الرئيسية / home slide / أطلس القرى والمدن الفلسطينية في العهد العثماني: ذاكرة تقاوم إبادة المكان

أطلس القرى والمدن الفلسطينية في العهد العثماني: ذاكرة تقاوم إبادة المكان

 محمد تركي الربيعو
الشرق الأوسط
22052021

أعادت الأحداث الأخيرة في مدينة القدس، النقاش من جديد حول تاريخ هذه المدينة وما عرفته من تغيرات ومحاولات استيطانية على مدى العقود الأخيرة. ولعل محاولة إبادة الذاكرة الفلسطينية لم تقتصر وحسب على القدس، التي وُصِفت في زمن الأيوبيين والمماليك بأنها «مدينة بلا أسوار» في إشارة للحركة التجارية والثقافية التي عرفتها المدينة بعيد خروج الصليبيين من المنطقة، بل شمل مشروع الإبادة هذا غالبية المدن الفلسطينية، ضمن ما عرف بمشروع عبرنة المكان، بدعوى أنها جزء من ماضٍ توراتي.
وقد حاول عدد من الباحثين والمؤرخين، فضح ومواجهة هذا المشروع، وهذا ما نراه مثلا من خلال كتاب إيلان بابه «التطهير العرقي في فلسطين» الذي كشف فيه عن المحاولات المنهجية لإسكات الماضي الفلسطيني، بوصفها جزءاً من عقيدة تهدف لقتل الذاكرة الثقافية، من خلال استبدال الأسماء التاريخية العربية للمواقع الجغرافية، بأسماء مستوحاة من التوراة. كما برز مشروع الدراسات الفلسطينية في إحياء الذاكرة الفلسطينية، بوصفه أحد أهم المشاريع في هذا الشأن، من خلال إصدار كتب وتحقيق يوميات عن عدة مدن ومواقع في البلاد، ما أتاح المجال للتعرف على مصادر جديدة عن التاريخ المحلي الفلسطيني، بدلاً من الاقتصار على المصادر الأوروبية أو العثمانية؛ إذ أدرك القائمون على هذا المشروع في وقت مبكر، من أمثال سليم تماري ووليد الخالدي، أهمية التفاصيل في حياة أي مجتمع، فكيف بالمجتمع الفلسطيني الذي يتعرض لمشروع إبادة على صعيد الوجود، كما أدركوا أنّ الدفاع والمقاومة يتطلبان وجود ذكريات وتواريخ صغيرة ويوميات، تتحدث عن أناس عاشوا في فلسطين، وكانت لهم قصص وحكايا وتجارب. ولا بد أنّ نشير في هذا السياق أيضا للجهود الأخيرة المبذولة من قبل الباحثين في المركز العربي للأبحاث والسياسات على صعيد جمع يوميات الفلسطينيين خلال القرن العشرين (أكرم زعيتر، قاسم الريماوي) .

خريطة كاتب جلبي

في موازاة هذه الجهود المحلية، يلاحظ الزائر لمكتبات إسطنبول، وجود اهتمام تركي على صعيد نشر كتب حول المدن الفلسطينية خلال الفترة العثمانية الطويلة. والجديد في هذه الكتب أنها تكشف عن تفاصيل إثنوغرافية غزيرة، حول واقع المدن الفلسطينية خلال ذاك الزمن، مما بات يتيح لنا معرفة أوسع بكيفية تطور هذه المدن من ناحية، كما أنّ بعض هذه الكتب ضمت أوراقا تثبت ملكية عائلات فلسطينية لمئات الوقفيات والأراضي التي احتلتها إسرائيل لاحقاً، بدعوى غياب أصحاب لها.
لكن في موازاة هذا الاهتمام التركي، نلاحظ أنّ بعض المؤرخين الفلسطينيين أبدوا حساسية في السنوات الأخيرة تجاه هذه المصادر، وهذا ما عبر عنه المؤرخ نور مصالحة في كتابه الغني «فلسطين.. أربعة آلاف عام من التاريخ» الذي لم يولِ أهمية كبيرة للمصادر العثمانية، انطلاقا من أنّ هذه المصادر هي جزء من «يوميات الإمبراطورية» التي بقيت تركز على تدوين دور الإمبراطوريات ورعاياها الذين حكموا المدن الفلسطينية، وهنا ربما يمكن تبرير موقف مصالحة من باب أنّ مشروعه لكتابة تاريخ جديد لفلسطين قام في الأساس، على فكرة إتاحة الفرصة للصوت المحلي، ولمصادره للبوح عن رواية أخرى عن هذه الأرض، مع ذلك يمكن القول إن هذا المنهج البحثي أسّس أحياناً، دون أن يقصد لموقف «محلي عنصري» إن صحّ التعبير، أو لنقل لرؤية اختزالية أحياناً حيال السجلات العثمانية، وما تتيحه من تفاصيل جديدة على صعيد المكان والديموغرافيا.

أطلس القرى الفلسطينية

وبالعودة للحديث عن المصادر العثمانية، وما توفره من معلومات جديدة، نعثر من اهتمامات المؤرخين الأتراك بهذه الفترة، على مجلد بعنوان «أطلس ودليل المواقع الفلسطينية في العهد العثماني 1515ـ1917» صدر عن مكتبة غرفة تجارة إسطنبول، بإشراف ثلاثة مؤرخين زكريا كرشون، عبد القادر سطيح، علي إحسان إيدن. يضم الكتاب قسمين أساسيين، جمع الأول أسماء معظم القرى الفلسطينية خلال الفترة المدروسة، بالإضافة إلى أسماء السناجق والأقضية والنواحي، وقد مثّل هذا الجمع فرصة للمقارنة بين الأوضاع في القرنين 16/19.
فعلى صعيد القرن السادس عشر نلاحظ وجود 5 سناجق (القدس، غزة، نابلس، وصفد، عجلون) وعلى صعيد القرى نعثر في ناحية القدس على اسم 166 قرية مثل (بيت لحم، عيزرية، صور باهر، جبع البطيخ) بينما نعثر في قرى سنجق غزة على 147 قرية (عموقة بني عامر، بيت دراس، مجدل). وفي هذه الفترة أيضا نرى أنّ عكا، هي ناحية تضم 61 قرية، بينما نعثر في القرن التاسع عشر على سنجق عكا المكون من (عكا، حيفا، الناصرة، صفد، طبرية) الذي يتألف أيضاً من 158 قرية.
وفي القرن التاسع عشر، يورد الأطلس اسم سنجق القدس الشريف الذي يتكون من نواحي وقرى مثل (يالو) التي هدمها الإسرائيليون بعد عام 1967، كما نعثر في أواخر العهد العثماني على أسماء الأحياء في مركز مدينة القدس، مثل محل العناترة ومحل التراجمة، الذي سمي بهذا الاسم كما يقال نسبة لأهله الذين عملوا خلال هذه الفترة في الترجمة للحجاج الأوروبيين، مع ازدياد قدومهم للمدينة. ويبدو أنّ حساسية موضوع الحجاج والدور الأوروبي المتصاعد في فلسطين، ألقى بظلاله على طريقة جمع الباحثين لمصادر هذا الكتاب، إذ خصّصوا فصلاً بعنوان «فلسطين في عهد السلطان عبد الحميد» يتناول أسماء القرى التي تم تعميرها في عهد السلطان عبد الحميد الثاني مثل (بيسان، الخان الأحمر) وما يلفت النظر في الجدول الذي أعده الباحثون بهذا الشأن، أنّ القسم الأكبر من القرى التي بنيت في هذه الفترة، شمل سنجق نابلس، ولعل ذلك يعود إلى كون المنطقة قد تحولت في القرن التاسع عشر إلى مركز رئيسي لزراعة القطن، كما أنّ بعض أسماء القرى توحي أيضا بأنّ عملية توطين للقبائل قد جرت في هذا السنجق. فمثلاً نعثر على قرى باسم «عرب البواطي» و»عرب الصقور» وهم عشيرة من قبيلة طي، وعرب البشتاوية في إشارة لعشيرة البشتاوية، وعرب المغاربة، ولعل إطلاق هذا الاسم يوحي بأنّ هذه القرى تأسست مع استقرارهم فيها.


خريطة من الأطلس العثماني 1803

أما القسم الآخر من الأطلس فقد ضم عشرات الخرائط العثمانية والأوروبية، ما يتيح لنا التعرف على «الجغرافيا الفلسطينية» المتخيلة في أذهان العثمانيين. ففي هذه الخرائط نعثر على وجود مبكر لفلسطين، خلافا للرأي الذي ذكره بعض المؤرخين من أنّ كلمة فلسطين، أهملت في اوائل العصر العثماني، لتستعاد لاحقاً في القرن التاسع عشر، مع الصراع بين محمد علي باشا والعثمانيين، وازدياد وتيرة التدخل الأوروبي والهجرات اليهودية. ومن بين هذه الخرائط، هناك خريطة رسمها الجغرافي العثماني كاتب جلبي (حاجي خليفة) في كتابه «تحفة الكبار في أسفار البحار» وموضوع الكتاب المعارك البحرية العثمانية حتى تاريخ 1656، وتمتاز هذه الخريطة بأنها أول خريطة عثمانية استخدمت اسم فلسطين بـ»أرض فلسطين/ قدس شريف» بينما لا نعثر على وجود لباقي المدن الفلسطينية على الخريطة. وفي خريطة أخرى نشرت في كتاب الأطلس الجديد المطبوع في إسطنبول عام 1803، يظهر اسم فلسطين بـ(أرض فلاستان) لكننا هذه المرة نعثر على وجود لمدن أخرى غير القدس مثل يافا (يافه) غزة، خان يونس، عكا (عكه) وربما ورود عكا في هذه الخريطة يأتي ليعكس ما عرفته هذه الناحية وتحولها خلال القرن الثامن عشر في فترة حكم الظاهر عمر، الذي حوّل مركز السلطة من صفد إلى عكا، وكان لهذا التطور، كما يرى نور مصالحة، أثر في إيلاء العثمانيين وحتى الأوروبيين أهمية أوسع لهذه المدينة وهم يعيدون تكوين معرفتهم بجغرافية فلسطين.
ونعثر في عام 1890 أيضا على خريطة من إعداد جغرافي يدعى سليمان سامي، ولم نعثر على ترجمة له، وفي هذه الخريطة تظهر هذه المرة جغرافية القدس ومحيطها تحت مسمى «سنجق القدس». ومما يلفت النظر أنّ الخرائط في هذه الفترة ستأتي على ذكر تفاصيل أكثر عن فلسطين وجغرافيتها، ما يعكس القلق المتزايد لدى العثمانيين حول مستقبل القدس ونواحيها، بالأخص مع زيادة ضغوطات الأوروبيين.
وهناك خرائط في الأطلس تتناول توزيع القوات العثمانية في بئر السبع، خلال الحرب العالمية الأولى، بينما تظهر خريطة أخرى تحصينات القوات العثمانية والإنكليزية على جبهة غزة بتاريخ 27 تشرين الأول/أكتوبر 1917، ولعل من الخرائط اللافتة للاهتمام، خريطة طرق فلسطين التي رسمها الضابط العثماني حسين حسنو، وطبعت في المطبعة العسكرية سنة 1919، وتكمن أهميتها في أنها رسمت بعد الحرب العالمية الأولى، مع ذلك فقد جعلها حسين حسنو جزءاً من أراضي الدولة العثمانية.
يذكر أن الكتاب صدر باللغتين العربية والتركية، ورغم أنه لم يضم شروحا طويلة أو قراءة واسعة لسياقات هذه الخرائط، مع ذلك فإن الأطلس وفّر لنا مادة وثيقة واضحة عن وجود آلاف القرى الفلسطينية، التي تعرض بعضها إما للهدم أو للتهويد أو لمشاريع استيطانية جديدة. وإنه لا مستقبل ولا سلام في المنطقة، دون إنصاف هذه الذاكرة.

كاتب سوري