الرئيسية / مقالات / أزمة أكبر من سابقتها… أي أجندة؟

أزمة أكبر من سابقتها… أي أجندة؟

الانتقاد الاساسي الذي ساقته اوساط سياسية عدة على موقف وزير الخارجية جبران باسيل في الجامعة العربية مطالبا “باعادة احتضان سوريا ” ليس انه من خارج السياسة التوافقية على طاولة مجلس الوزراء وانه يتحدث باسم لبنان الرسمي من موقعه الفئوي المحوري ولا يوافقه افرقاء لبنانيون كثر على ذلك فحسب بل ان هذا الموقف مدعاة للتساؤل حول الاجندة السياسية التي تحركه. والاسباب التي تجعل هذه الانتقادات في محلها تندرج وفق الآتي:

فيما الجهود تنصب راهنا على محاولة ايجاد اخراج مقبول لسحب مناقشة الرسالة التي وجهها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى مجلس النواب عبر رئيسه الرئيس نبيه بري والتي ارجئت تلاوتها ومناقشتها الى 27 تشرين الثاني بدلا من 17 الحالي وذلك بهدف تجنب ازمة سياسية يمكن ان تفتح على الغارب حول تفسير الدستور او تعديله في الوقت الذي يحتاج لبنان الى الحد الاقصى من التوافق المبدئي لعبور الازمة الاقتصادية والمالية المنذرة بالخطر الشديد، يفتح رئيس التيار العوني باب ازمة ليست اقل من ازمة المادة 95 من الدستور وذلك حول موضوع العلاقات مع سوريا ورغبته المعلنة في الانفتاح عليها انما باسم لبنان وليس من موقعه الحزبي او حتى الرسمي وحده من دون غطاء من الحكومة. وفر باسيل متابعة لما لوح به رئيس الجمهورية امام الجمعية العمومية في الامم المتحدة من اتجاه وتبريرات لفتح علاقات معلنة مع النظام السوري تحت ذريعة اعادة النازحين السوريين. وهو امر ترى الاوساط السياسية كما اوساط ديبلوماسية معها ان لا امل باعادة النظام للنازحين لانه لن يبيع هذه الورقة للبنان في نهاية الامر. وقد اهتمت هذه الاوساط بالدعوة التي كان وجهها الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله الى النازحين السوريين من بلدة القصير للعودة اليها فيما ضمنها المبررات لرفض هؤلاء العودة بضمان الحزب والنظام او تحت سلطتهم، ولاحظ الجميع انه لم يعلن عن اي عودة في هذا الاتجاه. وحين توجه العماد عون وكان رئيسا للتيار العوني قبل اعوام زائرا النظام بتبريرات من بينها السعي الى اعادة المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، فان الزيارة كما الزيارات المتتالية لدمشق لم تؤد الى معرفة مصير اي سجين لبناني لديها. ويدرك الجميع بمن فيهم المحيطون برئيس الجمهورية ان هذه الذرائع للانفتاح على النظام بذريعة العمل على اعادتهم يدغدغ مشاعر المسيحيين المناصرين لهم لكن الجميع يدركون ان هذه الورقة لا تجد من يشتريها لدى غالبية اللبنانيين او في الخارج. واذا كان الوضع الراهن لا يتحمل ازمة سياسية تحت عنوان مناقشة المادة 95 فهل يتحمل ازمة مفتوحة تحت عنوان الانفتاح على النظام السوري؟ وكيف يمكن ان يخدم ذلك الوضع الاقتصادي اللبناني ام هو لانقاذ الاقتصاد السوري وتعويضه اقفال استنزاف الوضع المالي في لبنان واتخاذ اجراءات تضع مصلحة لبنان اولا؟؟

الى ذلك وفيما يتحدث فريق رئيس الجمهورية عن حصار اقتصادي يتعرض له لبنان وفق ما نقل عن الرئيس عون قوله قبل ايام، فان هذا الحصار بالمعايير السياسية التي يتم الحديث عنها مرتبط في شكل اساسي بعدم احترام لبنان سياسة النأي بالنفس وبسيطرة “حزب الله” على القرار اللبناني. وقد اثار حفيظة الاوساط السياسية اعلان باسيل من نيويورك ان الوزارة وتحت ذريعة اعتماد سياسة النأي بالنفس رفضت ادانة الاعتداء على منشآت ارامكو في السعودية ولكنه سارع الى ادانة الاجتياح التركي على رغم صحة الموقف الاخير ربما وعدم صحة الموقف السابق. ورئيس الحكومة سعد الحريري تحدث في حديث صحافي في الامارات الاسبوع الماضي عن ان “حزب الله” وحده ينهج خارج الحكومة وينبغي محاسبته على هذا الاساس وليس كل لبنان الذي يؤمن بسياسة النأي بالنفس لكن لم يلبث ان دحض باسيل موقف رئيس حكومته وعمد الى موقف مختلف تماما على غرار الموقف المختلف من ادانة الحريري الاعتداء على منشآت ارامكو. والبيان الذي اصدره الحريري على اثر الموقف الذي اعتمده باسيل في الجامعة العربية يظهر ان ثلثي حكومته خارج الاجماع الحكومي اي “حزب الله” والتيار العوني مع حلفائهم. وهذه مشكلة جوهرية للحريري لكنها مشكلة اكبر للبنان على خلفية تغريد كل فريق في السياسة الخارجية وعلى نحو خطير وفق اهدافه ومصالحه وليس وفق مصلحة لبنان وبتوافق جميع افرقائه. هناك مؤشرات اخرى تدل على تفكك الحكومة نتيجة عدم التوافق على اجراءات تنقذ لبنان من الانهيار بدليل مواقف افرقاء كثر فيما ان اعلاها صوتا هو موقف “القوات اللبنانية”. ولذلك يسأل البعض اذا كانت افتعال ازمة سياسية هي للتغطية على انهيار محدق يتم تغطية الفشل بمعالجته الى الاختلافات السياسية. فحين ينقل عن رئيس الجمهورية ان التظاهرات التي حصلت في بيروت بعيد وصوله من نيويورك تتصل بالموقف الذي اعلنه هناك حول تلويحه بالانفتاح على النظام وليس باوضاع حياتية خانقة، فان متابعة الموقف نفسه لا تبدو مفهومة الا في سياق وجود روزنامات خاصة ومصالح سياسية معينة يخشى على ضوئها من تفاقم الوضع اكثر وفشل امكان الانقاذ.

ثالثا انه اذا كان الحكم يرغب في انفتاح علني على النظام فانه لا يعبر عن ارادة جميع اللبنانيين وستنشأ معارضة قوية لذلك ولن يكون قادرا كطرف مسيحي على تغطيته نظرا لكلفته المرتفعة. واذا كان يبرر نفسه امام النظام بان الانفتاح العلني صعب نتيجة المعارضة المذكورة فانه سينال ما يريد. لكن المقاربة ككل تزيد من انعدام الثقة لان ليس الاداء الاقتصادي هو ما يحتاجه اللبنانيون كما الخارج بل الاداء السياسي. وهذا الاخير كارثي.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

اضف رد