الرئيسية / home slide / ” أغضان وجذور” سيرة ذاتية للدكتورة إلهام كلاّب: محطات مضيئة في مسيرة عاشقة للحرية والكلمة والآخر

” أغضان وجذور” سيرة ذاتية للدكتورة إلهام كلاّب: محطات مضيئة في مسيرة عاشقة للحرية والكلمة والآخر

18-12-2021 | 11:36 المصدر: النهارروزيت فاضل @rosettefadel

الكتاب

عندما تقرأ الأوتوبيوغرافيا للدكتورة إلهام كلّاب، تدرك تماماً أن سرّ #المرأة، التي عرفتها عن كثب، والوصفَ الدقيق لسيرة حياتها في المؤلَف، يكشف سرّ نجاحها، الذي تعكسه على محيطها من خلال زواجها برجل نبيل جداً، لا بل “غير عادي” هو هشام البساط؛ وذلك بزواج غير تقليديّ، أثمر ولادة كلٍّ من رنا (الرسامة التشكيلية)، وابنها جاد.

تهدي كلاب الكتاب ” أغصان وجذور”، الصادر عن دار نلسن، إلى والديها رفيق وجوزفين؛ فجوزفين هي الأم، التي أورثت ابنتها إلهام الذكاء الحادّ والطّموح اللامتناهي. وتذكر إلهام في بعض الصّفحات التمهيديّة للكتاب أنّ بعض مضمون ما في الكتاب يعود إلى حلقات عدّة من برنامج “سباعيّة من دفاترهم” في إذاعة صوت لبنان بضيافة الإعلامية المخضرمة وردة.

ماذا نفهم من بعض مراحل هذه السيرة الذاتية؟ قد تكون جملة فرانز كافكا في صفحة إهداء إلهام كلاب اختصاراً لصفحات المسيرة، حيث ذكرت نقلاً عنه أن “الأشياء التي نحبّ معرّضة دوماً للفقدان… لكنّ الحب يعود دوماً بشكل مختلف”.

الوالد المميّزهذا الحبّ تجدّد من خلال هذه السيرة التي تنتمي إلى الزمن الجميل للبنان، وتُظهر للقارئ الذوق الرفيع والمرهف، الذي ورثته من والدها صاحب مصنع إبداع الأثاث، مع التشديد على أنّه طبعها باستقامة الرأي والكفّ النظيفة.

أسلوب الكتاب يجعلنا – نحن القراء – شركاء في متابعة حوادث هذه السيرة الذاتية، التي كانت فيها إلهام كلاب الشخصيّة الثالثة في مقدّمة الكتاب، كأنّها تسعى – وبنجاح – إلى مشاركة القارئ أصغر التفاصيل، وتوصيف الشخصيات المهمّة في حياتها لتكتمل حلقات السيرة الشخصيّة الجذابة جداً، والتي تتمتع بقيمة مضافة في الثقافة والنضال الإنساني عموماً، والدفاع عن قضايا المرأة في عالمنا الذكوريّ خصوصاً.

في الكتاب أيضاً ما يُثبت ما كانت تردّده مراراً في جلسةٍ، جمعتني وإيّاها بحضور ألأديبة الراحلة إملي نصر الله، من أن والدها رفيق حرص دائماً على تزويد عائلته بالكتب. ذكرت في الصفحة 25 من الكتاب أنّه” ازدان هذا البيت الرحب بمكتبة كبيرة، فاق عددُ كتبها عندما توفّي والدي، ما يقارب الاثني عشر ألفاً، اشتراها أبي، أكاد أقول بعرق جبينه، لولا وراثته عن أبيه لمجموعات مجلتي ” الهلال” و”المقتطف” وكلّ روايات جرجي زيدان.”

تطبيق العلمانية
من المشاهد المهمّة في الكتاب في الملهاة الإنسانية أنّها تظهر أثر الحياة الحقيقة لجبيل، مسقط رأسها، عليها وتفاعلها مع البيئة الحاضنة لها، ومنها الدروس (ص 33) المستمدّة من العشب الأخضر، من زهرة البامياء الجميلة..”التي علّمتني معنى لحظات الانخطاف ومعنى ضياع الفرص، فيما الدرس الثاني كان من أشجار كبيرة ونادرة، زرعها والدي يوم وضع أول حجر لبناء البيت.”

إذا أردنا معرفة بوادر تطبيق العلمانية في حياتها، لا بدّ من التنويه بدور والدها، الذي أرادها وأشقاءها أن ينخرطوا في التعليم، لاسيما في متابعتها دراسة الأدب والتربية في الجامعة اللبنانية، مع التشديد (ص 35) على أن أولاده الستة انخرطوا في الدراسات الجامعية بتشجيع من الوالد طبعاً”.

لا شكّ في أن الدكتورة إلهام كلّاب شبّت، وفقاً لما يظهر في الكتاب، في منتصف ستينيّات القرن الماضي، في أجواء تكبر فيها الصبيّة الطموحة، فتتشرّب أمرين: الثقافة والتمرّد، في محطتين: الأولى في #بيروت، والثانية في باريس. ممّا لا شكّ فيه أنها نشأت في مرحلة “كانت الجامعة اللبنانية مصنع أحلام وحلاوة انطلاق، وبيروت سجّادة ألوان، ترسم لنا المستقبل الزاهر والآفاق الوسيعة، ومنها وجود “الندوة اللبنانية” والمظاهرات الطالبيّة والندوات الحواريّة، مع تنويهها بدور الأساتذة الكبار التي تتلمذت على أيديهم أمثال فؤاد أفرام البستاني، أسد رستم، جبور عبد النور وسواهم، ما دفعها إلى توسيع طموحاتها وعطشها العلميّ، الذي دفعها إلى إكمال علمها في باريس، حيث “كانت مرحلة (ص 41) سارتر وسيمون دوبوفوار اللذين كنّا نرتقبهما في مقاهي السان جرمان، كانت أغاني برباره، وهيلين مارتان وجورج براسينس، وكانت مارلين مونرو المتألقة في مسرحية “آه أيتها الأيام السعيدة” لبيكيت على مسرح الأوديون، وكانت مسرحيات أوجين يونسكو من “الملك يحتضر” إلى “المغنّية الصلعاء”، التي غزا الشيب شعر ممثلّيها، وهم يستعيدونها لعشرات السنين من دون توقّف أو كلل، كانت محاضرات كلود ليفي شتراوس في اكتشافاته الأنثروبولوجية… وكانت باريس أيضاً سنة حوادث 1968”.

في النضال
مهّدت هذه التفاصيل لبناء شخصيّة امرأة تعشق الثقافة والحرية، والسفر لاكتشاف الحضارات حتى كمبوديا… في مرحلة العودة إلى الديار، تمكّنت الدكتورة إلهام كلاب من التمرّد على النمطيّة والزواج برجل نبيل جداً هو هشام البساط.

شقّت طريقها في النضال النسائي من خلال انخراطها في الجمعيات النسائية لتكتب وتحاضر عن حق المرأة بحضور والدها… جاءت إلهام من باريس مفعمة بالنشاط والطموح والحركة الدائمة من خلال عملها في الإذاعة والتلفزيون وتصميم المجلات والتعليم والانخراط أكثر وأكثر في العمل في جمعيات أهلية نسائيّة وثقافيّة واجتماعيّة مروراً بمشاركتها بإصدار كتب تربوية، هدفها الأساسيّ الجمع بين الهدف التربوي والهدف الجمالي.

عاشت تجربة الكتابة وهي تنساق طوعاً في عالم التاريخ وناسه متّخذة قرار ارتباطها في بداية الحرب الأهلية الطائفيّة بهشام البساط حيث (ص 53) “كان زواجنا محطة أساسية بالنسبة لعائلة زوجي خاصة، حيث لحقت بنا أعداد من الأجيال الناشئة، اقتفت أثر تجربتنا، وأقدمت على زيجات مختلطة ومتنوعة، والحرب الطائفية لا تزال في ربوعنا….”

لور مغيزلبعد تجربتها في مركز علوم الإنسان، سردت بإسهاب مسؤولية الأمومة في زمن الحرب الوحشية على لبنان، وهو زمن القتال الأخوي كما ذكرت في كتابها. في هذه الفترة، ازداد نشاطها في الجمعيات الأهلية لمناهضة العنف ضد المرأة في مقابل عمل إنساني في زمن الحرب. قالت (ص 71): “أذكر هنا، لور مغيزل، رحمها الله، وقد حملنا معاً في تظاهرة كبيرة وثيقة تحوي آلاف التواقيع، من اللبنانيين الرافضين للحرب. وأذكر بالمقابل القصف والمعارك التي افتعلها المتحاربون لتفريقنا كي لا نكون هنا ولا في إعلام العالم صرخة الرفض للحرب والدعوة إلى الحياة…”

تبوّأت الدكتورة إلهام كلاب رئاسة جمعيّات عدة، منها ما يُعنى بالتراث أي بالهوية مع تسجيل أن زواجها لم يحدّ من طموحها اللامتناهي، بل انكبت في رسالتها التعليمية، “ولو(ص 73) في تاريخ الهندسة، أصبحت رسالة ملحّة لتنقية الطلاب من عصبية الانتماء، ودعوة إلى العقل والحكمة وإلى تقبّل الاختلاف واحترامه.”
تجرية الحياة
في الفصل الأخير من بعض فصول هذه السيرة الذاتية كلام عن حلو الحياة ومرّها، صارحت إلهام طلاب القارئ برحيل والدتها، ودورها في حياة كلّ من أولادها، وصولاً إلى الحديث عن ابنتها رنا، قائلة (ص 80) “واليوم يرتجف قلبي خوفاً على ابنتي، التي استبطنت هذه القيم، في عالم يلغي المحبّة ويحتقر الإنصات ويستضعف المتواضع …”

ماذا علمتها الحياة؟ ذكرت في (ص 81) أنها “تعلّمتُ من حياتي الزوجية، ومن أمومتي، أن التضحية الطوعيّة هي التي تكثف حياتنا وعلاقاتنا، وأن حسّ الفكاهة، فاكهة يوميّة ضروريّة كي نجابه مصاعب الحياة ومفاجآتها. ومن كتاباتي، تعلّمت أن للكلمة التأثير الكبير..”

Rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel