الرئيسية / home slide / أشباح بيروت.. وشبح ماركس الذي لا يموت

أشباح بيروت.. وشبح ماركس الذي لا يموت

عادل نصار|الإثنين06/12/2021
Almodon.com.

ظلام بيروت (غيتي)

“الاشباح لا تموت”، على حد ما وصف الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، شبح كارل ماركس، في كتابه المعنون “أطياف ماركس”. وأشباح بيروت أيضاً لا تموت، لأنها تعاود الظهور بين فترة وأخرى، تزرع الرعب في قلوب ساكني المدينة، فترهبهم وتقض مضاجعهم، مخافة الأسوأ.

شبح ماركس ينذر بالتغيير وبالثورة على كل ما هو سيء، بل هو يصف السينما بـ”فن الأشباح”. أما في بيروت فهي شيء من موت المدينة، مع أن تعريف الأشباح هو، كما يعرف الجميع، “أرواح تائهة عن جثامينها هاجرتها وطارت تبحث لها عن أجسام أخرى لم يدركها الفناء”. الأشباح تحبّ الحياة وتهرب من الموتى، أما اشباح بيروت، فتنذر المتجول والعابر فيها، أنه ليس بأمان ليلاً أو نهاراً، في مدينة متروكة لأقدارها ولعبث العابثين، تلك السياسات الرعناء جعلت الأشباح تسكن في العقول.

أشباح بيروت لا تمت بصِلة الى شبح ماركس الذي لا يموت، وهي ليست رجع صدى لتوهمات علمانية وطائفية ورأسمالية جرت في حروب سابقة. هي انفلات غرائز وعصبيات أين منها غرائز وعصبيات الحروب السابقة. أشباح تجعل السوداوية سوداوية الأفكار والأمزجة والرؤى والذكريات القبيحة، تتناسل بعضها من بعض ولا تجعلنا في وضع المستبشر خيراً، وليست في اللوحات التشكيلية أو في الكتب والقصص.

أشباح بيروت المستوطنة في الأرجاء عبارة عن ظلمة دامسة بفعل غياب التيار الكهربائي وخيالات آليات خفيفة وثقيلة تجوب الطرقات بحثاً عن فريسة. ظلمة تولد أخيلة راعبة في الزواريب، فيمسي التجوّل ضرباً من المغامرة… تشعرك انك في خطر محدق إن تجولت في الشوارع بعد انسدال الليل، ولا تضمن أنك ستجد وسيلة نقل تقلك الى حيث تريد. الكل يؤوب الى سكناه بعد يوم لا يتجاوز الساعات القليلة في اليوم.

الأشباح تحضر حين يزداد عدد الكلاب الشاردة والقطط على مستوعبات النفايات وفي الزوايا. وحين تفرغ الشقق من ساكنيها، وحين تتحول النوافذ عيوناً عمياء، وأشجار الشوارع فزاعات. هي مبانٍ فارغة أو متصدّعة جراء انفجار 4 أب، أو توحي بأنها خالية جراء غياب الإنارة عنها…

الأشباح تقيم في ذكرى كل محب أو صديق رحل أو هاجر. تقيم مكانه، تحتل حيزه الخاص الذي تركه لنا، ولا تعترف بما هو حميم، تتلف كل شيء جميل، وتنغّص الذكريات وما راكمته المدينة منها في سنوات غيابها عنها… الأشباح تجعل من السفر موتاً، ومن الاشتياق لعنة.

أشباح بيروت لا تزور الطبيب أو المعالج النفسي، ولا تتناول المهدئات، تعيش على خراب أرواح ساكنيها المداومين على زيارة الأطباء وتناول المسكنات. تعيش على خراب المدينة وركامها.

أِشباح بيروت لا تهاجر، وإن هاجرت في أوقات السِّلم، فسرعان ما تعود لعدم تكيّفها مع الحياة المدنية. تريد دوماً العيش في الخراب، والاضطرابات، في الفوضى. كالغرباء الذين ينقضون على المدينة حينما تلوح في الأفق، فرصة سانحة.

أشباح بيروت لا تعرف الانخراط في الحياة المدنية، زمن السِّلم، فهي تورث ثقافتها لأجيال جديدة. ترعاها دوماً أقدار، تفوق قدرة المدينة على التحمّل، تمكث فوق صدرها وتكون عبئاً عليها. وبيروت لا تستطيع الإفلات من براثن أشباحها، ربما تلزمها أشباح أقوى كي تتخلص منها، وربما تلزمها عناية إلهية ترأف بحالها وبحال قاطنيها.

أشباح بيروت تسكن قلوب من عاصَروها في مراحل متعددة منذ الحرب الأهلية (1975 _1990) فيعلم عما نتحدث. لذلك، تعاود الظهور بين فترة وأخرى. فلا حلول نهائية أجريت لمشاكل المدينة.

تعبنا من الأشباح، من قفل أبواب منازلنا على أنفسنا في الخامسة عصراً، تعبنا من التكلم مع الجدران، تعبناً من أرقام الأسعار، وهبوط الدولار وصعوده. تعبنا من انتظار مفاوضات فيينا أو شفقة باريس أو صدقة باقي العواصم. بتنا في حاجة ماسة لرؤية أضواء المدينة مشعشعة، وحركة السيارات روحة وإياباً، والمحال وحانات السهر مفتوحة ومشرعة أبوابها، وعالم الأعمال يعمل بشكل طبيعي. بتنا بحاجة لدحر أشباح بيروت إلى أوكارها والإقفال عليها مرة واحدة وللأبد، كي لا تعاود للظهور مجدداً. أرهقتنا الأشباح، واشتقنا للتنفس ملء صدرونا.