أسباب الكارثة وعناصر توسيعها

انقضت عشر سنين على تأكيدنا ان معالجة قضية الكهرباء والمياه لا بد ان تؤدي الى أزمة، وها هي الازمة المالية الاقتصادية تشل الاقتصاد اللبناني وتسودن توقعات الشباب في الوقت الذي حجبت المصارف أموال المودعين عن الاستعمال الحر سواء للسفر، أو الدراسة، أو العلاجات الصحية غير المتوافرة في لبنان.

معضلة الكهرباء كانت نتيجة سياسات غير مناسبة صنعها وصاغها وطبقّها وزراء اختارهم الوزير جبران باسيل، وهو أقر بهذه المسؤولية في تصريحين، أولهما منذ فترة حينما قال إن معالجة قضية الكهرباء بفاعليّة كانت لتوفر لو بدأ تنفيذها قبل عام 2015 أكثر من 10 مليارات دولار. وفي مقابلة تلفزيونية مع محطة أميركية منذ أسبوع في الدوحة، قال الوزير إن معالجة معضلة الكهرباء لها أولوية اذا كان للأمور ان تصطلح. والوزير منصور بطيش الذي هو اقتصادي ومصرفي أنجز دراسة موسعة عن مشكلة الكهرباء عام 2014، توقَّع بنهايتها وصول العجز الى 14 مليار دولار، خلص إلى ان عدم معالجة هذا التحدي سيؤدي الى أزمة مالية حادة.

خلال عشر سنين، توصلت الى اضجار الناس بهذا الموضوع، فكتبت 54 مقالاً مدى عقد من الزمن عن مشكلة الكهرباء التي تحولت الى معضلة، وأخيرًا وضعت كتابًا أسهم فيه عدد من الخبراء منهم الدكتور منير يحيى الذي بيّن بالأرقام نتائج اهمال تنفيذ برامج اصلاحية في مصلحة كهرباء لبنان.

البنك الدولي أبرز ضرورات اصلاح قطاع الكهرباء منذ عام 1996، وكذلك فعل الفرنسيون منذ عام 1998، وعام 2011 وضعت السيدة كاترينا حاصباني دراسة موسعة بمنحة من مؤسسة محمد الصفدي قدمتها الى مركز دراسات الديموقراطية والانماء وسيادة القانون في جامعة ستانفورد المشهورة. وعام 2012 أبدى الصندوق الكويتي بلسان رئيسه استعداده لإنجاز شبكة من معامل الانتاج مشبوكة بتمديدات فعالة لا تشكو من الاعتداءات، فرفض عرضه. ومن بعد عرض ممثّلو شركة “جنرال الكتريك” إنشاء معامل على الغاز ولم يلقَ عرضها اهتمامًا، ومثله عرض شركة “سيمنز” أوائل هذه السنة عندما زارت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، أهم زعيمة سياسية في أوروبا، بلدنا مع اربعين من رجال الأعمال، اثر انجاز الشركة خلال سنتين بناء معامل لانتاج 14000 ميغاوات في مصر، ولم يلقَ رئيس “سيمنز” فهمًا لعرضه لدى الوزير سيزار أبي خليل.

كارثة معالجة أوضاع الكهرباء منذ 2008 وحتى تاريخه أورثت لبنان استدانة وازت 33.9 مليار دولار، تضاف اليها كلفة فوائد بمعدل 6.5 في المئة سنويًا، فيكون مجموع الوقع 51 مليار دولار تشكل 53 إلى 54 في المئة من الدين العام. أصل المشكلة التي تحولت الى معضلة وزراء الطاقة منذ عام 2008 والذين رفضوا التقيد بنصائح الهيئات الدولية واصحاب الاختصاص ولم يتقبلوا إنشاء هيئة إشرافية مستقلة كان دعا إلى تأليفها الرئيس السنيورة عام 2005، وبعد تبلغه نتائج عمل لجنة قابلت 80 مرشحًا واجه صعوبات مقاطعة عدد من الوزراء عمل الحكومة الذي تابعه بالعدد الكافي للاستمرار.

بعد موضوع الكهرباء ووقعه على العجز المالي للدولة، بدأنا نشهد تأثيرات ترتيبات على التعامل المصرفي من صياغة جمعية مصارف لبنان بقيادة رئيسها سليم صفير، وشروط التقتير على المودعين في السحب من حساباتهم التي وضعت في المصارف أمانة، فباتت المعاملات والمبادلات أقل، وصارت التحويلات، إن توافرت بالدولار، تسدد بالعملة اللبنانية، هكذا دون تشريع يسمح بذلك، وتالياً فإنّ التحويلات ستتوقّف بنسبة 80 في المئة، وودائع المصارف التي كانت تضاهي 2.5 ضعفي الدخل القومي مرشحة للانحسار.

وكم نفتقد الدكتور جوزف طربيه الذي كان بالتأكيد استنبط حلولاً مختلفة عن تلك التي اعتمدتها جمعية المصارف والتي بدأتها بقرار إقفال المصارف أسبوعين أسهمت في تزايد قلق أصحاب الودائع التي هي ملكهم والتي لم يوفروا للمودع الصغير وامثاله حق استعمالها.

ان اقتراحات التصدي للازمة الماحقة التي نعيشها والتي ستؤدي اذا عايشناها سنة الى تحول نظامنا الاقتصادي الى نسق الاقتصاد السوري والى ضمور حجم الانتاج بنسبة 10-12 في المئة سنة 2020 والى ارتفاع عجز هذه السنة الذي قدر بـ7.3 في المئة الى ما فوق 12 في المئة بنهاية السنة التعيسة.

أفضل اقتراح من مصرفيين مقتدرين هو الآتي، وفي رأينا أنّه يسهم في تصويب مسار الاقتصاد اللبناني بدل الابهام السائد والمضر بسمعة المصارف محليّاً وإقليميّاً، ويستدعي اسناد الحكم الى الشرفاء واصحاب الكفاءة في ادارة المال العام والخاص:

– الودائع بالدولار كانت تساوي في المصارف اللبنانية 118 مليار دولار ويبدو انها نقصت نتيجة تحويلات سياسيين لبنانيين وأصحاب أعمال تستدعي توافر سيولة لأعمالهم لدى مؤسسات موثوق بها، بلغ 5-6 مليارات دولار، ولنقل 8 مليارات، فبقي110 مليارات. والحمد لله ان تحويلات السياسيّين ذات النسبة الاساسية من مجمل التحويلات صارت عرضة لدراسة البرلمان السويسري وتقديره.

في الإمكان ومن دون الانتقاص من حقوق المودعين، استصدار قرار من مصرف لبنان، لا من جمعية المصارف، بأن كل حساب يتجاوز 200 ألف دولار، تخصّص نسبة 10 في المئة منه للتحويل الى الليرة اللبنانية في حساب المودع، فيتأمن للبنان كبلد 8 مليارات دولار يمكن ان تغذي الحركة التجارية والاستثمارية دونما حاجة إلى الاقتراض. وربّما تأمنت أموال من العالم العربي الذي يرتاح الى تبني طريقة كالتي نقترحها عوض الممارسة الحالية التي يمكن في حال استمرارها أن تسهم في هدر أموال اللبنانيين سواء كانوا أثرياء أو من الطبقة المتوسطة أو البسيطة.

حان وقت العقل والضمير في بلد تناسيهما.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*