أفندم

 

سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
الشرق الأوسط
29122018

جاء محمد حسني مبارك إلى المحكمة مستقيم القامة والنفس. في السابق، كان يمثل أمامها محمولاً على محفة، وعندما ينادى عليه بالاسم، مجرداً من المرتبة السياسية والرتبة العسكرية، كان يجيب: أفندم! وأفندم هذه تعبير من تعابير مصر وآدابها ومدنياتها، يستخدمه الكبار في لحظات المحنة.
في الحالتين، على محفة ومستقيماً، دخل حسني مبارك المحكمة وخرج منها، كرجل دولة. لا ثورة 25 يناير استطاعت أن تجرده من آداب الرئاسة، ولا السجن، ولا مستشفى السجن، ولا التشفي الصامت من قبل بعض رفاق الأمس، عسكراً ومدنيين. الرجل الذي لم يدخل السجن في عهده سياسي أو صحافي أو عسكري أعطى الجميع درساً في الأدب والشجاعة: رفض أن يترك مصر إلى أي مكان، وقرر أن يتخلى عن الحكم ويحقن الدماء، ومثل مُتهماً عادياً بعد ثلاثين عاماً من كرسي الرئاسة.
حضر حسني مبارك وحضرت معه آدابه، وحضرت معه ذاكرة رئاسية سياسية تليق برجل دولة من هذا الطراز. تحدث كرئيس سابق يحفظ جميع أصول الحكم والقانون، ولا يقبل تجاوزها. الفارق بين الشاهد حسني مبارك والمتهم محمد مرسي أن الأول جاء من مدرسة علنية في المواطنة والسلاح الجوي ورئاسة الجمهورية. الثاني وصل إلى الرئاسة ولم يدرك بعد أن الدولة ليست سراً ولا شِفرات ولا حزباً ضيقاً له مرشد. مصر هرم بشري، لا جمعية.
هامت مصر بسعد زغلول لأنه أعطاها قلبه أولاً. كان يساررها، ويشعرها أنه كبير بها وحدها. وكبرت هي به، وطفقت في الشوارع تهتف له. وروى الطفل نجيب محفوظ أن والده حمله على كتفيه لكي يمكنه من أن يلمح زعيم الأمة الخارجة إلى استقباله. ورافقت عمره غصة بأنه لم يستطع أن يدوِّن، فيما دوّن، أن اللمحة تسنت له!
لا يُرضي أحداً مشهد رئيس مصري في السجن، ولو حَكَمَ ليوم واحد، أو حُكِمَ ليوم واحد. مشهد غير مريح، سواء كان السجين رجل دولة فائقاً، أو رجلاً كان أول ما فعله فتح أبواب السجون في وجه الدولة والقانون. سوف نظل نأمل بأن تنهي مصر ثقافة السجن السياسي. وسوف يسرّع في هذا الأمر أن تعود مصر إلى روحها المدنية، وتتخلى عن جمعيات السر والعنف. تخيل حزباً يقوم على سرية القرون الوسطى في هذا العصر.
حسني مبارك كان أقرب النماذج إلى الدولة الحقانية، لولا إضافات السنوات الأخيرة، وما رافقها من ضعف بشري أخفى صورة سنوات العمل والخلاص. ظل مبارك أقرب إلى القانون، إلى أن زيّن له تجاوزه. وقد ثأر لنفسه ولمأساته وإخفاقاته عندما عاد إلى المحكمة رجل قانون من الطراز الرفيع، مرفوع الرأس، وإن كانت الكتفان انحنيتا قليلاً.

اضف رد