أزمتنا طويلة ومعالجتها دقيقة

عنصرا قوى أمن أمام أحد المصارف (أحمد عزاقير).

الأزمة المصرفية المتمثلة بشروط حصر سحب الدولار وحتى العملة اللبنانية في حدود ضيّقة ومنع التحويل الى الخارج قيود جديدة على لبنان والتعايش معها لن يكون سهلاً، وخلال أزمات الثمانينات وأوائل التسعينات حينما تدهور سعر صرف الليرة من 880 ل. ل. للدولار الى 2850 ل. ل. للدولار في أيلول 1992 لم تكن هنالك قيود توازي ما نشهده اليوم، وبالتالي لا بد من المصارحة الى أبعد الحدود.

ان عدم توافر حرية صرف الودائع الأجنبية الموازية لـ74 في المئة من مجمل الودائع، ومنع التحويلات أمران يؤثّران على الدورة الاقتصادية، فهنالك مؤسسات حيوية تحتاج إلى تحويل ودائع اجنبية لاستيراد مواد ضرورية للانتاج، كالمطابع مثلاً، وبعض المطاعم المتخصّصة، وبالتأكيد المستشفيات التي تعالج أمراضاً مستعصية، وحتى المعاشات لن يمكن تغطيتها كاملة. واستمرار إقفال المصارف ولو اسبوعين يعني انحسار الدخل القومي بنسبة 4 في المئة، الامر الذي يناقض كل توقعات ارقام موازنة 2020 التي تفترض عجز بنسبة أقل من واحد في المئة حيث النمو سيكون على مستوى 5 في المئة، ونستطيع ان نؤكد انه لا نمو هذه السنة بل تقلص بنسبة 3 في المئة وأكثر من ذلك السنة المقبلة اذا استمرت السياسات المالية والنقدية الحالية أيضاً على المستوى ذاته.

الصراحة المطلقة هي ان لبنان يعاني عجزاً متراكماً سواء لتغطية تكاليف انتاج الكهرباء واستيراد المازوت لمستوجبات طاقة المعامل والسفينتين، وهذه الحالة المصيبة مستمرة منذ عام 2008. واستناداً إلى دراسات الدكتور منير يحيى، بلغت حاجات تمويل تكاليف انتاج الكهرباء فقط ما بين 2010 و2019، 33.4 مليار دولار، تضاف اليها الفوائد بمعدل 6.5 في المئة سنويًا، لتزيد الكلفة عن 50 مليار دولار تفوق نسبة 56 في المئة من الدين المتراكم المعلن.

عام 2012 حينما كان جبران باسيل وزير للطاقة، بلغ عجز مصلحة كهرباء لبنان 2.2 ملياري دولار، كانت منها 650 مليون دولار كافية لانجاز محطة في دير عمار بطاقة 650 ميغاوات تضاف الى تطوير معامل الجية والزوق وزيادة طاقتهما 700 ميغاوات مقابل 700 مليون دولار. لو حققنا تلك الخطوات لكانت الكهرباء متوافرة وامكانات المعالجة متنوعة، وللتذكير فإن الاردن حاز 1000 ميغاوات من الطاقة الشمسية بالتعاون مع الصين.

ان عجز مؤسسة كهرباء لبنان الذي كان بالامكان تلافيه هو اليوم السبب الحقيقي للازمة النقدية والاقتصادية، ويضاف اليه عجز اضافي تمثل بانخفاض عائدات التخابر بسبب اتفاق أصر عليه وزير الاتصالات عام 2013 مع شركتي الخليوي وخفض 400 مليون ليرة لبنانية سنويًا من عائدات الدولة بسبب توظيف الوزير جحافل الحزب الذي ينتمي اليه. ان اهمالنا معالجة عجز الكهرباء ويعود إلى عام 2012 حينما أبدى الصندوق الكويتي استعداده لتمويل تنفيذ معامل الكهرباء المطلوبة لتغطية حاجات لبنان، فكان رد الوزير باسيل أن لا حاجة إلى تمويلكم فلدي 1.2 مليار دولار من اموال القطاع العام.

لا شك في ان الوزراء والنواب في تلك الفترة الذين تناسوا ضرورات التحقق من تنفيذ مشاريع الكهرباء هم مع الوزراء المعنيين مسؤولين عن تردي الاوضاع وزيادة الدين العام. رفيق الحريري حينما اغتيل بداية عام 2005 كان قد حمل لبنان ديوناً دولية ما بين 5-6 مليارات دولار، لكنه انجز معملين رئيسيين بطاقة 900 ميغاوات ومعملين ثانويين في بعلبك والنبطية بطاقة 160 ميغاوات، كما انجز ابنية الجامعة اللبنانية في الحدت، ومطار بيروت ومستشفى بيروت الحكومي.

هذا العهد أنجز جسرين ربما بطول كيلومتر لكل جسر في منطقة جل الديب، ولم ينجز أي مشروع لتحسين حركة السير، تشغيل مصفاتي طرابلس والزهراني، معالجة قضية النفايات، تشغيل معامل الانتاج الكهرومائي لليطاني ذات طاقة 190 ميغاوات واكتفى باستئجار سفينتين، وخلال فترة بسيطة سفينة ثالثة أكبر.

عهد 2016 – 2019 كل ما حمل لبنان أعباءه منذ بداية عام 2008 زيادة الدين العام وفوائده بما يساوي 50 مليار دولار، ولولا هذه النفقات الجرارة وغير النافعة لكان لبنان يتمتع باحتياط عملات اضافي لا يقل عن 50 مليار دولار، ولكان وضع المصارف، والأهم أصحاب الودائع، أفضل بكثير.

ان تجميد الودائع على الشكل الجاري وحصر قدرات المودعين في السحوبات ومنعهم عن التحويلات الى الخارج امور لا يمكن وصفها الا بالإجراءات المقصودة، تمهيدًا لسيطرة فئة أو حزب على مقدرات البلاد.

انتفاضة 17 تشرين الاول ليست فقط طلبًا لرزق الشباب والحفاظ على كرامتهم وتشجيعهم على تفادي الهجرة، انها انتفاضة اكتساب مشروعية الحكم من الحكام وتقبل المشروعية من المحكومين، وليس بين الحكام من يستحق التزام أهدافه سوى فئة قليلة من النواب تشمل قلة من الوزراء وربما نسبة 15 في المئة من النواب ولا تكفي هذه النسبة لانقاذ البلد مما هو فيه من ورطة تمنع مؤسساته من النشاط وتعجل في طلب اللبنانيين الذين اكتسبوا كفاءات في التسويق والترويج والانتاج الهجرة. اللبنانيون غير مقتنعين بالمعالجات المطروحة من أي طرف، وقد شاهدنا وقرأنا محاولات يائسة للخروج من مأزق تقييد العملات في الايداع والتحويل.

لا شك في ان لبنان لم يشهد مآزقاً كالذي نعيشه واستمراره لن يؤدي الى توسع فرص عمل الشباب، وبالتأكيد لن يسهم في استقطاب رؤوس الاموال بل على العكس، ذلك أن نسبة ملحوظة من اللبنانيين الميسورين والذين يستطيعون التكيف مع الحياة خارج لبنان بادروا الى محاولة تسييل موجوداتهم، والامر الذي لا يعرفه القيمون على الشأن العام، أو لا يهتمون به، هو ان اسعار العقارات المبنية وغير المبنية في بيروت تدنت خلال السنوات الثلاث المنصرمة بنسبة 30 في المئة، ومع تمادي وقع القيود الحالية لن يكون من المستغرب ان تتراجع القيم بنسبة 20 في المئة اخرى قبل صيف 2020، وحينئذٍ لن تكون ثروة لبنان كما تشير أرقام “الكريدي سويس” بمئات مليارات الدولارات وستشح اموال دفع المعاشات، واستيراد البضائع، ومنتجات التقنيات الحديثة، ويغرق لبنان في مستوى معارف أهل العهد الذين هم أبعد ما يكونون عن تلمس حاجات الشعب ومطالبه المحقة.

لبنان يعيش أزمة نقدية تقنية، نتيجة اهمال معالجة أزمة مالية واضحة بسبب فشل معالجة برامج الكهرباء، ولن نحظى بفجر جديد ما لم ينطو هذا العهد وتغب سياساته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*