أشهر المعتزلين في السينما

 

أحدث خبر اعتزال دانيال داي لويس التمثيل “صدمة” في الوسط السينمائي وعلى صعيد الجمهور المحبّ له والمتابع لتطور مسيرته. لطالما كان هذا الممثل البريطاني الايرلندي البالغ الـ٦٠ من العمر مقلاً، ومع ذلك فهو فاز بثلاثة “أوسكارات”. لم يتكئ لإنتقاء الأدوار سوى على فضوله الذي حمله إلى “أغرب الأماكن”، كما قال في احدى المقابلات. انه صاحب الموهبة الخارقة، الذي يقوم كلّ ما يقوم به برغبة في بلوغ الكمال. يتعامل مع التجسيد وفق المنهجية الخاصة بالـ”أكترز استوديو”، فلا يتوانى مثلاً عن البقاء مسمّراً في كرسي متحرك لأيام كي يتماهى مع حالة كريستي براون في “قدمي اليسرى” لجيم شريدان، ولا يتردد عن العيش في البريّة لستة أشهر قبل الانغماس في جلد ناتانييل بو في “آخر الموهيكيين” لمايكل مان.   المصدر: “النهار”

       24 حزيران 2017 | 17:56
      النهار
    هوفيك حبشيان

لم يتخط عدد الأفلام التي تولى بطولتها في السنوات العشرين الأخيرة عدد أصابع اليدين. وهذه ليست المرة الأولى في أي حال يعلن فيها انسحابه عن الأضواء. ففي العام ١٩٩٧، عندما كان لا يزال في الأربعين، قرر فجأة ان يعمل اسكافياً في ايطاليا، تحت يد ستيفانو بيمرّ، ليحقق حلمه بالتفرغ للأعمال الحرفية. فصناعة الأحذية لا تحتمل الآراء، الخطأ فيها يكون واضحاً، يُمكن اصلاحه اذا توجب، على عكس التمثيل. لكن، لم تطل الغيبة كثيراً، إذ عاد من أجل الوقوف قبالة كاميرا مارتن سكورسيزي في دور بيل الجزار في “عصابات نيويورك” (٢٠٠٢) التي تدور أحداثه في نيويورك القرن التاسع عشر. يتردد انه اصيب بالتهاب رئوي أثناء التصوير، الا انه رفض ان يُعالَج بالمضادات الحيوية بسبب انها لم تكن متوافرة في الحقبة التي تدور فيها أحداث الفيلم. تلاه دوره الفظيع في تحفة بول توماس أندرسون، “ستكون هناك دماء” (٢٠٠٧ – ثاني “أوسكار” له بعد “قدمي اليسرى”)، فـ”لينكولن” لستيفن سبيلبرغ عام ٢٠١٢، حيث تجاوز نفسه (ثالث “أوسكار”). اداؤه هنا انتفاضة على فعل التشخيص الكلاسيكي. تكفي رؤيته وهو يتنقّل في أروقة البيت الأبيض، مع هذه المشية التي تميزه عن ألف رجل آخر، وهو في معظم وقته منحني الظهر قليلاً صوب الأمام. سبيلبرغ ضيّق عليه المساحات، فاحساس بالانغلاق خرج من الفيلم، وكأن المكان لا يتسع له. دائماً، كان داي لويس ينسينا مَن هو، يتسلل تماماً إلى أعماق الشخصية، وكأنه لم يكن يوماً جزاراً أو مجرماً أو مثلياً أو معوقاً. أثناء تصوير “لينكولن”، كان الجميع على البلاتو يناديه بـ”سيدي الرئيس”. اشتغل بتصاعد، غضبه مدروس وكذلك كلّ الانفعالات التي يشيعها على الشاشة. يفعل المستحيل كي يستخرج من خصمه ما لا يتوقعه أحد.

الوقت الذي كان يتطلبه لاقتحام الشخصية، هو نفسه الذي كان يحتاجه للخروج منها. في مقابلات عدة، قال ان آخر يوم تصوير هو شيء سوريالي. لا جسدك ولا عقلك ولا روحك على استعداد لقبول فكرة ان التجربة انتهت. “<لا تعرف ماذا تفعل بنفسك عندما ينتهي كلّ شيء. يصعب التفكير في أي حياة بعد ذلك”.

كأي ممثل معذَّب يجرجر خلفه حيوات عدة، تماهى لويس مع اضطرابات الشخصيات، فكان يشعر بإحساس قاتل في لحظة الانفصال عن المشروع الذي رافقه لفترة معينة من حياته. في هذا المعنى، كانت سيرته مساراً طويلاً من الإتصال وفقدان الإتصال مع الواقع. هوى التمثيل لكنه لم يستسغ كلّ ما دار في فلكه، من احراجات واستلزامات، كالترويج للفيلم في أماكن مختلفة.

ببيان مقتضب ينأى عن تقديم أي شرح أو تبرير، طوى لويس نشاطه التمثيلي الذي بدأه قبل أكثر من ثلاثة عقود، منضمّاً إلى لائحة كبيرة من الممثلين في هوليوود وخارجها فضلوا انهاء كلّ شيء وهم في الذروة. أسماء كثيرة، من شرلي تامبل وبولا نغري إلى دوريس داي وجين هاكمان، فغلوريا سوانسون التي أعادها بيلي وايلدر في “سانسيت بولفار” (١٩٥٠)، سنوات طويلة بعد توقفها عن العمل وتراجع شعبيتها في دور ممثلة شهيرة خفتت نجوميتها وطواها النسيان.

 

في الآتي ستة من أشهر المعتزلين في السينما

بريجيت باردو

في العام ١٩٧٣، اعتزلت بريجيت باردو. كانت في ذروة مجدها. بعد ١٧ عاماً على انطلاقتها المدوية في “وخلق الله المرأة” لروجيه فاديم، كتبت بيدها جنريك النهاية. ثم انصرفت إلى الدفاع عن حقوق الحيوانات ومناصرة “الجبهة الوطنية”. صرّحت حتى بأنها سعت إلى الشهرة لخدمة قضية الحيوان. “لو كان دون جوان امرأة”، آخر فيلم لها حتى يومنا هذا، الا ان الانفصال الكبير مع السينما حصل وهي تصوّر “حكاية كولينو تروس شوميز المبهجة” لنينا كومبانيز. خلال وجودها على بلاتو هذا الفيلم، حسمت قرارها. صحيح انها صارت أيقونة بكل ما في الكلمة من معنى، لكنها لم تحمل السينما في قلبها يوماً. تروي في مذكّراتها انها شعرت فجأة بعدم جدوى كلّ شيء، كأنها سجينة صورة حاصرها فيها السينمائيون أولاً والإعلام ثانياً والجمهور ثالثاً. اللافت ان لوي مال كان أسند لها قبل عشر سنين من اعتزالها دور النجمة في “حياة خاصة” كاشفاً المقلب الآخر للشهرة. على الرغم من العروض المتكررة، لم تتراجع ب. ب. عن قرارها. لسنوات، قالت انها سعيدة بخيارها ولولاه لانتهت كماريلين مونرو!

كاري غرانت

رحل كاري غرانت عن عالمنا في العام ١٩٨٦. لكن آخر فيلم له، “أمشِ، لا تركض”، يعود إلى ١٩٦٦. عشرون سنة أمضاها نجم السينما الأميركية الكلاسيكية بعيداً من أضواء الاستوديوات، بعدما عثر على “أشياء أهم في الحياة” وبات مقتنعاً بأن العصر الذهب لهوليوود ولى بلا رجعة. غرانت بدأ في التمثيل في مطلع الثلاثينات، وبلغ الذروة في الأربعينات والخمسينات، حيث قدّم أفضل أدواره. هذا السليل لعائلة متواضعة، عانى طويلاً من الاضطرابات النفسية والصراعات الوجودية التي عرف هيتشكوك كيف يوظفها في “نورث باي نورثوست”، أعظم تعاون بينهما. هيتشكوك كان يجد لذة كبيرة في ادارته. طوال عمره، فرّ غرانت ممّا صنعه بيديه. في السبعينات، حاول وارن بيتي اعادته إلى الشاشة في “يمكن للسماء الانتظار”، ولكن بلا جدوى. السنوات اللاحقة شهدت رحيل معظم اصدقائه في الوسط السينمائي، ما وضعه في المزيد من العزلة. جملته الشهيرة: الكلّ كان يريد ان يكون كاري غرانت، من ضمنهم أنا. جسّد مثالاً لم يكنه، فبحث عنه ليجده في العزلة. بعد اعتزاله، اهتم بالبزنس!

غريتا غاربو

الفرنسيون لقبوها بـ”لا ديفين” (الربّانية). الممثلة التي عاشرت نساءً ورجالاً عاشت نصف قرن بدون ان تقف أمام الكاميرا. لا يمكن المرور على السينما الأميركية طوال العشرينات والثلاثينات من دون ذكرها كممثلة أساسية. غاربو من القليلات اللواتي قفزن بنجاح من الصامت إلى الناطق. أدوارها في أفلام مثل “ماتا هاري” و”غراند هوتيل” و”آنا كارنينا” دفعتها إلى الواجهة، لكنها كانت صعبة المراس، لا تحب ان يراها أحد وهي تمثل، مهددة بأنها ستعود إلى السويد، بلدها الأم، اذا طفح الكيل. خلافها مع “مترو غولدوين ماير” أبعدها عن الشاشات لسنتين كاملتين، قبل ان تعود بشروطها الخاصة. كرهت الأضواء، نبذت الصحافة، وبقيت على مسافة من جمهورها، مفضلة ملامسة الناس من خلال أدوارها لا من خلال اطلالاتها وكلامها خارج اطار الشاشة. الفشل الجماهيري الذي مني به “المرأة صاحبة الوجهين” لجورج كوكور عجّل قرارها في الاعتزال. حتى هيتشكوك لم يستطع اقناعها بالتخلي عن قرارها. أدوار كثيرة من تلك التي كانت ترفضها ذهبت إلى جوان كروفورد أو ماريلين ديتريتش أو بيتي دايفيس. في أواخر الأربعينات أجرى ماكس أوفولس بعض التجارب معها لفيلم مقتبس من رواية لبلزاك، الا ان انسحاب المنتج الايطالي من المشروع ألغاه. في عمر الـ٣٦ انزوت غاربو في شقّتها النيويوركية حيث عاشت حتى آخر يوم من وجودها، بعد الانسحاب شبه التام من الحياة العامة. كانت تظهر احياناً في الشارع مرتدية نظارتها السودا السميكة. سألها معجب ذات يوم: “هل أنتِ غاربو؟”. فردّت: “كنت غاربو”!

 

غريس كيلي

غاري كوبر هو الذي اكتشف غريس كيلي، خلال زيارة لها على بلاتو تصوير “هاي نون” (١٩٥٢) لفرد زينمان. مع هذا الوسترن، شقت طريقها إلى الجمهور العريض، ثم “موغامبو” لجون فورد، لكن هيتشكوك هو الذي أنصفها وألصق بها اتيكيت الشقراء الجليدية التي رسم عليها أهواءه بمنأى منها، مشدداً على جانبها البورجوازي الممل. مع ذلك، ليس سيد التشويق من جعلها تفوز بجائزة “أوسكار” أفضل ممثلة، انما جورج سيتون عن “بنت قرية”. بعدها بعام، أي في العام ١٩٥٦، تزوجت حاكم موناكو الأمير رينه الثالث الذي كان يكبرها بست سنوات. تعارفا أثناء مشاركة كيلي في مهرجان كانّ يوم جاءت تقدم فيه “الجريمة كانت مثالية”. مذذاك، تفرغت للحياة العائلية، فألقت بمسيرتها الهوليوودية إلى الخلف. بعد ست سنوات من ارتباطها، حاول هيتشكوك اعادتها إلى الشاشة، عبر اسناد الدور الرئيسي إليها في “مارني”، ولكن بلا جدوى: في البداية، وافقت كيلي قبل ان تتراجع. هل تراجعت تحت الضغط أم كان قراراً اتخذته بكل حرية؟ هذا الفصل نراه في فيلم “غريس موناكو” لأوليفييه داهان (٢٠١٤)، حيث نكتشف شيئاً من الصراع الداخلي الذي عاشته كيلي بين واجبها كأميرة وأحلامها التمثيلية.

شون كونري

صحيح ان كونري كان تجاوز السبعين ببضع سنوات عندما تقاعد واعتزل السينما إلى غير رجعة، ليستقر في الباهاماس وفي أماكن أخرى بعيدة من مسقطه أدنبره، لكنه كان في ذروة تألقه وعطائه عندما أدار ظهره فجأة لكلّ شيء. فكم ممثلا وممثلا عاشوا ولادة ثانية في مثل هذا العمر؟ آخر فيلمين له إلى اليوم هما “البحث عن السيد فورستر” لغاس فان سانت و”رابطة الرجال المميزون” لستيفن نورينغتون الذي لم يستقطب العدد المطلوب من المشاهدين، فكان ان حسم قرار كونري بالتقاعد. شائعات كثيرة انتشرت حول عودته في السنوات التالية، وخصوصاً مع الاعلان عن تصوير جزء جديد من “انديانا جونز” في العام ٢٠٠٨، ولكن تم تكذيبها كلها، لا بل دفع كونري إلى التصريح بأنه مستمتع جداً بحياته الجديدة وبأن التمثيل بات شيئاً من ماضيه السحيق، لم يعد يعنيه الكثير. وعلى ما يبدو فقد تفرغ الممثل الى نشاطات أخرى لا احد يعرف طبيعتها. في ٢٠٠٣، يوم أعلن قراره هذا، قال إنه يريد التفرغ لكتابة سيرته، ولكن بعد البحث والتدقيق تبين ان اسبابا جوهرية تقف خلف الاعتزال، بعضها مرتبط بـ”الأغبياء الجدد الذين يديرون هوليوود”، على حد قوله. على مدار تاريخه، رفض كونري أدواراً كثيرة منها “سيد الخواتم” و”ماتريكس”، معترفاً بأنه لم يفهم أي شيء منها. بعضها حقق ايرادات عالية. كان “صلاح الدين” لمصطفى العقاد سيكون فيلمه الأخير، لولا مقتل مخرجه في حادث ارهابي في الأردن. بدلاً من ذلك، اكتفى بالظهور في حملة ترويجية للوي فيتون!

ماري بيكفورد

بيكفورد من رائدات الشاشة. كانت من رموز الحقبة الصامتة. انها من النساء اللواتي شرعن الطريق للنساء للدخول إلى السينما. لُقّبت بـ”خطيبة أميركا الشابة”. انطلقت في عمر السابعة حينما كانت لا تزال في مسقطها تورونتو، قبل الانتقال إلى أميركا، حيث كان لها دور في تأسيس استوديوات “يونايتد أرتستس”.

ارتبطت بالنجم الكبير دوغلاس فيربانكس وعاشا طوال فترة مجدهما في الـ”بيكفير”، المقر الذي كان أصبح محجّاً لكلّ مشاهير الأرض. مثّلت بيكفورد في ٢٣٦ فيلماً طوال ٢٧ عاماً، في ادارة ديفيد غريفيث وتوماس اينس وغيرهما من كبار تلك المرحلة. كانت من بين الأعلى أجراً في هوليوود. آخر دور لها هو في “أسرار” لفرانك بورزاج (١٩٣٣) الذي مُني بفشل جماهيري كبير لكونه عُرض في الاسبوع الذي أُقفلت فيه المصارف بأمر من روزفلت. الا ان قدوم السينما الناطقة وعدم قدرة بيكفورد في اللحاق بها، أنهيا مسارها، مثلما قضيا على مسار الكثيرين غيرها من رموز السينما الصامتة. فاكتفت بيكفورد بالمشاركة في أربعة أفلام ناطقة قبل الاعتزال النهائي وهي بالكاد في الأربعين. أمضت نصف قرن بعد ابتعادها عن الأضواء وهي تعمل منتجة، لكنها في
النهاية غرقت في ادمان الكحول ككل أفراد عائلتها.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*