أسبوعان حاسمان ماذا نفعل؟ التخلف غير المبرمج يسقط الحكومة في شهر

لا يزال لبنان الرسمي يتخبط بين الخيارات المطروحة حيال استحقاق سندات الاوروبوندز في آذار المقبل، بين السداد او عدمه وسط ضغط سياسي واقتصادي وشعبي بين مؤيد للتخلف عن السداد والذهاب الى جدولة او هيكلة لكل السندات، وبين من يصر على خيار الدفع حرصا على سمعة لبنان الدولية وعلى ميزانيات المصرف المركزي والمصارف والمودعين، على قاعدة ان التخلف غير المنظم سيحول السندات الى خردة غير قابلة للتعامل الدولي، وقد يؤدي الى الحجز على ممتلكات الدولة في الخارج. والانظار لدى اصحاب هذا الرأي تتجه الى اول طائرة لطيران الشرق الاوسط التي ستكون عرضة للحجز، وللبنان سابقة في هذا المجال.

يطرح الجدل الكبير القائم سياسيا واقتصاديا وماليا واعلاميا حتى حول هذا الموضوع تساؤلات مشوبة بالشكوك حول هذا الاهتمام المفاجئ باستحقاق آذار، بحيث بات المادة الدسمة اليومية للاعلام. فهل في الاثارة قطبة ما مخفية يجري توظيفها لاستغلالها في السياسة، خصوصا ان هذه المسألة كشفت كل الاوراق وافصحت عن كل النيات في شأن التوجهات الاقتصادية والمالية المطلوبة للمرحلة المقبلة.

ليس في الامر اي شك بأن الاستغلال السياسي لهذا الملف بلغ ذروته، حيث يوظفه كل فريق وفق اجندته الخاصة.

ثمة من بين المتضررين من قيام حكومة حسان دياب ونيلها الثقة من يريد ان يلبس هذه الحكومة تداعيات اعلان افلاس لبنان وتخلفه عن الايفاء بالتزاماته. تلقف رئيس الحكومة الجديد في السياسة الامر، وقالها صراحة بأنه ليس مستعدا حمل وزر هذا الامر في اول عهد حكومته.

هل الامر كان مطلوبا من دياب كشرط لمنحه لقب دولة الرئيس من فريق العهد الذي سماه على غرار الشرط الذي وُضع امامه في ملف الكهرباء، والقاضي بعدم المس بخطة الكهرباء والتزام تنفيذها كما وردت، او ان دياب فوجئ بمحاولات دفعه نحو خيار التخلف عن غير اقتناع منه؟

للعارفين في خفايا هذا الملف معطيات تشي بأن تيار العهد يدفع نحو قرار التخلف وطلب الدعم من صندوق النقد من اجل الانتهاء من النموذج الاقتصادي الذي ارساه الحريري الاب، والذهاب الى نموذج جديد يحمل البصمات البرتقالية.

في الشارع من بات مقتنعا بضرورة عدم السداد والذهاب الى برنامج او مساعدة من صندوق النقد الدولي لوقف هدر اموال المودعين، بعدما استنفدت في الهندسات المالية التي مولت عجز الدولة وجيوب المنتفعين.

ما بين الخيار العلمي والشعبوية، تقف الحكومة عاجزة عن حسم قرارها. ذهبت امس الى مزيد من التأجيل، مانحة نفسها مهلة حتى نهاية شباط الجاري، اي قبل اسبوع من موعد الدفع. فعلام تعول في تأجيلها هذا؟

مصادر وزارية مطلعة اكدت ان التأجيل لا يعني ان الملف لن يكون حاضرا بقوة على طاولة البحث. والحكومة التي طلبت عبر وزير المال التواصل مع صندوق النقد من اجل مساعدة تقنية، تنتظر وصول بعثة منه من اجل مساعدتها اولا على اتخاذ القرار وفق المعطيات المتوافرة عن وضع المالية العامة، وميزانية المصرف المركزي، ومن اجل تقديم الدعم التقني لها في حال قررت الذهاب الى خيار اعادة جدولة الدين.

وفي رأي هذه المصادر ان الحل الوحيد هو في الذهاب الى اعادة الجدولة، ولكن هذا يتطلب في رأيها ان تتقدم الحكومة ببرنامج ذي صدقية لدى الاوساط المالية العالمية لا سيما لدى حاملي السندات والمؤسسات الدولية والدول المانحة.وترى المصادر ضرورة تشكيل لجنة طوارئ اقتصادية لإعداد هذا البرنامج، تلحظ ضمن اعضائها ممثلين لرئاسة الحكومة ووزارتي المال والاقتصاد والمصرف المركزي بالتعاون مع البنك الدولي وبمساعدة تقنية من صندوق النقد.

اما في حال لم يجهز البرنامج قبل آذار المقبل، فمن الافضل بالنسبة الى هذه المصادر ان تذهب الحكومة نحو سداد استحقاق التاسع منه، وتبدأ التفاوض مع حاملي السندات لاصدار نيسان المقبل. ذلك ان اي قرار بالتخلف عن الدفع من دون برنامج سيؤدي الى سقوط الحكومة خلال شهر في الشارع، ودخول البلاد في ازمة سياسية ومالية واقتصادية خطيرة نتيجة تبعات عدم السداد المنظم. وايا يكن القرار بالدفع او عدمه، لا بد من فتح الحوار مع صندوق النقد، لأنه لا يمكن لأي مسؤول ومهما علا شأنه او كانت صدقيته، ان يتعامل مع الدائنين من دون ختم الثقة من الصندوق. والحال هذه في لبنان، تسأل المصادر كيف لنا ان نفاوض ونحن نفتقد الى الصدقية والشفافية. وتذكر المصادر بتجربة لبنان في 2002، عندما وضع الصندوق شرطا بخفض العملة، ورفضه لبنان وذهب الى رزمة اصلاحات توجها بارساء الضريبة على القيمة المضافة، ما وضعه في موقع تفاوضي جيد، ذهب فيه الى مؤتمر باريس2 وحصد الدعم الدولي.

وتنطلق المصادر في كلامها من أن المفاوضين أشداء، ورغم ذلك لم يدخل لبنان في برنامج مع الصندوق، بل اكتفى بمساعدته التقنية، وهو ملزم بتقديمها نظرا الى ان لبنان عضو فاعل في الصندوق ولم يتخلف عن سداد اشتراكاته السنوية. اما اليوم، وقد بتنا على مسافة اسبوعين من موعد الاستحقاق، ماذا نفعل؟

sabine.oueiss@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*