الرئيسية / مقالات / أرشيف فارس يواكيم: الأرمن في السينما المصرية… نجوم على الشاشة ونجوم خلفها

أرشيف فارس يواكيم: الأرمن في السينما المصرية… نجوم على الشاشة ونجوم خلفها

فارس يواكيم
16122019
العرب
بين المسرح والإذاعة والموسيقى، قضى فارس يواكيم (1945، مصر)، عقوداً من حياته، مواكباً ومؤرّخاً ومشاركاً في أبرز محطات المشهد الفني العربي في القرن الماضي، وشاهداً على التحوّلات في عالم الفنّ.
تنشر “العربي الجديد” كل يوم اثنين مذكرات يواكيم مع أبرز الفنانين والمنتجين والمخرجين العرب، مستعيدة محطات شخصية ولقاءاته مع هؤلاء في القاهرة وبيروت وباريس وغيرها من العواصم.

يرجع وجود الأرمن في مصر إلى القرن العاشر، زمن الدولة الفاطمية، حين برز الوزير بدر الدين الجمالي. وفي القرن التاسع عشر سطع نجم نوبار نوباريان وتولّى رئاسة الحكومة وكان الوسيط الذي أقنع الباب العالي بمنح لقب “الخديوي” إلى الجالس على عرش مصر بعدما كان لقبه “الوالي”، وكان الخديوي اسماعيل أول من حمل اللقب. وفي القرن العشرين اشتهر المصور الفوتوغرافي فان ليو، وهو الذي التقط بعدسته بورتريهات أشهر الشخصيات المصرية. وكان ألكسندر صاروخان من أبرز رسامي الكاريكاتور في الصحافة المصرية، وظهرت رسومه في صحف دار “أخبار اليوم”.

في السينما المصرية اشتهرت أسماء، بعضها من نجوم الشاشة وبعضها من الذين ظهرت أسماؤهم على الشاشة في عناوين الأفلام، لكن لم يعرف الناس وجوههم، لأن إنتاجهم كله كان وراء الكاميرا. ومن النجمات الشهيرات: نيللي وأختها الأكبر فيروز، وابنة خالتها لبلبة. وبعدهن برزت ليز سركسيان التي اشتهرت باسم “إيمان” والممثلة الكوميدية أنجيل آرام.

مع نيللي اشتركتُ في عملين: كنت كاتب سيناريو وحوار الفيلم السينمائي “سيدتي الجميلة” وكان من بطولتها مع محمود ياسين ومن إخراج حلمي رفلة، وكنت كاتب مسرحية “الدنيا دولاب” من بطولة نجم الكوميديا اللبناني شوشو ونيللي والممثل الكوميدي المصري حسن مصطفى، وهي المسرحية التي أخرجها السيد بدير.

أما إليزابيت طوروس سركيسيان فقد انطلقت من السينما اللبنانية بفيلم “الأخرس” أمام منير معاصري، ثم أدّت أدواراً رئيسية في الأفلام المصرية وأولها فيلم “الصعود إلى الهاوية” الذي أخرجه كمال الشيخ سنة 1978، وأصبحت ليز سركسيان تُدعى “إيمان”. وفي السنة ذاتها قامت بالبطولة النسائية في فيلم “عندما تغيب الزوجات” أمام الثنائي دريد لحام ونهاد قلعي وهو من كتابتي وإخراج مروان عكاوي.

أما أنجيل آرام رابزيان فلم أتعاون معها في فيلم، لكننا ترافقنا في الدراسة في المعهد العالي للسينما في القاهرة، وكانت في دفعة بعدي. درست المونتاج لكنها اشتهرت كممثلة كوميديا. وكانت خفيفة الظل (بوزن زائد) عملت في بعض المسرحيات وفي بعض الأفلام، خصوصاً مع النجم عادل إمام، ومنها: “البحث عن فضيحة”.. “كراكون في الشارع” .. “زوج تحت الطلب”. توفيت في شهر فبراير/شباط عام 2011 عن 65 عاما. واكتفي بهذا القدر من الحديث عن الممثلات الشهيرات والناس تعرف الكثير عنهن. مقالتي عن النجوم الذين في الكواليس.

ليز سركيسيان أو إيمان (أرشيف فارس يواكيم) 

سنة 1937 أسس المصور الفوتوغرافي هرانت ناصيبيان ستوديو للخدمات الإنتاجية للأفلام حمل اسمه “ستوديو ناصيبيان” في شارع المهراني بحيّ الفجّالة في القاهرة. وكان يضمّ معملاً لتحميض وطباعة الأفلام وقاعات لتسجيل الصوت والمونتاج و”بلاتوه” تقام فيه الديكورات لتصوير المناظر الداخلية. لم يكن في القاهرة قبله سوى “ستوديو مصر” الذي أنشأه بنك مصر بهمّة طلعت باشا حرب سنة 1935. في استوديو ناصيبيان تمّ إنتاج نحو 150 فيلماً أولها “الدكتور” سنة 1939 وهو من إخراج نيازي مصطفى وقد استعان بمعمل الاستوديو. أما أول فيلم أنتج بكامله في ذلك الاستوديو فكان “انتصار الشباب” سنة 1941 وهو من إخراج أحمد بدرخان وبطولة أسمهان وفريد الأطرش. وكان فيلم “إحنا بتوع الأوتوبيس” الذي أخرجه حسين كمال من بطولة عادل إمام وعبد المنعم مدبولي آخر فيلم صورت مناظره الداخلية في بلاتوه ستوديو ناصيبيان سنة 1979. وفي السنوات الأربعين أُنتج في هذا الاستوديو عددٌ من أبرز الأفلام المصرية، منها: “دعاء الكروان”، و”باب الحديد”، و”في بيتنا رجل”، و”المراهقات”، و”الخيط الرفيع”، و”شفيقة ومتولي”.

وفي عدد لا بأس به من الأفلام المصرية قرأ الجمهور في شارة الفيلم (التترات) اسم “تاكفور” في مجال الإنتاج. وهو عمل كثيراً مديراً للإنتاج أو منتجاً. واسمه الكامل تاكفور ألطونيان، صاحب “شركة مصر للإنتاج السينمائي”. ومن بين أفلامه “حكاية بنت اسمها مرمر”، لكن الفيلم الأشهر والأكثر نجاحاً كان “خللي بالك من زوزو”.

أرمني آخر برز اسمه في الأفلام المصرية هو “كريكور”. 155 فيلماً كان فيها كريكور مهندسَ الصوت. اسمه الكامل كريكور تشاكماكجيان. بدأ مساعداً ثم أصبح مهندس الصوت لأول مرّة سنة 1943 في فيلم “من الجاني؟” إخراج أحمد بدرخان، وظهر اسمه لآخر مرة مهندسا للصوت في فيلم “عندما نحب” الذي أخرجه فطين عبد الوهاب سنة 1967 وهو من بطولة نادية لطفي ورشدي أباظة. وعلى مدى ربع قرن اشتغل في أفلام بارزة منها: “شفيقة القبطية”، و”معبودة الجماهير”، و”دعاء الكروان”، و”خان الخليلي”، و”القاهرة 30″، و”الباب المفتوح”، و”زقاق المدق”.

ثمة اسم آخر لمع في السينما المصرية والعالمية واللبنانية وفي التلفزيون والمسرح. تقرأ اسمه في الأفلام المصرية: مهندس الديكور هاجوب أصلانيان. وفي لبنان هاغوب أو أغوب. أما اسمه الحقيقي فهو يعقوب كيفورك بن مارديروس أرسلانيان المولود في الإسكندرية في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 1917. وبعدما تلقى علومه حتى نهاية المرحلة الثانوية في المدرسة الأرمنية سافر إلى إيطاليا والتحق بكلية الفنون الجميلة في البندقية. حصل على الدبلوم سنة 1940 وكان ينوي البقاء في إيطاليا والعمل في مجال السينما مصمماً للديكور. لكن ظروف الحرب العالمية الثانية اضطرته إلى الرجوع لقاهرة حيث التحق بستوديو ناصيبيان. ولاحظ أن الطريقة المعتمدة لتنفيذ ديكورات الأفلام تستغرق زمنا طويلاً، فاقترح عليهم فكرة جديدة تختزل هذه الفترة وتوفّر الكثير من المصاريف التي تنفق من دون فائدة. وبناء عليه اعتُمد مهندساً للديكور في الأفلام.

كان فيلم “الشريد” أول فيلم صمم له هاغوب أصلانيان الديكور سنة 1942. وكان أيضا أول فيلم يخرجه هنري بركات، وفيه كان الماكيير يدعى حلمي رفلة! واستمر يصمم الديكورات في الأفلام المصرية حتى سنة 1957، وبلغ مجموع أفلامه نحو خمسين فيلما، منها “البؤساء” و”العيش والملح” و”في الهوا سوا” وآخرها “إنت حبيبي” من إخراج يوسف شاهين وبطولة فريد الأطرش. وإلى جانب الديكور أنتج فيلماً عنوانه “مغامرات اسماعيل يس” وهو من بطولة شادية وكمال الشناوي واسماعيل يس، أخرجه يوسف معلوف.

وخلال إقامته في القاهرة عمل هاغوب أصلانيان مصمماً للمناظر في أفلام عالمية صُوّرت في مصر منها “يوسف وإخوته” الذي أخرجه وليم ديترله لحساب شركة كولومبيا سنة 1954 وقامت ريتا هيوارث ببطولته. ومنها أيضا فيلم “بلاد الفراعنة” الذي أنتجته شركة بارامونت سنة 1955 وأخرجه هيوارد هوكس. وفي مطلع سنة 1958 زار لبنان وكان له لقاء مع الرئيس كميل شمعون الذي أقنعه بالبقاء في بيروت، وكانت الاستعدادات قائمة من أجل افتتاح البث التلفزيوني في لبنان. بناء عليه تعاقد هاغوب أصلانيان مع “شركة التلفزيون اللبنانية” التي بدأت الإرسال سنة 1959.

ومنذ انطلاقة التلفزيون في لبنان صمم هاغوب ديكورات جميع البرامج والمسلسلات التمثيلية حتى تقاعده. وأعماله في هذا المجال لا تحصى، لكن على سبيل المثال أذكر مسلسلات “أخوت شاناي”، “البؤساء”، “حكمت المحكمة”، “المشوار الطويل”. في منتصف الستينيات عرفته، ومن بعد تعاونا في أعمال تلفزيونية ومسرحية وسينمائية. ولا أنسى ديكوراته الرائعة في مسلسل “المشوار الطويل” وكنت كاتب السيناريو والحوار. لم يصدق أحد من المشاهدين آنذاك أن الحارة والمقهى والبيوت هي ديكورات صممها وأشرف على تنفيذها في الاستوديو هاغوب أصلانيان. بل حتى السفينة وكاراج السيارات أيضا! وفي المسرح صمم هاغوب أصلانيان ديكور مغناة “الفنون جنون” وكانت من بطولة المطربة صباح وإخراج برج فازليان وكنت كاتب النص. كما صمم ديكور فيلم “الحب الكبير” الذي صُور في بيروت من بطولة فريد الأطرش وفاتن حمامة وكان من إخراج بركات وكنت مساعدا له. كذلك ساهم في تصميم المناظر للمشاهد التي التقطت في لبنان لفيلم “24 Hours to kill” وهو من بطولة النجم المعروف ميكي روني وشارك فيه بالتمثيل من لبنان: ناديا جمال وشكيب خوري.

كان هاغوب أصلانيان وسيما أنيقا يصلح لأن يكون ممثلاً، وكان يجيد خمس لغات: الأرمنية والعربية والفرنسية والإيطالية والإنكليزية. وكان صديقا حميما لفريد الأطرش وهو صمم ديكورات بيتيه في القاهرة وبيروت. وكانت وفاته في بيروت في ديسمبر/ كانون الأول 1992 عن 75 عاماً.

أما الأرمني الآخر فهو المؤلف الموسيقي فؤاد الظاهري. ولكم قرأ المشاهدون اسمه مؤلفاً للموسيقى التصويرية لـ 238 فيلما سينمائيا. على سبيل التذكير أقول: “خللي بالك من زوزو” من إخراج حسن الإمام، “صراع في الوادي” و”باب الحديد” من إخراج يوسف شاهين، “في بيتنا رجل” من إخراج بركات، “ردّ قلبي” من إخراج عز الدين ذو الفقار، “شباب امرأة”، “لا أنام”، “بداية ونهاية”، “الزوجة الثانية” (وقد عبّر الموسيقي عمار الشريعي عن إعجاب كبير بالموسيقى التصويرية لهذا الفيلم)، و”بين السماء والأرض” وجميعها من إخراج صلاح أبو سيف. وفيلم “خان الخليلي” وقد أتيحت لي فرصة لقاء جمعني مع فؤاد الظاهري ومخرج الفيلم عاطف سالم فأبديت إعجابي الفائق بموسيقاه التصويرية، خصوصا في مشاهد الحب من طرف واحد بين عماد حمدي وسميرة أحمد، وقد ابتكر فيها تنويعات جميلة ومعبّرة على لحن “خايف أقول اللي ف قلبي”. وفي عموم الأفلام تميّزت الموسيقى التصويرية التي وضعها بأنها تصويرية معبّرة، تستخدم فيها الآلات بمهارة فائقة، وتقترن فيها النغمات المصرية الصرف باللغة الموسيقية المناسبة سينمائياً.

اسمه الحقيقي فؤاد غرابيت بانوسيان. والده أرمني ووالدته من شوام مصر. وهو من مواليد 16 أكتوبر/ تشرين الأول سنة 1916 في حيّ الظاهر، معقل الشوام في القاهرة، ولذلك اختار ذلك الاسم الفني (فؤاد الظاهري). درس في مدرسة الفرير الكائنة في الحيّ نفسه. اكتشفه الموسيقي الفلسطيني قسطندي خوري، الذي كان إلى جانب العمل في مجال الموسيقى، يلحّن تراتيل دينية وكان المشرف على جوقة مطرانية الروم الكاثوليك في القاهرة وكان الفتى فؤاد أحد أعضائها. شجعه المايسترو قسطندي خوري على تعلّم العزف على الكمان، ثم نصح له بالدراسة الأكاديمية فالتحق بمعهد الموسيقى العربية في القاهرة. بعد تخرجه اهتم بتأليف المقطوعات الموسيقية، وأبرزها كونشرتو بين آلة القانون والأوركسترا. وأتاح له محمد حسن الشجاعي رئيس قسم الموسيقى بالإذاعة المصرية فرصة تقديم مؤلفاته التي عزفتها بقيادته فرقة الإذاعة.

ثم دخل فؤاد الظاهري عالم الأغاني العربية، ليس من باب التلحين، بل من باب التوزيع الموسيقي. واشتهر مع اثنين من أقرانه هما أندريه رايدر وعلي إسماعيل بالتوزيع الموسيقي وتأليف الموسيقى التصويرية للأفلام. وتولّى فؤاد الظاهري التوزيع الموسيقي لأغنيات من تلحين كبار الملحنين، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: “يا حلاوة الدنيا” لزكريا أحمد، و”أنا قلبي دليلي” لمحمد القصبجي، و”القمح الليلة” لمحمد عبد الوهاب و”تخونوه” لبليغ حمدي. كما ألّف فؤاد الظاهري الموسيقى التصويرية لبعض المسرحيات والمسلسلات التلفزيونية، ونال عدة جوائز رفيعة. وكانت وفاته في القاهرة في أول أكتوبر 1988.
هؤلاء الفنانون الأرمن جميعاً قدموا إبداعاتهم بروح مصرية خالصة، وكانوا جزءاً طبيعيا في المشهد الثقافي المصري.

اضف رد