صبحي حديدي
Jan 29, 2018
القدس العربي

بمبادرة كريمة من الصديق الروائي والمترجم المصري محمود حسني، وحماس مماثل من الصديق الشاعر المصري جرجس شكري؛ صدرت مؤخرا، في القاهرة، عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ــ سلسلة روائع الأدب العربي، طبعة ثانية من رواية سليم بركات «أرواح هندسية»؛ وكانت الطبعة الأولى قد صدرت في بيروت، سنة 1987، عن دار الكلمة للنشر.
يومذاك، كان بركات قد أصدر أربعة أعمال خارج نطاق الشعر: يوميات «كنيسة المحارب»، 1976؛ و«الجندب الحديدي»، سيرة الطفولة، 1980؛ و«هاته عاليا؛ هات النفير على آخره»، سيرة الصبا، 1982؛ ورواية «فقهاء الظلام»، 1985. في الشعر، كان قد نشر ستة مجموعات، أوّلها «كلّ داخل سيهتف لأجلي، وكلّ خارج أيضا»، 1973؛ التي ضمّت قصيدته الفاتنة الرائدة «دينوكا بريفا، تعالي إلى طعنة هادئة»، في مستهلها الصاعق والأخاذ: «عندما تنحدر قطعان الذئاب من الشمال وهي تجرّ مؤخراتها فوق الثلج وتعوي فتشتعل الحظائر المقفلة، وحناجر الكلاب، أسمع حشرجة دينوكا. في حقول البطيخ الأحمر، المحيطة بالقرية، كانت السماء تتناثر كاشفة عن فراغ مسقوف بخيوط العناكب وقبعات الدرك، حيث تخرج دينوكا عارية تسوق قطيعا من بنات آوى إلى جهة أخرى خالية من الشظايا».
وبافتراض أنّ أعمال اليوميات والسيرة مثّلت مسمياتها الأنواعية، فإنّ «أرواح هندسية» لم تكن الرواية الثانية، فحسب؛ بل لعلها أطلقت ما سأعتبره شخصيا طور الوئام و/ أو الصدام، بين المشروع الشعري والمشروع الروائي. وبركات شاعر أوّلا، في ظنّي، ولكنّ أعماله الروائية تفوّقت، بالمعنى الكمّي حتى الساعة، على أعماله الشعرية (20 مجموعة شعرية مقابل 22 رواية). وهذا تطوّر بات يستأثر بالكثير من طاقات بركات الإبداعية، ويستحوذ على ترسانة اللغة التي تميّز بها الشاعر على الدوام؛ حتى أنّ روايته الأخيرة، «زئير الظلال في حدائق زنوبيا»، تعكس نزوعا إلى «ترويض» الفصاحة العالية، الشعرية والشاعرية، لصالح نثر أكثر طواعية أمام مقتضيات السرد والقصّ.
«أرواح هندسية» بدَتْ أقرب إلى «فقهاء الظلام»، من حيث تشييدها لعمارة فانتازية ومنطق خاصّ يسوّغ تأرجح الخيال ضمن صياغات انفلات حرّ (في المظهر فقط، لأنها في العمق مقيّدة بقوانين صارمة في الجوهر) بين المشهد التسجيلي والأجواء السحرية. لكنها امتازت بسمة خاصة، سوف ننتظر طويلا حتى نشهد انحسارها عن روايات بركات؛ أي الخروج من عوالم منطقة «الجزيرة» السورية، وسرديات وشخوص وطقوس وأساطير الكرد إجمالا. وبقدر ما يبدو مكان الرواية غير المصرّح به (بيروت)، وزمانها غير المبيّن (الحرب اللبنانية ونهايات الاجتياح الاسرائيلي 1982، وخروج الفصائل الفلسطينية)، مسلّما بهما معا، بفضيلة الدلالات العديدة الصريحة؛ فإنّ اقتفاء المطابقات بين شخوص الرواية، وما يمكن أن تمثّله في الواقع الفعلي لن يخرج عن إطار التمرين الذهني الذي لا يجدي كثيرا، خصوصا إذا ما قُورن بحجم مزالقه؛ وهذا إنجاز يميّز الرواية، في كلّ حال.
الصلات منعقدة، بذكاء سردي بالغ، بين المدينة الكونية، الجاثمة بكلّ ثقلها على مناخات الرواية، حلقة جهنمية تنتظم في سلسلة متتابعة من وقائع خراب شامل قابل للحدوث هنا أو هناك، بمعظم عناصره أو بشرطه العبثي الجوهري أساسا؛ والمدينة إياها، بوصفها مزجا متأنيّا لجملة معاني الموت في حاضرة معاصرة واضحة المعالم، ومكسوّة بلحم الحياة اليومية وبساطة/ رهبة الوقائع. بذلك ينجح بركات في إغلاق الهوّة الفاصلة بين مشهد تسجيلي بات مألوفا، ويرخي ظلاله الثقيلة على وجدان القارئ (بيروت الحرب والخراب)؛ وبين «توليف» فنّي للمشهد التسجيلي ذاته وقد تضاعفت فيه صُوَر المدينة، حتى بات من النافل إعادتها إلى مساحة الواقع الذي انتُزعت منه.
بعض اللعبة الفانتازية يكمن في أنّ بركات يلجأ إلى انتفاء، محسوب، لتناغم كان يجمع عددا من العناصر غير المتجانسة أصلا؛ فيقوم بذلك بتفريقها وفق أبجدية تصارع وتنازع، ولكن داخل منظومة الواقعة ذاتها. عمارة «أبي كير»، بيروت كما يُظنّ، انهارت بسبب حيلة في أساساتها أوّلا؛ غير أن «أ. دهر»، المحارب الذي سيرحل، يستبق الانهيار فيدخل في مرآته ليخرج من مرآة أخرى؛ يرافقه رهط من محاربين/ أرواح لامرئيين/ كائنات هندسية. إلى أين وجهة هؤلاء؟ إلى «مدى حديدي» يقودهم نحو المنفى. ثم ماذا؟ سيستقرّ بهم المقام في عمارة «أبي كير» جديدة/ قديمة، ولسوف تنهار هذه أيضا لحيلة في أساساتها، ولعلّهم سيخرجون من مرآة ثالثة إلى منفى جديد…
ويكتب بركات، في السطور الأخيرة من الرواية: «وهكذا، أيضا، في الليل البهيم الذي أقلّ سفن المحاربين إلى الجهة الغربية من البحر، إثر المواثيق الدولية الممتهَنة في تدبير خسارة لمن لا يملكون خسارة أرض أو جديد، كان في مستطاع «أ. دهر» أن يلقي بنظرات، وسط الكثافة الرمادية لفضاء البحر، على السفن الخشبية تلك، بقلوعها العالية، وأشرعتها المنشورة في مهبٍّ رحيم، مبتسما وهو يشعل لفافة رطبة:
ـ لا بأس. سنصل معا».
هذا هو صوت السارد الناقل للمشهد، الذي لا يكتفي بدور دور الراوي كلّي الحضور، بل ينازع الكائنات اللامرئية في توكيل كلّ منها بآدمي واحد؛ ويتولى اقتيادنا، نحن القراء، في مجاهيل عمل روائي بديع.