العربية والمسلمة منذ بدأ ثم نُفِّذ مشروعُ تأسيس إسرائيل في فلسطين. لذلك مسألة الوجود اليهودي اليوم كعنصر قوة في تكوين المجتمعات العربية والمسلمة أصبحت غير قائمة عمليا وهي لا تعني مطلقا وجود المجتمع الإسرائيلي بيننا الذي هو مسألة “جديدة” كليا ومختلفة حتى مع التنامي المتزايد للتسليم العربي والمسلم بهذا الوجود. لكن دولة إسرائيل والعلاقات معها موضوع مختلف عن “الحي اليهودي” الداخلي في مجتمعاتنا.

الضرب على الشرايين القبطية للجسد المصري هو لا شك ضرب ليس فقط لمعنى مصر بل ضربٌ لمصر بذاتها. صحيح أن إمكان استعادة مشروع ديموقراطي تحديثي لمصر ضد النزوع المحافظ الرجعي والتكفيري للإسلام الأصولي، خصوصا بعد موت مشروع ولادة اسلام تركي ديموقراطي على غرار التيار المسيحي الديموقراطي في أوروبا،، المشروع الذي ذبحه في السنوات الأخيرة “حزب العدالة والتنية” بقيادة رجب طيِّب أردوغان…

 صحيح إذن أن التحديث المصري مرتبط بتحولات وطاقات النخبة المسلمة وغير منفصل عن المساهمة العضوية للنخبة القبطية فيه. لكن الموضوع يتخطّى ذلك من حيث أنه بات مسألة خطر حقيقي يهدد وجود التنوع المصري.

هكذا تبدو النخبتان “البارزتان” المسيحيتان وبمعنى ما “الباقيتان” (مع كل الاعتذار عن هذا التعبير المجازي بين هلالين من مسيحيي الدول المشرقية الأخرى) هما الكتلة العددية القبطية والكتلة السياسية المسيحية اللبنانية. الأولى تواجه مسألة وجود رغم ضخامتها العددية والثانية تواجه مسألة قلق وتوتر الصيغة السياسية للدولة اللبنانية.

إذا كانت زيارة البابا لمصر قبل أسابيع تعبيرا موفّقا عن رسالة دعم للأقباط وللدولة المصرية تلقّفَتْها الدولة في ظروفها الصعبة باحتضان رصين، فإن انتخاب ميشال عون لرئاسة الجمهورية كقوة مسيحية شعبية أولى في لبنان ( بمعزل عن متاهة النِسب) كان تعبيرا أيضا عن وعي النظام الإقليمي والدولي بضرورة العودة إلى ترجيح سياسي مسيحي جدي داخل الدولة بعد إهمال طويل! لكن مشكلة هذه “العودة” التي يمثلها ميشال عون عدا انسداد آفاق الإصلاح العميق أمامها في ظل نظام وطبقة سياسية قويين وفاسدين، هو انشغال أجنحة المسيحية السياسية العائدة بما أسميه الضعف المبكر أمام الرأسمال الداخلي والخارجي. وهذا ما يجعلها تسقط في فخ الأجنحة الأخرى المتمرسة بلعبة استخدام الرأسمال والنائمة على إرث معروف وذكي من الصفقات ولكنه إرث مكشوف.

لكي أكون صريحا، أنا لا أعترض على الميل الاستراتيجي أو البعيد المدى في طرح مسألة الوجود المسيحي في لبنان والمنطقة لدى بعض ممثلي العونية السياسية التي تذوق طعم الصدارة الدستورية للمرة الأولى بعد نضال طويل، فهذا الميل أجده حيويا بمعزل عن التوافق أو الاختلاف على طروحاته هنا أو هناك ولو كنتُ أظن أن وسائل جديدة لتعزيز الحضور المسيحي في لبنان، بما يخدمنا جميعا اليوم كلبنانيين، يجب أن تظهر أما استعادة بعض مفاهيم “المسيحية المقاتلة” فقد استهلكتها حرب 1975 – 1990.

إذن الذي أعترض عليه في المشهد المسيحي اللبناني بعد الانتخاب البالغ الدلالة لميشال عون رئيسا للجمهورية ليس هذا النزوع الاستراتيجي المسيحي، خلافا لكثير من الانتقادات التي لا أعيرها أهمية خارج المماحكات التقليدية، وإنما أعترض على الانجراف الذي يظهره البعض ودون مبرر كاف للقبض السياسي على الصفقات الرأسمالية. طبعا أعرف أنه من السذاجة مطالبة قوة حاكمة بعدم وجود صلة لها بالرأسمال الكبير. هذه الصلة بديهية في كل أنحاء العالم. ولكني مُفاجَأ بحجم الانطباع عن اندفاع للسيطرة أو الشراكة الاقتصادية يعطيها بعض من يُفتَرَض أنهم ليسوا بحاجة إلى ذلك، خصوصا أن المستنقع اللبناني يجعلهم يقفون إلى جانب عديدين متنوِّعي الطوائف والطائفيات من هم أكثر تمرُّساً منهم بذلك خبرةً ووقاحة. أتحدث هنا عن المبالغة في الارتباط مع الرأسمال الكبير ولا أتهم أحدا في هذا السياق بالضرورة، إذْ قد تكون هناك ربما افتراءات في التهم ولكن الأكيد أن مناخا “ماليا” غير صحي أو مشوّشاً يواكب انطلاقة العهد الجديد.

الموضوع المسيحي في لبنان هو اليوم موضوع قيادة مسيحيي المنطقة والمساهمة في قيادة إعادة صياغتها إذا أحسن العهد الجديد التخطيط لهذه القيادة، دون السقوط في وهم إمكان “إعادة بناء الدولة”، التعبير الذي بات يكرره كثيرا الرئيس ميشال عون وأنصحه بعدم تكراره لصالح سياسة تثبيت الاستقرار اللبناني ومكافحة ما أمكن من الفساد المسلم المسيحي.

على عاتق مسيحيي لبنان، من حيث هم قوة نوعية ( أوسع من ناعمة) تتعلق بالمؤسسات الثقافية والجامعات والليبرالية الاجتماعية والاقتصادية المتأثرة بتقاليد تحديثية، تقع قوة إعادة إنهاض لبنان معنى ودورا بمشاركة الجزء الحيوي الواسع من نخب المسلمين المتمكنة تحديثيا في الداخل والخارج.

لبنان الدولة صعبةٌ إعادةُ بنائه بل المستحيل ذلك. فمعادلة الدولة التافهة – النظام القوي باتت نهائية في الجيل الراهن من المنطقة والبلد. لكن باستطاعة الرئيس عون أن يعطي مثالا لرئاسة غير مشوشة ونظيفة وأن يكشف أو يردع ما أمكنه ذلك. هذا ليس مجرّد كلام إنشائي في البلد الذي تقع على عاتقه اليوم قيادة عملية إنقاذ المعنى السياسي الثقافي للوجود المسيحي في كل المنطقة.

اضف رد