الرئيسية / home slide / أسير الجغرافيا، يتيم التاريخ

أسير الجغرافيا، يتيم التاريخ

27-10-2021 | 01:00 المصدر: “النهار”

سمير عطالله

Bookmark
أضف للمفضلة
العلم اللبناني (تعبيرية- نبيل إسماعيل).

“الصقر لا يستطيع ان يسمع الصقّار، تنفرط الأشياء وتسقط الركيزة”

               دبليو بي ييتس

دار قبل فترة جدل من السفسطة التي لم تتوقف، كانت هذه المرة بعنوان “هونغ كونغ أم هانوي”. وتحدث المتجادلون بكل جديّة كأنما نحن من يقرر الهوية والمصير. جرى النقاش بعد مائة عام على نشوء #لبنان الكبير، والاتفاق على صَهره (بفتح الصاد). ولم يتوقف، لا قبل ولا بعد. وكان جوهره دائماً الوجود المسيحي وإن تحت مسمّيات شتى.

Le parent pauvre يسميه الفرنسيون. مسكين العائلة،  الذي لا حول له ولا قوة. وكيفما تحرك المسيحيون اكتشفوا انهم في حاجة الى حماية. عندما ذهبوا الى صلاح الدين، اعطاهم سهلاً سُمّيَ بعد ذلك وادي النصارى. لكن وادي النصارى لن يكون لاحقاً جزءاً من الحل. عندما قال نابوليون ان الجغرافيا تصنع التاريخ، فاته أن – التاريخ – له يداً في الأمر ايضاً. وإذا ما كانت الجغرافيا جمادا متجمدا، فإن التاريخ مزاج متبدل وشر ثابت: دائماً تشتهي ما هو عند غيرك. دائماً لا تكتفي بما هو عندك. لذلك، قال افلاطون وفلاسفة اثينا إن الحل البشري هو البساطة. هو الكفاية. هو ان تمتلك ما تحتاج، وإلا سوف تثير الغيرة والطمع والحسد وسائر الشرور. ولذلك اضاف مفكِّرو الكنيسة سبع خطايا اجتماعية الى الخطايا الغريزية العشر، بعد دراسة طبائع البشر، بينها الغرور. يقابلها في القرآن لا تمشي بين الناس مرحاً، أي متشوّفاً ومتعالياً.

على أن الإنسان لم يصغِ الى الوصايا العشر أو الى السبع، أو ما استجد اليها. إنه في حال اعتداء دائم على سواه. عندما قال نابوليون ان الجغرافيا تصنع التاريخ كان قد نكّل بأراضي الأمم، واستباح ممتلكاتها وشعوبها وحقوقها في انحاء الأرض، وقد تغيرت الاساليب والسبل من الاسكندر، الى هولاكو، الى هتلر، الى “الحرب الباردة”، الى منظومة الدول الكبرى، لكن واقع البشرية ظل واحداً.

اخترع الانسان المُعاصر ثلاث وسائل مائية لتغيير الجغرافيا، وغيرت الحياة حول الكرة: قناة السويس وقناة بناما. ولكن الأهم كان قيام اميركا. لقد أدار العالم ظهره الى المتوسط ولحق بمروج الذهب عبر الاطلسي. وتحوّل المتوسط الى بحيرة صغيرة شبه مهجورة.

هنا تدخَّل التاريخ في الجغرافيا على نحو مذهل: ولِدَ شيء سُمّيَ “العالم الجديد” ولا يزال يتوسع. وكانت بريطانيا ترسل المحكومين والقتلة الى قارة مفزعة وخالية اسمها اوستراليا، وها هي الآن إحدى أهم الدول الاستراتيجية في العالم. وكلما تقدمت الصين خطوة، ازدادت اهمية المتاهة الاوسترالية قرناً، وكيفما اتجه العالم بعد الآن، يجب أن يأخذ تلك القارة المهملة في الاعتبار. لا احد منا يستطيع ان يتخيل أهمية اوستراليا ودورها في المستقبل. وقد يكون ما أتخيله نوعاً من الجنون، لكن هذا هو التاريخ. والصين التي تبحث اليوم حول العالم عن كل قطعة يابسة أو مياه، أو جليد، كما في جزيرة غرينلاند (مليارا ميل مربع من الجليد)، قد تجد في اوستراليا القريبة حلّها المثالي. وقد يستفيق الاوستراليون يوماً ليجدوا ما يجده الاوروبيون والاميركيون والأفارقة الآن: البرّ الصيني اصبح داخل البلاد.

هذا المجمّع الصغير المسمى لبنان، أسير الجغرافيا ويتيم التاريخ. رفع رياض الصلح شعار لا مقر ولا ممر، لأنه كان أدرى بالمعنيين وأعلمهم بمصير الدول العالقة بينهما. شرحنا لوحة نهر الكلب زوراً على أنها لائحة بطولات، والحقيقة انها سجلّ لعنات وهزائم. فخر الدين كان واحداً لا يتكرر. وكان صاحب رؤيا. لم يشجِّر حرج بيروت بالصنوبر من اجل الاطفال، بل من اجل ان يرد الرمل عن المدينة. كل شيء كان رملاً في المنطقة حتى سُمّيَ سجن الدولة “حبس الرمل”. لم يعرف لبنان معمارياً مثله في كل عصوره. كل هذا القرميد الاحمر والقناطر والرخام، ولا عرف مغواراً مثله. وكالعادة، تسلل اليه الخائنون. سلالة بلا نهاية.

بصرف النظر عن طبيعة الصراعات، كان لبنان جزءاً منها. البريطانيون والفرنسيون. الاميركيون والسوفيات. عبد الناصر وعرب الجزيرة. الجميع واسرائيل. الفلسطينيون والجميع. ومؤخراً ايران ومحورها الممتد الى آسيا الوسطى مع عدد من النقاط المركزية، اهمها سوريا ولبنان.

مساحة اقليمية تفجَّرت فيها النوازع الامبراطورية مرة واحدة. روسيا وحلمها المتوسطي القديم، وايران وتركيا، والى جانبهما، أو قبالتهما، اميركا البايدنية واسرائيل.

وهناك، وسط ذلك كله، الاوهام المحلية، أو الفولكلورية، ويقول اصحابها ان الولايات المتحدة تبني في عوكر اكبر سفاراتها في الخارج. إذن؟ إذن نسي المحللون الكبار ان اميركا (وفرنسا) اغلقت قواعدها بعد انفجار المطار، ونقلت سفارتها الى عوكر واطلقت “نيوجيرزي” مدافعها فأصابت جزيرة غرينادا في البحر الكاريبي، بدل ان تصيب مواقع “الحركة الوطنية”.

لطالما ارتكب اهل الدول الصغيرة تلك الغباوة الكبيرة، عندما اعتقدوا أن الدول  الكبرى تشتغل عندهم لا عند نفسها. وكم بدا المشهد المبكي هزلياً عندما تضافر كتّابنا على تعليم ايمانويل ماكرون، كيف يجب ان تكون سياساته الخارجية. وغالبا بالصيغة الاملائية. افعل لا تفعل. أليست فرنسا مربط خيلنا؟

لم نقرر بعد كيف نكون، لأن في الحقيقة ليس هناك بلد رائع مثل لبنان. ولا بلد مروع مثله، ولا بلد غير بلد، أو دولة غير دولة، مثله ايضاً. كل شيء يربط بيننا، وكل الاشياء تُفرّق. صيغة نبيلة وأسير سفيه. السجون لا تنشئ أمّة، ولا وحدة.

نحن البلد الوحيد الذي اعطى اسماً مهيناً لمستشفى الامراض العقلية. سمّيناه بفظاظة العصفورية. أي القفص المغلق على العصافير المتألمة. لكننا اصبحنا عصفورية مُكبَّرة. سجناء جغرافيا واحدة، وتواريخ متقاتلة ولئيمة. عجزنا عن العثور على لغة واحدة ودولة واحدة ووطن واحد. حالة تأهب دائمة للانقضاض. قفص جغرافي ينتحر ويقتل دائماً في الداخل: الحرب على الطائف، مجرد استبداد دموي آخر. رفضٌ فردي لسلام الجماعة. دعوة مفتوحة من اجل انهاء البلد بحجة اعادة إعماره. “اقوالنا افعال” هو شعار التيار الجديد. من أين يا إلهي تأتي هذه الأفكار المروعة التي لم يسبق اليها احد؟ الاصلاح والتغيير. اوروبا قالت بالإصلاح والتنوير.  افرنقعوا يا هؤلاء. ها نحن قادمون على اساطيل سلعاتا.

في السنة السادسة سوف يكون الانصراف الى الاصلاح. السنوات الخمس السابقة انصرف بلد برمّته الى حالة يومية اسمها جبران باسيل. رجل يصنع المعجزات. ومثل اصلاحات ستيوارت ميل، يعلّم اميركا وبريطانيا ادارة الاقتصاد. ولا يهتم كثيراً بالتنوير، لأن القيصر مشعشع 24/24. ليت مخترع الطاقة التركية واميرال فاطمة غول يتأمل لخمس دقائق مشهد دبي مع هبوط المساء: ألف ألف برج مضاء. وألف ألف خرزة زرقاء للرجال الذين يبنون فوق الرمل بيوتاً في السماء. أخطأ يوسف حبشي الاشقر في عنوان “لا تنبت جذور في السماء”. ينبت اي شيء حيث الأرض فطنة والسماء بركة.