أزمة دولار وجشع … فهل نودّع الاستقرار النقدي؟

تعبيرية (تصوير نبيل اسماعيل).

لم تخفت همة الجشع اللبناني مرة، وإن تكنى بـ”الشطارة”. لكن تعاظم شراهته اليوم تخطى كل الروادع الأخلاقية والأدبية وحتى التجارية، مسترسلا في استغلال الظرف، ومحتميا باهتزاز الدولة، وفقدان الحس بالمسؤولية، وهبوط الحد الادنى من الالتزام الاخلاقي والانساني عند السلطة وأجهزتها الرقابية كافة.

فإذا كان من غير المقبول (لكن المبرر)، أن يسعى مواطن محدود الدخل بالليرة، الى شراء بضعة دولارات خوفا على القليل الذي يدخره، فليس من الطبيعي أو الأخلاقي أن يطالب مالك محطة محروقات تقدر قيمتها بملايين الدولارات، وأرباحه الشهرية منها عشرات الألوف، أو طبيب يتعدى مدخوله اليومي الألف دولار، أو مطعم “مرموق” التصنيف، أو شركتان “وطنيتان” للهاتف الخليوي، هما وفق تواضع ثقافتنا مملوكتان للدولة اللبنانية، ليس مبررا لهم جميعا أو لغيرهم من قناصي الفرص وخريجي مدارس الجشع، أن يفرضوا خلافا للقانون على عملائهم ومرضاهم تسعيرة بالدولار الأميركي، دونما خجل، وباستغلال مكشوف لأزمة السيولة بالعملات الصعبة التي يعانيها القطاع المصرفي. الخطير في الامر أن هذه الممارسات الاستغلالية قد تشعل مجددا ثقافة الدولرة الشاملة في التعاطي الاقتصادي والتجاري اليومي بين اللبنانيين، علما أن البعض يجاهر بالدعوة الى اعتمادها كما حصل في أواخر الثمانينيات، يوم تكلفت الخزينة اللبنانية مليارات للخروج منها الى حد ما.

لا يخفي الخبير الاقتصادي كمال حمدان واقع أن هذه الازمة هي نتاج السياسات المتراكمة التي أوصلت البلاد الى حافة الانهيار، “فالعجوزات الداخلية والخارجية والنقص في تدفق الدولار من الخارج واستمرار حجم استيرادنا والإنفاق بالعملة الاجنبية سواء عبر ما نستورده أو من خلال سياحتنا في الخارج أو ما ندفعه للعمالة الاجنبية سيترب عجزا في حساب الدولار، لأن كمية العملة الاجنبية التي تتدفق الى لبنان من الخدمات وتحويلات ابنائنا والاستثمارات الاجنبية المباشرة والقروض لم تعد كافية لتمويل استيرادنا الذي يناهز الـ17 مليار دولار، اضافة الى استيرادنا للخدمات (السياحة، والعلم والاستشفاء في الخارج)”.

وإذ ذكر بأن “هذه الازمة شهدناها في آخر الثمانينيات يوم وصل سعر الدولار الى 3 آلاف ليرة”، قال: “هي ملامح أولية لحفلة المجون التي عبرت عنها السياسات العامة منذ 25 سنة حتى الآن في ظل نمط ريعي قام على الاستهلاك والاستيراد والفقاعات العقارية”، متخوفا من أنه “إذا فقدت السيطرة لا سمح الله فقد يطير احتياط الضمان لنحو 500 ألف لبناني (30% منه بالليرة اللبنانية)، او لا يعود في مقدورنا أن نستورد أدوية، أو يفقد اللبناني قيمة مداخيله بالليرة”.

هل من حل؟ الحل في رأي حمدان ليس متوافرا حاليا، وإن وجد فسيكون له كلفة كبيرة “كأن يعمد مصرف لبنان ووزارة المال الى ايجاد صيغة ما لتحمل مخاطر تذبذب سعر صرف الليرة بالنسبة الى الدولار، وخصوصا للعملاء الذين يشترون بضاعتهم بالدولار ويبيعون بالليرة”.

في المقابل، أعربت مصادر مصرفية متابعة لسوق القطع في بيروت عن اعتقادها أن هذه السوق دخلت مرحلة جديدة مختلفة عن المرحلة السابقة، مؤكدة ان “زمن ثبات سعر صرف الليرة اللبنانية على رقم معين بواسطة مصرف لبنان أصبح من الماضي لأن المصرف المركزي استنفد أقصى ما يستطيع من موجوداته ليحمي هذا السعر، ولم يعد يمكنه أن يذهب أبعد”.

وتابعت المصادر أن “شركات التصنيف الدولية أشارت بقلق إلى تراجع الموجودات بالعملات التي يسمّيها مصرف لبنان احتياطات، لأنها تنخفض مع تراجع التدفقات النقدية من الخارج وتراجع ودائع المصارف. وهذه الموجودات بالعملات تؤدي دورا أساسيا في النظامين المالي والنقدي في لبنان منذ ربع قرن على الأقل، إذ تستخدم لتسديد متوجبات الدولة بالعملات الأجنبية، ومنها ديون القطاع العام، والتدخل في سوق القطع لحماية ما عرف منذ زمن طويل بالاستقرار النقدي”.

وأضافت المصادر: “المقصود طبعا الموجودات النقدية التي تراجعت كثيرا في السنة الجارية وانخفضت أصلا من 34 مليار دولار نهاية سنة 2016 إلى 31 مليارا في تموز الماضي، رغم قيام مصرف لبنان بعمليات مالية لاستدراج العملات من الخارج، بكلفة عالية شكلت عبئا على المالية العامة والمصرف المركزي والاقتصاد اللبناني ككل”.

وتشير الى أن احتياط مصرف لبنان سلبي منذ سنوات عدة، والأموال التي يتصرف فيها هي ادخارات اللبنانيين بالعملات الأجنبية، لذلك قرر على ما يبدو وقف التفريط بما تبقى من ادخارات مودعة لديه وتقنين مبيعاته للدولار. إلا أن هذه السياسة الجديدة زادت بدورها الطلب على الدولار بسبب الذعر الجزئي الذي أثارته في الأسواق.

ولا تستبعد المصادر عينها أن يصر مصرف لبنان على السعر الذي ارتبط في ذاكرة اللبنانيين بالاستقرار النقدي، كسعر رسمي، ويمتنع في المقابل عن تلبية الطلب على العملات إلا بالحدود الدنيا، أي أنه يحدد سعرا ولا يتداوله. هذا يعني أن المتعاملين سوف يقيمون سوقا موازية تعكس حقيقة سعر الصرف وحقيقة العرض والطلب، ويبقى سعر مصرف لبنان نظريا لا أكثر، أي أن سوق القطع الحقيقية ستكون خارج مصرف لبنان”.

دولار تجاري؟

لم تقتصر المطالبة بتوفير سيولة الدولار على القطاع النفطي الذي نفذ إضرابا أمس في المناطق كافة، فانضم اليهم التجار، إذ طالب رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس باعتماد “دولار تجاري” أقله لتجار المحروقات والادوية والقمح والسلع الاساسية ليصار الى توسعة المروحة لاحقا الى بقية القطاعات. ولكن ماذا يعني “الدولار التجاري”؟ يشرح شماس الامر بأن يخصص مصرف لبنان كمية من الدولارات للتجار بسعر وسطي يقدر بـ 1507,50، مؤكدا انه استوحى هذه الفكرة من الدولار الجمركي الذي كان سائدا ابان الحرب. وهذا الاقتراح في رأيه “يعزز شأن التاجر الشرعي المسجل في الدوائر المالية، في مقابل الحد من المهربين”. وإذ قال: “لا نريد أن نشتري الدولار من تحت الطاولة”، حذر من عودة مشهد الطوابير أمام محطات البنزين والافران، ومن ارتفاع اسعار الادوية والسلع الاساسية.

“كلاس” تحتج على عدم احترام الليرة!

أمام هذا المشهد، كان لافتا توقف شركة “كلاس” لخدمات الاتصالات عن قبض فواتير الهاتف ودفعها لشركتي “الفا” و”تاتش”، والتوقف عن بيع بطاقات التعبئة احتجاجا على اصرار الشركتين على حصر التعامل معها بالدولار. وقال مدير المبيعات في الشركة موسى الزين لـ”النهار” إن لدى الشركة مشتريات شهرية بـ4 ملايين دولار، وهي غير قادرة على تأمين هذا المبلغ لشركتي الخليوي لا من المصارف ولا من الصيارفة، علما أن زبونا واحدا من أصل 100 يدفع بالدولار. وإذ انتقد “عدم احترام شركتي الخليوي للعملة اللبنانية”، أكد أنه في انتظار بلورة الاتصالات التي أجريت مع وزارة الاتصالات وحاكم مصرف لبنان ليبنى على الشيء مقتضاه.

salwa.baalbaki@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*