أزمة المحروقات القادمة: تعنّت السلطة أمام مواجهة الشارع

خلال اضراب محطات الوقود (تصوير نبيل اسماعيل).

بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على ثورة 17 تشرين الأول، ما زال اللبنانيون يعيشون هواجس الافلاس والخراب، حيث يشعرون بأن وطنهم يتسارع الخطى نحو الانهيار في ظل أزمات غير مسبوقة، تتفجر تباعاً في كافة مناحي الحياة وعلى مختلف الأصعدة، ومن أبرزها: أزمة المحروقات.

بدأت أزمة المحروقات الأولى في نهاية شهر آب 2019 مع بداية ارتفاع سعر صرف الدولار الاميركي في الاسواق اللبنانية الذي لامس آنذاك حدود 1580 ليرة، وقد تمثلت بإضرابات محطات الوقود وتهديدها بالاضراب المفتوح رفضاً لشراء المحروقات بالدولار والبيع بالليرة اللبنانية. الى أن اتفق بين الشركات الستوردة النفط وبين حكومة تصريف الأعمال الحالية، على أن يقوم المصرف المركزي بتغطية 85% من الاستيراد بالليرة اللبنانية مقابل تغطية المستوردين 15% المتبقية بالدولار، في حين كانت التغطية المطلوبة 100%.

ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية خلال شهر تشرين الثاني 2019، وما نتج منها من ارتفاع خطير في سعر صرف الدولار في السوق الموازي، والذي تجاوز حدود الـ 2000 ليرة، ظهرت أزمة المحروقات الثانية. ذلك أن القطاعات العاملة في القطاع النفطي، والتي تتقيّد بإلزامية التسعير وفقًا لجدول تركيب الأسعار الصادر أسبوعيًا عن وزارة الطاقة على اساس السعر الرسمي للدولار (أي 1515 ليرة)، ليس لديها أي هامش من حرية التسعير، وبالتالي لا يحق لها زيادة الاسعار لتغطية فارق ارتفاع الدولار.

أمام هذا الواقع العصيب، وعوضًا من تدخل وزارة الطاقة لحل الازمة بمنتهى الحكمة والشفافية، عبر إجراءات عملانية بسيطة، الا أنها ولأسباب سياسية شعبوية، أصرت على اقتطاع (Haircut) فارق صرف العملة، من الأرباح غير الصافية للقطاعات العاملة في المجال النفطي وهي:

– اقتطاع من محطات الوقود عن كل 20 ليتراً: مبلغ 475 ليرة من اصل 1900 ليرة (25%).

– اقتطاع من متعهدي النقل عن كل 20 ليتراً: مبلغ 40 ليرة من أصل 360ليرة (11%).

– اقتطاع من شركات التوزيع عن كل 20 ليتراً: مبلغ 100 ليرة من اصل 300ليرة (33%).

– تحميل المتبقي من فارق صرف العملة للشركات المستوردة للنفط بمعدل حوالى 25%.

وعلى الرغم من الاحتجاجات والاعتراضات من القطاعات أعلاه على هذا القرار، فإن وزارة الطاقة لم تبدِ أي اكتراث بتداعيات الأمر، بل على العكس، فقد أطلقت وزيرة الطاقة في حكومة تصريف الاعمال ندى البستاني مناقصة لاستيراد البنزين والتي فازت فيها شركة ZR .ENERGY. ومن ثم أكّدت البستاني بيع المحروقات المستوردة بالليرة اللبنانية، موهمة للرأي العام بأن هذا القرار سيكون الخلاص في معالجة أزمة المحروقات المستجدة، إضافة الى تخفيض كلفة الفاتورة النفطية على المستهليكن.

وعلى ما يبدو، فإن أزمة المحروقات لم تنته فصولها بعد، فما إن هدأت الجولة الثانية منذ حوالى الشهر، حتى عادت لتشتعل مجدداً. إنها أزمة تسعير الدولار مجدداً، والتي ستتخذ منحى التصعيد اعتباراً من يوم الاثنين المقبل، إذا لم يعمل الأطراف المعنيون على حلها. الأمر الذي سيحتم على المواطنين بنتيجتها، أن يتهافتوا للاصطفاف على محطات المحروقات من اجل تأمين ابسط مقومات العيش.

لقد عادت قضية أزمة المحروقات مجدداً، لتتصدر واجهة الأحداث في لبنان، ولكن هذه المرة من بوابة تخلي الدولة عن واجباتها تجاه مواطنيها، وتقاذف المسؤوليات بين أركان السلطة، حيث اتخذت القرارات التالية:

1 – وافقت وزارة الطاقة على طلب منشآت النفط في طرابلس والزهراني على بيع المحروقات مقابل 15% منها بعملة الدولار الاميركي(بحسب سعر السوق السوداء) و85% بعملة الليرة اللبنانية. وهو ما يتناقض مع وعود الوزارة بـتأكيدها على بيع المحروقات المستوردة بالليرة اللبنانية حصرًا.

2 – ادعت منشآت النفط في طرابلس والزهراني بأن قرار البييع أعلاه، جاء نتيجة لاصرار المصرف المركزي على فتح اعتمادات المنشآت بواقع 15% من قيمتها بالدولار الاميركي، علمًا أن مصرف لبنان لم يتعهد بتحمل كامل تكلفة الاعتمادات المفتوحة من وزارة الطاقة بعملة الدولار، انما فقط 85% من قيمتها أسوة بباقي الشركات. حيث أن مصرف لبنان لو كان قادرًا على تحمل كامل تكلفة الاعتمادات المفتوحة للشركات المستوردة في حينها، لما ظهرت أصلًا أي أزمة محروقات سابقة!!

3 – أعلنت وزارة الطاقة عن إلغاء قرار الاقتطاع (Haircut) لفارق صرف العملة من الأرباح غير الصافية للقطاعات العاملة في المجال النفطي، وأعادت العمل بتركيبة جدول الاسعار الاسبوعي السابق قبل التعديل، مما يشير الى عدم صوابية قرار الاقتطاع منذ البداية.

4- وأخيرًا، فإن تنفيذ هذه القرارات دون اتخاذ أي اجراءات مسؤولة من السلطة، سيؤدي حتمًا الى انتفاضة شعبية كارثية، لا تقل خطورة عن تداعيات فرض الرسوم الاضافية على “الواتس أب”. ذلك أن بيع المحروقات بهذه الآلية (وتحديدًا الديزل)، سيجعل من كلفة البضاعة على القطاعات العاملة في القطاع النفطي، أعلى بكثير من سعر المبيع الرسمي المحدد في جدول تركيب اسعار المحروقات الصادر عن وزارة الطاقة، وبالتالي سنكون أمام احد الشرّين:

– اما البيع فوق السعر الرسمي، وما يرافقه من تداعيات قانونية واقتصادية.

– واما الامتناع عن بيع الديزل، وما يرافقه من تداعيات كارثية على المواطن اللبناني، سواء لجهة انعدام التدفئة المنزلية أو تعطل قطاع المواصلات.

وقد يكمن أحد الحلول لهذه الكارثة الاجتماعية في اعادة تنظيم جدول تركيب الاسعار الصادر اسبوعياً عن وزارة الطاقة والمياه، والذي يتكون من مجموع قيم ثابتة ومتغيرة. فالقيم الثابتة هي عبارة عن رسوم الجمارك، وحصة شركة التوزيع، وحصة متعهدي النقل، وعمولة مراكز التوزيع، وأخيراً الضريبة على القيمة المضافة، أما القيمة المتغيرة فهي ثمن البضاعة الذي تحدده الوزارة بناء على متوسط 20 نشرة أي لأربعة اسابيع للأسعار العالمية Platt’S. وبحيث أن ثمن البضاعة العالمية يحدد بعملة الدولار الاميركي، فيمكن لوزارة الطاقة -وبكل بساطة- أن تضيف فارق تكلفة الشراء( فقط في ما يتعلق بـ 15% من قيمة البضاعة المشار اليها اعلاه، والتي لا يتحملها المصرف المركزي) والناتجة من الفرق بين السعر الموازي للدولار (حوالى 2200) وبين السعر الرسمي (1515) .

وعلى الرغم من أن هذا الحل، سيؤدي الى زيادة على سعر البيع النهائي للمستهلك تراوح بين 1200 – 1500 ليرة ، الا أنه يبقى الأقل خطورة، والأفضل اقتصاديًا، لأنها ستمنع التلاعب والاستغلال في تأمين ابسط مقومات العيش لدى المواطن. كما أن هذه الزيادة البسيطة لن تثقل كاهله ولن يشعر بها، ولا سيما أن التقلبات في الاسعار العالمية للنفط خلال العام الواحد، ينتج منها تقلبات في سعر البيع النهائي للمستهلك أكبر بكثير من هذه الزيادة.

من هنا، فإننا ندعو الى أن تسود الحكمة وروح المسؤولية التي ينبغي أن يتحلى بها رجال الدولة، وأن نبتعد عن الخلافات والكيدية السياسية بين اركان السلطة، وأن نرفع شعار الوطنية فوق شعار المصالح الضيقة، عسى أن يصبح الأمن والاستقرار حقيقة واقعة في وطننا “لبنان”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*