الرئيسية / مقالات / أعجوبة الوقوف في الحرية

أعجوبة الوقوف في الحرية


عقل العويط
النهار
15012019

هل يستطيع المرء، في لبنان، أن يظلّ أبيًّا، أن لا يُحني كرامته، أن لا يسلّم روحه إلى البزنس، إلى البيع والشراء، إلى العمالة، إلى تاجرٍ دنيء، إلى منتهزٍ حقير، وأن “يقاوم” السقوط، وأن يترفّع عن الارتزاق الملوّث، وأن يحافظ على تماسكه الإنسانيّ، القِيَميّ والثقافيّ والأخلاقيّ، وأن يتحصّن بكَرَمه المجّانيّ، بفقره الماديّ، بصلابته، بمناعته الروحية، وأن لا يُصاب بالإحباط، وأن لا يُجنّ، وأن لا ينهار، تحت وطأة الانهيارات؟

يمكنه ذلك، أكيدًا، وبالتأكيد. كيف؟ بأن “يستحضر” أرواح أمّه وأبيه وأهله وأصدقائه. وطفولته. ورغيفه الأوّل. وبيته الأوّل. ومخدّته الأولى. والعِلْم الأوّل. ومدرسته الفقيرة. والتنشئة.

يمكنه ذلك، طبعاً، وبلا تردّد. وبافتخارٍ عظيم. يمكنه، كيف؟ يمكنه من طريق “فلسفة الخبز والزيتون”. أقصد تحديدًا: بالوئام الذاتيّ. بالمصالحة مع الكينونة الروحيّة. بالعقل. بالاستيقاظ مع رائحة الكتب. بالنوم المضمّخ برائحة الكتب. بالإقامة في الكتب. عيشًا. وصحبةً. وتأمّلًا. وانتظارًا. وفي الحالات كلّها، يمكنه ذلك بمجاهدة الشظف. بالمشي. بالقامة المرفوعة. بالهواء الطلق. بالمطر. بالضوء الخافت الخفِر. بالليل. بالفجر. بتلك الشجرة الماثلة في عزلتها الدفينة. بذلك العصفور الذي يكتفي بالشرفة. ثمّ يطير. ثمّ يطير. وبلا هوادة.

صحيح؟ نعم صحيح، وأكيدًا، وطبعًا. أقصد: برائحة القهوة التي تفتتح فجر الحياة اليوميّة. بالصمت النوعيّ الهائل، الذي يوازي الشعر. وقد يعلو عليه حينًا. وأقصد: بالتواضع. بالتقشّف. بالزهد. بالكِبَر. بالأمل. وبأحلامٍ عظمى.

كيف؟ أريد أن أعرف كيف؟ أقصد: بالعزلة التي تضعكَ في العرين، في الجوهر، في العقل، في الروح، في الصفاء، في اللاغبش، وتضعكَ في ما يمكنكَ أن تعتبره “حقيقة”. هي هذه العزلة التي تعزلكَ عن التفاهة والسفالة والضحالة، وأنتَ في النسيج الطوعيّ للأروكسترا الكونيّة، وأنتَ في الخضمّ. وأنتَ تتفاعل. وأنتَ تستلهم. وأنت تعطي. وأنتَ “تقاتل”. وأنتَ “تحارب”. وأنتَ ترفض الرضوخ. وأنتَ تتمرّد على الانهيارات. وأنتَ تستشرف. وأنتَ تجترح الفرح في الوجع. وأنتَ تصنع الحبّ. وأنتَ تخترع الحريّة.

تُرى، هل يستطيع المرء حقًّا، وواقعًا، وفعلًا، أن يظلّ يعبر مستنقع الوسخ، ويظلّ نظيفًا، خاليًا من أيّ تلوّثٍ، أو رائحةِ وسخ؟ يجب أن يستطيع. يجب. ثمّ يجب. ثمّ يجب. وبلا هوادة.

بالتعب. بالوجع. بالكفاح. وباليأس الممهور بالإرادة، بإرادة عدم الانهيار.

لكنْ، أليس جنونًا أن يفكّر المرء، في لبنان، في أنه يستطيع البقاء “واقفًا”، بهذا الأسلوب، بهذه الأدوات، بهذه المستحيلات؟ يجب أن يفكّر في أنه نعم يظلّ يستطيع في لبنان. قد، بالجنون المستحيل يظلّ يستطيع. بجنون الكَرَم، بجنون الكِبَر، وبجنون الحلم والشعر والحبّ والحرية. وبأن يكون هذا الجنون خلاّقًا في حياة هذا الشخص، في يومه، في روحه، في عقله، في جسده، في حواسّه، في عينيه، وفي عمل يديه. فبمثل هذا الجنون الخلاّق، يستطيع المرء، في لبنان، أن يجترح، أن يظلّ يجترح أعجوبة المناعة، أعجوبة الوقوف في الحرية.

akl.awit@annahar.com.lb

اضف رد