الرئيسية / home slide / أزمة الرهان على انتصارات إقليمية

أزمة الرهان على انتصارات إقليمية

20-11-2021 | 00:25 المصدر: “النهار”

روزانا بومنصف

جماهير “حزب الله” في إحدى المناسبات (نبيل اسماعيل).

انتهى #لبنان كما يعرفه أهله أو أنهاه أهل السلطة الحالية في ظلّ أكبر عملية إلهاء وإشغال للبنانيين بمحاولة تأمين فتات العيش لهم فيما يعنيه أهل السلطة من سياسيين، نوّاباً ووزراء وزعماء ومصارف ورجال مال وشركات مافيوية في مختلف المجالات، أكانت المولدات أم الدواء أم المحروقات أم سواها. فالتقارير الدولية كانت تمعن قبل أشهر معدودة من انطلاق انتفاضة ١٧ تشرين الأول 2019 في تصنيف لبنان سلباً محذرة من الانهيار. وحين يعلن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أن سياسة الدعم السابقة التي اعتمدتها حكومة دياب والتي أدّت الى هدر ١٥ مليار دولار حسب الخبراء، لا يعود التساؤل عمّا إن كان دفع البلد الى الانتهاء لا الى الانهيار فحسب مطلوباً، وليس فقط نتيجة عدم كفاءة المسؤولين الذين شغلوا المواقع الأولى في الدولة. فحتى الآن يثار تساؤل في عدد من الأوساط السياسية هل ثمّة أهداف من إنهاء لبنان ولمصلحة من، أو هل القيّمون عليه هم من الاشخاص الفاشلين من أصحاب المصالح الخاصة والشخصية فحسب. وهذا التوصيف لا يخفف من المسؤولية التي يُفترض أن يتحمّلها هؤلاء ولكنهم يملكون على الاقل من الحنكة السياسية لإغراق البلد وإنهائه في مقابل محاولة البقاء عائمين، إذ إن الكثير من الخطوات والمشكلات التي أدّت الى المزيد من الانهيار كان يمكن تفاديها لكن أهل السلطة والمال أمعنوا فيها مصرّين ومبرّرين اعتمادها على غرار القرارات التي اتخذتها المصارف مواكبةً الانتفاضة وأدّت الى إفقاد الثقة بالقطاع المصرفي وصدقيته فيما أذلوا الناس ولا يزالون من أجل الحصول على فتات من أموالهم المستحقة. وهذا جانب مهم من الإصرار الخارجي على معالجة موضوع القطاع المصرفي والإصلاح المالي الذي يشكل مدخلاً لا ينفصل عن الإصلاح السياسي الذي لا يقلّ خطورة والذي يعتقد أن الانتخابات المقبلة هي بوابته.

ولكن الامور ليست بهذه البساطة، ولا يعتقد خبراء سياسيون وماليون أن أيّ تطوّر إيجابي سيكون محتملاً خلال سنة على الاقل من الآن في انتظار تغيير جوهري نيابي ورئاسي على حدّ سواء، نظراً لما تعنيه الرهانات على ذلك.

يلفت ديبلوماسيون مثلاً الى نقطة بالغة الأهمية تتصل باعتبار الدول الخليجية لبنان مسيطراً عليه من إيران، وأن لبنان الرسمي يذهب بجريرة ما يمارسه الحزب إذ إنه إذا وقعت حرب مع إسرائيل التي سبق أن قال مسؤولوها إن أيّ اعتداء من الحزب سيدفع ثمنه لبنان كله، فإنه بات لذلك صدى قد لا يكون مرفوضاً في الخارج تبعاً لما بات عليه لبنان. ويبدي هؤلاء الديبلوماسيون أسفهم لعدم تقدير أهل السلطة المفاعيل الابعد لهذا التصنيف للبنان، ولاحقاً للبنانيين في الخارج، على رغم التمايز الذي لا تزال تجريه الدول الغربية راهناً، وتالياً عدم المسارعة الى معالجتها أو إظهار العجز عن ذلك، وهو الاخطر. فمن بين الخلاصات ايضاً أن وزيراً واحداً بات يعطل قدرة الحكومة على المعالجة ويتسبب بأزمة ديبلوماسية غير مسبوقة على نحو يظهر كذلك تطوير قدرة التعطيل من الثلث المعطل الوزاري الى الوزير الواحد.

يضاف الى ذلك وجود اقتناع متزايد بأن الرهان مستمرّ على انتصارات أو مكاسب في المنطقة للمحور الإيراني انطلاقاً أو بدءاً من اليمن الذي يراقب البعض إعادة الانتشار التي نفذتها قوات التحالف فيه، والتي يفسّرها هؤلاء على أنها انسحاب لدول التحالف وترك الساحة اليمنية للحوثيين ولا سيّما على الساحل المشرف على السيطرة على باب المندب. لا بل إن القطيعة الديبلوماسية السعودية مع لبنان يفسّرها البعض من الدائرين في فلك المحور “الممانع” على أنها انسحاب أمام انتصار “#حزب الله” وسيطرته على لبنان وقراره، وأن الانسحاب الديبلوماسي والعملاني يعني إقراراً بهذه الخسارة للبنان في المحور العربي. وثمّة استهزاء بمعارضة الولايات المتحدة العلنية للانفتاح العربي على النظام السوري في ظلّ اقتناع بأن واشنطن أعطت الضوء الاخضر ضمناً لهذا الانفتاح، وهي تشترط بعض المطالب من أجل تحقيقها من النظام السوري ما يشكّل انتصاراً مدوّياً للنظام ومن دعمه أي إيران وروسيا خاصّةً. فالمهم بالنسبة الى هؤلاء هو بقاء بشار الاسد بالدعم الايراني الذي لا يستطيع الفكاك منه على رغم كل الكلام في هذا الاطار، فيما يتم تجاهل الشروط التي ستؤدّي الى إعادة الاسد الى الشرعية الدولية باعتبار أنها خطوة لاحقة تحتاج إلى المزيد من الوقت، لكن تغيّر الحكم في الديموقراطيات في العالم يتيح انتظار حلول الوقت الملائم. وفيما يراقب هؤلاء العراق ونتائج الانتخابات التي شكلت نكسة لإيران، فإن دفع الوضع العراقي الى ما يشبه الوضع اللبناني من زاوية استراتيجية التعطيل المعتمدة كفيل بتدجين كل القوى السياسية الى جانب الاغتيالات التي يمكن أن تُعتمد ايضاً، كما اعتمدت في لبنان وكما استُهلت بمحاولة اغتيال رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي. فهذه معركة تخاض على جبهات متعدّدة، ولن تتهاون إيران في الدفاع عن مواقع نفوذها ما دامت الأثمان تدفعها الدول التي تخوض على ساحاتها المعارك الاقليمية وحتى الدولية.

لكن الانطباع بأن انتصارات إقليمية تتحقق في مقابل انهزام أخرى، يجد طريقه في السعي الى الترجمة في بيروت على نحو يكبر الرهانات على تثبيت الخلل في التوازن السياسي القائم راهناً فيما لا اتجاهات عربية أو إقليمية تدحضه أو تساعد في دحضه، ما يعمّق الأزمة في لبنان ويمدّها حتى لو أن تفاصيلها هي على غرار المثل “دود الخلّ منه وفيه” أي إن الأزمة من المسؤولين عن لبنان وعدم كفاياتهم، كما من ارتهانهم أو رهاناتهم كذلك.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb