الرئيسية / أبحاث / أغاني البطولة وأحلام الطفولة: سير أنثروبولوجيين مع العنف والحروب

أغاني البطولة وأحلام الطفولة: سير أنثروبولوجيين مع العنف والحروب

 محمد تركي الربيعو
https://www.alquds.co.uk/
02052020

 في بداية التسعينيات، كانت إحدى السيارات العاملة على طريق الأردن/دمشق تقلُّ الشاب الفرنسي تييري بواسييه؛ الذي قدم لإجراء عدد من الدراسات الأنثروبولوجية في البلاد؛ وسيختار يومها أن يكون حقله البحثي مناطق وادي العاصي، لدراسة واقع المزارعين هناك، وشبكاتهم وعلاقتهم بالمدن وأسواقها.
لم يكن العمل الميداني في تلك الأثناء بالسهولة التي تذكر، إذ كانت أي جولة تتطلب موافقات أمنية؛ مع ذلك، نجح هذا الباحث مع عدد آخر من الباحثين في العبور، ودراسة زوايا من الحياة اليومية في سوريا، رغم كل العوائق الأمنية. وربما ما ساعدهم على ذلك، أنّ المواضيع التي تطرّقوا لها لم تكن، أو لم يُخيّل للرقابة، أنّها تمسُّ «قدسية الأسد». ستمرُّ الأيام، وسيجد الباحث أنّه قد فقد ميادينه والأشخاص الذين قابلهم، وجمع معطيات عنهم. إذ أدّت الثورة، ولاحقاً القمع والمواجهات العنيفة التي عرفتها بالبلاد، إلى تلاشي قسم كبير من ذاكرة وأحياء هذا المجتمع. فرّ الآلاف منهم هاربين، وبعضهم إما قُتِلوا أو لاذوا بالفرار إلى أحشاء الأحياء الفقيرة للمدن الرئيسية. في هذه الأثناء، سيضطّر مع غيره من الباحثين إلى مغادرة البلاد. وفي عام 2015، سيعود لرسم هذا الواقع من خلال مقالة بعنوان «الأنثروبولوجيا إزاء الصراع السوري». سيتحدث فيها بواسييه عن ظروف الحرب، وكيف أنّها افقدت الأنثروبولوجيين إمكانية إجراء بحوثهم التي تتطلّب الاستقرار والمعاينة عن قرب، خاصة في ظلّ غياب أيّ هامش من الأمان، ولذلك سيكتفي هذا الأنثربولوجي صاحب الميدان بالبحث عن أساليب أخرى، كإجراءٍ مؤقت ريثما تتعدّل الأحوال. وبالتالي تجربته في النظر عن بعد، وهو معذور في ذلك، فالعنف كان ينفجر في كلٍّ شبر من البلاد وليس ببعيد عن سوريا، كانت الأنثروبولوجية المصرية ليلى زكي تشاكرفاتي، تروي لنا تجربتها مع البحث الإثنوغرافي قبل وبعد الثورة في مصر. ورغم أنّ الاوضاع في مصر لم تكن بتلك الوحشية التي وصلت إليها الأمور في سوريا، لكنها ستقرُّ كذلك بتأثيرات الوضع الأمني على عملها؛ إذ غدا إجراء المقابلات أكثر صعوبة في ظلّ الشكوك من قبل أجهزة الأمن تجاه أي باحث من الخارج، أو حتى على صعيد غياب الأمن.


لن تتحدث بشكل مباشر عن المخاطر والصعوبات التي كانت تعيشها في تلك الفترة، بيد أنّ تلمحياتها كانت كفيلة لإيضاح حالة الخوف التي بات يعيشها الباحث القادم من جامعات غربية، أو حتى المحلية، وهو ما قد يعيد للأذهان حادثة الشاب الايطالي ريجيني، الذي تعرّض للقتل لاحقاً في ظروف غامضة (اتّهم النظام المصري بقتله). إذن، كان الوضع الأمني الهش وفقدانه في مرات كثيرة، قد دفع بهؤلاء الأنثروبولوجيين إلى البقاء في الهوامش بعيداً عن حقولهم، وكما ذكرنا فإنّ حادثة ريجيني وغيرها من حوادث قتل أو اختطاف الصحافيين الغربيين، والاشتباه والشكوك حول أي شخص يحمل عيوناً زرقا، كما وُصِفوا عادة في المؤلفات الاستشراقية، كلها عوامل ساهمت في كبح أي خطوات أنثروبولوجية في حقول الشرق الأوسط، وبالأخص في الدول المشتعلة. ورغم أنّ كلا الأثنوغرافيين السابقين (بواسييه/تشاكرفاتي) لن يتحدثا كثيراً عن هذه العوائق، لكن إشاراتهم العديدة للظروف الأمنية كانت كفيلة بالبوح بما لم يرغبا بقوله، أو لعلهما لم يريا من الضرورة التطرّق ليومياتهم مع الخوف وغياب الأمان، فغالباً ما ركّز القراء وحتى المؤسسات على نتائج دراستهم حول العنف ومسبباته وتأثيراته، بينما قليلاً ما جرى تسليط الضوء على العنف الذي يقع هؤلاء ضحية له، خاصة أنّ هناك من اختار منهم المجازفة والعبور من بوابة العنف، من خلال العيش في مناطق مشتعلة، أو إجراء جولاتهم الميدانية بين مجموعة من مساجين الأحداث، قبل أن يكتشفوا أنّها لن تكون عبارة عن جولات عادية، وإنّما ستبقى مرافقة لهم طوال حياتهم.
ومن بين الكتب التي رصدت تجارب الأنثروبولوجيين الشخصية في ساحات العنف، نشير إلى كتاب «ظاهرة العنف في المجتمعات المعاصرة/مواجهات أثنوغرافية» تحرير الأنثروبولوجي الهندي بارفس فاخاندي؛ إذ حاول المشاركون رواية تجاربهم المباشرة مع العنف في عدد من الدول والمناطق، مثل البرازيل والأرجنتين ولبنان وسوريا وكردستان العراق والهند والصومال. وبدلاً من الحديث عن أناس شاهدوهم وهم يتعرّضون للعنف، سيروون لنا عن تأثير ما شاهدوه من أحداث عنيفة على حياتهم لاحقاً، بل إنّ هناك من سيروي لنا كيف أدّت إقامته بين قبائل كينيّة تمارس الغزو، إلى أن يقوم لاحقاً الابن إلى الالتحاق بالجيش الأمريكي في العراق عام 2003. كما سيحدّثنا آخرون عن عدم قدرتهم على استعمال آلات التسجيل، التي تُعدُّ واحدة من أهم أدوات الأثنوغرافي، وذلك لظن الآخرين ممن قابلتهم أنّهم عبارة عن آلة للتجسس، ما أفقدهم كثيراً من القصص والحكايا التي سمعوها، وكان من الممكن أن يكون لها مكان وتأثير في كتبهم.

في أول ليلة من وصولهم وبينما كان يقلب بصفحاته، وإذا بمرافقه يصحو من نومه وهو يصرخ، وعند استعلامه عن السبب، ذكر له حلماً آخر حول رؤيته (الباحث الأنثروبولوجي) في مكان أُعيد تصميمه على طراز القرون الوسطى، كان يقوم بعرض فيلم من اعداد جاك دريدا(وهل يصنع دريدا الأفلام) كان الفيلم عنيفاً ويمثّل نوعاً من العنف الجماعي، أو مجزرة يقطع فيها الناس بعضهم بعضا.

الخوف في كردستان العراق

من بين هذه السير، نعثر على شهادة الأنثروبولوجية الأمريكية دايان أي كنغ من جامعة كنتاكي، التي تروي لنا عن رحلاتها العديدة والمحفوفة بالمخاطر إلى كردستان العراق قبل وبعد الحرب الأمريكية عام 2003. ففي عام 1998، كانت قد قرّرت الذهاب إلى كردستان العراق، لإجراء عدد من الدراسات، بيد أنّه وخلافاً لما توقّعت، لن تستطيع الدخول بسهولة، فقد كانت الأوضاع متوترة، ولذلك فكرت بالذهاب إلى تركيا للسفر عبرها، ومكثت في ديار بكر؛ لم تكن تعلم آنذاك أنّ حرباً أخرى ستشتعل في هذه المحافظة بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية، مما سيُعيقها عن العبور لأراضي كردستان العراق. في هذه الأثناء، ستخوض المؤلفة تجربة أخرى مخيفة، إذ ستقرّر السفر إلى سوريا، والعبور إلى دروب كردستان من خلال أراضيها، وربما جرى ذلك بالخفية، أو كان النظام السوري على علم بذلك. عندما وصلت، وخلافاً للصورة الإعلامية التي كانت تبثّ آنذاك حول صعوبة الأوضاع، بدت لها شوارع دهوك وزاخو أكثر أمناً من أغلبية الشوارع الأمريكية، لكنّ الخوف الذي كان يعشش في نفوس الناس، كان هو الطاغي .في هذه الأثناء، تروي المؤلفة كيف أنها كانت تضطر إلى وضع ما بحوزتها من أموال وجواز سفر في حزام وترتديه طوال اليوم استعداداً للهرب في أيّ لحظة.
وبعد خمس سنوات، ستعود المؤلفة لإكمال دراستها؛ كان صدام صاحب جمهورية الخوف، كما وُصِف في الإعلام الغربي، قد ولّى، لكنه بقي يحكم الفضاء الذي تعمل به المؤلفة بأشكال أخرى. تتذكر المؤلفة كيف عاشت لحظات عصيبة بعد هجوم حزب العمال الكردستاني على إحدى القرى التي كانت تُجري فيها بعض المقابلات، كان الحزب يشن هجماته ليلاً على هذه القرى، كما يقوم باختطاف أي صحافيٍّ غربي، إذ يقوم بنقلهم إلى معسكراته لتعريفهم بمشروعه، قبل أن يُطلق سراحهم لاحقاً. ستتذكر المؤلفة، وبشيء من الحزن، كيف أنها لم تتمكن من تسجيل المئات من القصص والحكايا، إذ لم يكن باستطاعتها استخدام آلات التسجيل، لأن مجرد إظهارها كان يثير لدى الطرف المقابل شكوكاً كبيرة حولها.
في مكان آخر من الكتاب، نعثر على سيرة الأنثروبولوجية بيلندا ستريت مع إحدى القبائل في كينيا (السامبوروية). ففي عام 1992، انشغلت هذه الباحثة بتوثيق مئات من الأغاني والحكايات السامبورية، التي تفتخر بالشجاعة والبطولة. يعمل أفراد هذه القبيلة في تربية الجمال والماشية. ومما تذكره عن تلك الرحلة، أنّ طفلها وبعد عام تقريباً من بدء أبحاثها، كان قد اتقن اللغة السامبوروية، كما أخذ يشارك بانتظام في حفلات الغناء، التي تقام في أواخر المساء، حتى عندما لم يكن يتقن إنشاد بعض الأغاني، تمتّع ابنها بنزعة المحاربين، وكان يتمتع بخصائص تميّزه عن أقرانه الشباب من الجماعة منها بياض بشرته، وإتقان اللغة السامبورية، وقلبه الشبيه بقلب حيوان بري، كان يشارك أصدقاءه فرحهم وتجاربهم في الاصطياد. وفي يوم من الأيام، ستعثر على ابنها وهو يركع مع أصدقائه جاثياً على ركبته لشرب الدماء المتجمعة في جلد نعجة مذبوحة للتو. كان أفراد هذه القبيلة ينشدون أغاني الافتخار عندما ينطلق المحاربون الشباب بهمة وحماس لمهاجمة القرى التي يسكن فيها خصومهم الآخرين الإثنيين، وعندما يجلبون معهم بعد نجاح الهجوم غنائم، ولا سيما الآباء. بعد هذه التجربة بسنوات، وبالتحديد في عام 2007، لم تتوقع الباحثة أن تؤثّر تلك السنون والتجارب على حياة ابنها، إذ سيقرّر صاحب القلب الوحشي الالتحاق بقوات الجيش الأمريكي في العراق.
ستجعلها هذه الحادثة الشخصية تعود من جديدة لقراءة تلك الأغاني، إذ ستدرك أنّه خلف هذا العنف (البطولة) وأغاني الحرب، تقف الأمهات والآباء الذين لا يرغبون حقيقة في دفع ابنائهم للقتال. كما ستدرك أنّ القيمة الثقافية التي تضيفها الأغاني على شجاعة المحاربين ليست هي وراء العنف، الذي يحصل مع الجماعات الإثنية الأخرى، بل هناك عوامل ومسببات معقّدة أخرى، تتقاطع فيها الوقائع السياسية والمحلية والقومية، وهو ما يتطابق مع ما كان يحدث في أمريكا في تلك الفترة؛ التي كانت تحاول من خلال خلق صورة البطل الأمريكي وترديد أغاني الحرية، أن تخفي عوامل معقّدة أخرى لإقبالها على الحرب، بدون أن تكثرث بأنّ لهؤلاء الجنود آباء وأمهات.

أحلام أنثروبولوجية

أما جون بورنيمان من جامعة برينستن، فسيروي لنا عن رحلته الأثنوغرافية إلى جنوب لبنان (2001) وحلب (2000) وعن الأحلام التي بقيت تراوده هو وتراود مرافقيه خلال هذه الرحلة. فقبل يوم من الذهاب من بيروت إلى جنوب لبنان، سيحلم أنّ أحدهم قد وجّه له تهمة القيام بسلوك غير محتشم (تحرّش) أثناء تدريسه في الجامعة. في اليوم التالي سيروي لمرافقه اللبناني (الشيعي) هذا الحلم؛ كان هذا المرافق قد درس الفلسفة، ويتقن الفرنسية، ولذلك سرعان ما أكّد له أنّ هذا الحلم له صلة ربما بالمهنة، التي عمل بها الباحث في الماضي (تربية الخيول)، خاصة وأن كلمة تحرّش تعني بالفرنسية مزرعة خيول. ولأنّ لا شيء يمكن أن يحدث في لبنان، بدون موافقة سوريا، كما يقول الباحث، فقد قرّر الذهاب إلى حلب (وهناك سيؤلّف كتاب «حكايات سوريا: ابناء وآباء وعالم أنثربولوجي في حلب»)، وفي هذه الزيارة أيضاً سيصطحب رفيقه الشيعي السابق، وصديقه من الجنوب كذلك. في أول ليلة من وصولهم وبينما كان يقلب بصفحاته، وإذا بمرافقه يصحو من نومه وهو يصرخ، وعند استعلامه عن السبب، ذكر له حلماً آخر حول رؤيته (الباحث الأنثروبولوجي) في مكان أُعيد تصميمه على طراز القرون الوسطى، كان يقوم بعرض فيلم من اعداد جاك دريدا(وهل يصنع دريدا الأفلام) كان الفيلم عنيفاً ويمثّل نوعاً من العنف الجماعي، أو مجزرة يقطع فيها الناس بعضهم بعضا. مما يذكره الباحث عن هذا الحلم، أنّه وبعد تفكير طويل ونقاش تبيّن أن صاحب الحلم (المرافق الجديد) كان قد هرب وهو صغير من عائلته إلى حلب، بعد الحرب الأهلية في لبنان، وهنا عاش سنوات طفولة سعيدة في بيت عمته، ولذلك رجّح باحثنا مع أصحابه أنّ استدعاء أو تذكّر صدمة الحرب اللبنانية في الحلم وهو في سوريا، المكان الذي يقترن ببراءة الطفولة/ أمرا أكثر أمناً وملاءمة وأقل ضرراً. لن يقف المؤلف على أحلامه وأحلام مرافقيه، وإنّما سيحدثنا عن أحلام العديد من أبناء أرمن مدينة حلب، الذين قدموا للمدينة بعد المذابح التي تعرّضوا لها في تركيا. ربما يبقى حلم وحيد لم يره هذا الباحث في رحلته هذه، أو لم يتخيل وقوعه، وهو أنّ بعض الأحلام التي رواها له محدثوه عن الموت والقتل، ستتحوّل بعد سنوات قليلة إلى واقع في مدينة حلب وأحيائها، لتولد آلاف الأحلام المرعبة.

٭ كاتب من سوريا

اضف رد