الرئيسية / home slide / “أسمر” لعبد الحليم حمود: كلّنا ضحايا ولصوص يا عزيزي

“أسمر” لعبد الحليم حمود: كلّنا ضحايا ولصوص يا عزيزي

25-10-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

سليمان بختي

Bookmark
أضف للمفضلة
“أسمر”.

أن ت#كتب رواية يعني أن تعرف من أين يكرّ الكلام وتنهمر التفاصيل، وكيف تولد الحكايات من قلب حكاية كبرى هي الحياة. وكيف يستمر العرض ويدوم السرد وتضيع كل الروايات مجددا. مزّق الروائي الكولومبي غبريال غارثيا ماركيز 60 قصة ونثرها في أرجاء غرفته كي لا يستطيع جمعها. رواية “اسمر” لعبد الحليم حمود (دار زمكان 160 صفحة) تمزقت كثيرا قبل أن تلتئم، ورواها عبد الحليم حمود لنفسه كثيرا قبل ان يكتبها. ذكّرتني برواية “الخبز الحافي” لمحمد شكري ورواية “الرجل السابق” لمحمد أبي سمرا. وفيها شيء من مناخات كافكا. الأدب كله في النهاية هو التحول. هو الرحلة من المتن الى الهامش وبالعكس. كان لافوازييه يقول: “لا شيء يولد، لا شيء يموت، كل شيء يتحول”. رواية “#أسمر” هي رواية الذين يعرفون عنك أكثر مما تعرفه عن نفسك، عن تاريخك، عن هويتك، والكل يتواطأ لصالح النص الجريء المشبوب. هل يمكن ان يعرف او يتعرف المرء الى تاريخه وحقيقة أصله وفصله ويبقى في متن السرد أم يواجه القدر ويتمرد ويتغير؟ أعتقد ان في هذه الرواية البطل هو الكل، كلنا البطل نبحث عن تاريخنا وهويتنا وحقيقتنا بلا هوادة، ولا نجد ولا نقارب الأسباب. لنجيب محفوظ هذا القول: “لا تأخذ جرعة كبيرة من الثقة اترك مكانا للخيبة، واترك مكانا لاستيعابها أيضا”. كلنا ضحايا وكلنا من أهل الظلمة والظلام. ماذا نعرف عن ذكريات المكان الأول؟ وماذا نعرف عن المصادفة الأولى والمصادفة الأخيرة؟ ماذا نعرف عن الاسلاف الذين اورثونا حب التلال؟

أسمر، يحمل الصرة الثقيلة ويعبر فيها السنوات والايام. من لديه معلومة جديدة او قديمة فليضعها في هذه الصرة الثقيلة. تستعيد الذات هنا زمنا فارقا زمنا غادرا، او زمنا يحتاج لأن نملأه بزمن جديد كي يستقيم. والأدب هنا مثل الحياة مثل الإنسان يساعده على التحول بين ما هو وما يريد أن يكون. يقول اسمر: “ولدت على هامش علاقة، وكبرت على هامش الكتاب وهامش الصحن وهامش الرغبة”. صداقته مع الوقت، اساتذته من خيطان والوان. الحزن يبقى حزنا في لحظته وحين يرافقنا يسمى لعنة. ومن واجب الضحية ان يصرخ لا ان يكتب… المجنون أن يعيش جنونه لا ان يصفه. وان نقول ربما على طريقة الرحابنة “الما حدا اكبر من الملك”. استحصل اسمر على هويته من الأزقة والسطوح ومفكات البراغي وليس من الدوائر الرسمية كما هو حالكم. يمثل أسمر الهوية الملتبسة لكل منا، نعرفها ونسكت. نبلع الأخطاء والخطايا ونسكت. ونصبح ذلك المسكوت عنه في تاريخنا. لا أحد يريد للناس أن تعرف حقيقة تاريخها وهويتها ومسارها. لربما اذا عرفت، تتغير عندها الاشياء بقوة المعرفة. يتوقف البؤس الذي يطعن بالكرامة، ويتوقف التهافت على ضرورة العيش وصراع البقاء. وهذا اذا تمادى، يجعلنا لا انسانيين ومن اصحاب مهن القسوة وصحبة الظلال بحسب بسام حجار. كلنا في مكان ما أسمر، في علاقتنا مع مواطنينا وحقوقنا ومع المجتمع والمؤسسات والدول. كلنا لصوص يا عزيزي. كلنا لقطاء. كيف نخرج من عنق الزجاجة؟ من النكران الذي يلغي وجودنا وانسانيتنا.

قرأت في الرواية هذه العبارة: “فلتسقط كل الاعتبارات امام أمّ منشطرة على وليدها، وليذهب الشرف الى الجحيم”. ان تحب يعني ان تنوجد، يعني الخروج من الهامش الى المتن من الظلام الى الضوء. اسمر خرج الى الوجود من طريق الحب، وخرج من الظل الى الأصل من طريق المعرفة. هل هناك طريقة لبناء الإنسان وإستعادة انسانيته بدون الحب والمعرفة؟ هل هناك امل بالوجود البشري خارج هويته الإنسانية؟ يكتب عبد الحليم حمود كما يقول همنغواي “اكتب حتى تشعر ان الكلمات تخرج بمفردها كأن شخصا يمليها عليك”. الزمن في الرواية هو تخيل خالص، لذلك لم أر الإطار التاريخي بوضوح. لكنني رأيت الإنسان ينهض الى الحياة، الى المعرفة، الى الحب وكأنه في نشأة مستأنفة، وفي شوق لأن يستعيد دوره مضفورا بالكرامة وقيمة الإنسان واستحقاق للحياة.