الرئيسية / home slide / أزمة القرارات الخاطئة

أزمة القرارات الخاطئة

لبنان يمر في أزمة تهدد مستقبله كبلد يعتمد منهجية الاقتصاد الحر. فالقرارات التي اتخذت حديثاً مثل تكليف شركة تختص بإعادة تفعيل المؤسسات الاقتصادية يرأسها من كان رئيساً لاحدى الشركات الخمس الكبرى في الولايات المتحدة للمحاسبة وإعادة هيكلة الشركات، وقد تسببت قيادته في انطفاء أعمال وسمعة شركته وفي إفلاس شركة ENRON للنشاطات النفطية. وكانت هذه الشركة تعتز بتصنيفات الشركة التي كان يرأسها الرجل الذي قرّر مجلس الوزراء التعاقد معه.

لقد أصر رئيس الجمهورية على تكليف الشركة المعنية لإجراء دراسات معمقة لحسابات مصرف لبنان والتي تنجزها شركتان للأعمال المحاسبية من أفضل الشركات العالمية وبالتأكيد أفضل من تاريخ الشركة المستحدثة لسبب من الأسباب.

لو أراد رئيس الجمهورية التيقن من أسباب الأزمة المستحكمة بلبنان لكان إختار شركة KROLL الاختصاصية بتفحص جذور الثروات المتكدسة لرجال السياسة والتي لها تاريخ طويل، ولو أراد الرئيس فعلاً التعمق في أسباب الإنهيار الحالي لكان طلب التحقق من موجودات الوزراء جبران باسيل، وسيزار ابي خليل، والسيدة بستاني وحتى الوزير الحالي المتعاقد معه منذ عام 2007.

إضافةً إلى الوزراء، يجب التحقق من موجودات رئيس لجنة المال والموازنة النيابية ابراهيم كنعان الذي أعلن يوم الإثنين المنصرم أنه يفتخر بدوره التحقيقي في أرقام الموازنة وهو كان يردد منذ عام 2012 أن العجز سينخفض، ونشر كتاباً بعنوان “الإبراء المستحيل” قصد منه تبيان تبخر 11 مليار دولار في عهد حكومات الرئيس السنيورة بعد وفاة الرئيس الحريري بإغتياله واغتيال آمال اللبنانيين منتصف شهر شباط من عام 2005.

وكعادة ممثلي “التيار الوطني الحر” حينما يقررون التعدي على سمعة المسؤولين، دون تقبل محاسبتهم بالذات، أعيد نشر الكتاب المشار إليه خلال هذه السنة، لكنه سحب من المكتبات بعد تصريح المدير العام لوزارة المال، المستقيل حديثاً، بأنه أجرى جردة كاملة لحسابات ثلاث سنوات ولم يجد أن هناك تصرفاً عشوائياً من فؤاد السنيورة، وإذا بذكرى تأكيد رئيس لجنة المال والموازنة أن العجز سينخفض في 2018، 500 مليون دولار، يترجم بأنه مع لجنته وافق على زيادة العجز 1500 مليون دولار، أي أن تمحيصه للأرقام لم يكشف تمادي الإنفاق ملياري دولار.

النتيجة المأسوية لتمادي العجز وتعدد الهيئات التابعة للدولة هي أن الإدارات العامة بمختلف جوانبها أصبحت تشكل 60% من الدخل القومي، في حين انها كانت تشكل 30% أيام الإزدهار والحق.

فخامة الرئيس ميشال عون، حينما انتخبت رئيساً للجمهورية كانت الصورة عنك أنك أبٌ لكل اللبنانيين دون تفريق، وإنك مع احقاق ألحق، وأنك ستحافظ على الثروة اللبنانية، سواء منها الموجودات الخارجية أو الثروات الطبيعية، وكان لك تعلق بموضوع الثروة النفطية، وقد ابلغت اللبنانيين أن لبنان أصبح بلداً نفطياً ليلة رأس هذه السنة. ولا نزال في إنتظار فتح مجال التنقيب في دورة ثانية لم يحدد تاريخها لأن رغبة الشركات العالمية تراجعت.

لقد توليت الرئاسة وقت تضخّم دور الدولة ومؤسساتها الإنتاجية، فبات يشمل طيران الشرق الأوسط والنسبة المتحكمة بتصويت الجمعية العمومية لشركة انترا، ومصلحة كهرباء لبنان، وعائدات مطار بيروت الدولي، ونتائج عمل مؤسسة حصر التبغ والتنباك، التي تدار بشكل رائع، والمصلحة الموقتة لإدارة مرفأ بيروت المتمتعة بتنظيم عصري، وإستخدام الحواسيب الالكترونية لإنجاز الأعمال الدقيقة. وتضاف الى كل ذلك شركتا الهاتف الخليوي، وكان يفترض لولا تفريط وزيركم نقولا صحناوي بموارد الشركتين من طريق زيادة غير لأزمة للموظفين، تحقيق مردود يفوق ما هو متحصل بمئات ملايين الدولارات. ولا نتطرق إلى الأملاك العقارية، والتي أنجز فقط حتى تاريخه وبمبادرة من الرئيس السنيورة تحديد مساحات نصفها في لبنان.

بعد كل ذلك، توجه الاتهام إلى مصرف لبنان وأنت تعلم ووزيرك المفضل يعلم أن الهدر المتحصل منذ العام 2010 وحتى العام 2019، وكلها أعوام تولّت فيها قيادة “التيار الوطني الحر” إختيار وزراء الطاقة، فماذا تحصل؟ عجز مالي كان يغيب عن أرقام الموازنة بلغ 43.9 مليار دولار، ولو خصص ربع ذلك المبلغ لإنجاز محطة حديثة لإنتاج الكهرباء وتوزيعها لكان لنا 4000-5000 ميغاوات بدل الـ1200 التي تعمل حاليا وتفرض علينا استئجار بواخر للإنتاج تذهب تكاليفها من غير أن تكون لنا منها فائدة، ما لم تقترح، وإقتراح كهذا غير مستغرب من وزارة الطاقة، شراء البواخر، والحمد لله إن هذا الاقتراح يستوجب موافقة المجلس.

عند إضافة الفوائد المستحقة على مقترضات مصلحة كهرباء لبنان من الخزينة، يصبح واقع خسائر الكهرباء على مستوى 65 مليار دولار، أي ما يزيد على 68% من الدين العام، وإذا احتسبنا خسارة الإنتاج الوطني من مشكلة الكهرباء تقدر الخسارة بما بين 2 و3% من الداخل القومي منذ 2012 وحتى تاريخه، وعلى إفتراض أن معدل الدخل القومي خلال هذه الفترة كان 55 مليار دولار سنوياً (علماً بأن البنك الدولي كان يحتسب نسبة الإقتصاد الأسود بـ30% من الدخل القومي) تكون الخسارة على صعيد الدخل القومي موازية لـ18-20% أي 44 مليار دولار على الأقل، تضاف إلى 65 مليار دولار، فتصبح فاتورة سوء ادارة “التيار الوطني الحر” للكهرباء ولا نحتسب الاتصالات 100 مليار دولار اغرقت لبنان في الافلاس وافقدتنا القدرة على تأمين الإحتياط اللازم للمحافظة على ودائع اللبنانيين.

بعد كل هذا يصر وزير الطاقة على تعديل مشروع نظام إنشاء الهيئة الناظمة بحيث تصبح خاضعة له لا مشيرة عليه… وإذا حدث هذا، فخامة الرئيس، يكون العهد قد إنتهى بعد أربع سنوات ويبقى لبنان عاجزاً لسنوات عدة.