الرئيسية / مقالات / أرشيف “النهار” – 14 شباط يستعيد روح انتفاضة الاستقلال “وفاء للرئيس الشهيد”

أرشيف “النهار” – 14 شباط يستعيد روح انتفاضة الاستقلال “وفاء للرئيس الشهيد”

  • المصدر: أرشيف”النهار”
  • 14 شباط 2019 | 22:44

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف تقريراً كتبته منال شعيا في “النهار” بتاريخ 15 شباط 2006، حمل عنوان “الذكـرى الأولى لاستشهـاد الـرئيس رفيق الحريــري 14 شباط يستعيد روح انتفاضة الاستقلال “وفاء للرئيس الشهيد” سعد الحريري محور الهتافات وجبران تويني وسمير قصير غائبان حاضران”.

هناك، بالقرب من تمثال الشهداء، كانت صورة الرئيس اميل لحود والضباط الاربعة الموقوفين مرمية على الارض تدوسها الاقدام، وعليها عبارة “الاربعة سقطوا، والآخر عليه الرحيل”.

في الجهة المقابلة، تقدمت فتاة عشرينية بين الحشود ترفع علم لبنان وتهتف: “ابو بهاء، ابو بهاء”. ولا يفوت من ينظر انها تزين صدرها ببطاقة هوية، رقم سجلها 10452 كلم2 وموقعة من صاحبة العلاقة: “الحقيقة لأجل لبنان”.

تشق تلك الفتاة طريقها بصعوبة وتصرخ: “الحريري بعد الله”، “سعد… سعد… سعد”، ثم تأخذ مكانها امام المنصة وتنتظر.

مشهدان متناقضان لعلهما يختصران جوهر التحرك الرسمي والشعبي الذي تجسد امس في ساحة الشهداء. فالوفود احتشدت “وفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري” وعلت الهتافات المؤيدة للحريري ولابنه سعد، فيما صدحت الحناجر نفسها تشتم الرئيس اميل لحود وتطالب بتنحيه: “بدنا التار، بدنا التار من لحود”، والايادي تلوح بصورة له مع عبارة “ما فيك دم، شبعنا دم!”.

ساحة الحرية امس غصت بالحشود، وطغى عليها حضور الشارع السني بعد 365 يوما على استشهاد الحريري، في حين اشرف “رجال الانضباط” من تيار “المستقبل” على الامن بامتياز، وتولوا التفتيش الدقيق الى جانب قوى الامن الداخلي، التي توزعت على مفترقات شوارع الصيفي وويغان وبشارة الخوري.

365 يوما على اغتيال الرئيس الحريري والتحولات تتوالى على لبنان وتترافق مع سلسلة جرائم تحصد واحدا وراء الآخر.

365 يوما وعادت ساحة الشهداء لتلتهب بالجموع، ولكن مع تغييرات عديدة، فبعض الاطراف غابوا شعبيا وحضروا على المستوى السياسي والرسمي “تخليدا” للذكرى ووفاء للرئيس الحريري”، لكن الغائبين البارزين كانا الشهيدين جبران تويني وسمير قصير، من صنعا “انتفاضة الاستقلال” و”ثورة الارز” فأقسما بدمهما دفاعا عن لبنان العظيم.

امس، افتقد الشباب تويني وقصير. انتظروهما ليدعوا “الرفاق للعودة الى الشارع”، لكن المنصة ظلت فارغة من دونهما، فيما كانت صورة تويني تظلل مبنى “النهار” كالمعتاد. وقفت نايلة تويني في المكان نفسه الذي وقف فيه والدها قبل نحو عام ورددت القسم نفسه، اما صورة قصير فتناقلها انصار “اليسار الديموقراطي” مستذكرين ربما دعوته الملحة الى “الانتفاضة في قلب الانتفاضة”.

لافتات – رسائل

الثامنة صباحا، بدأت الوفود تصل الى الساحة. وبرزت اللافتات “من الرئيس رينه معوض الى الرئيس رفيق الحريري، لن يوقفوا زحف الربيع”، “بيروت: اشرف الاشرفية”، “نعم للشعب السوري، لا للمخابرات”.

تقترب من بعض الحشود، فتلمح رجلا مسنا جالسا على الرصيف، يقرأ في القرآن. وحين تسأله عن سبب مشاركته يجيب بحزم: “كرمال الشيخ رفيق وغلاوته”.

بالقرب منه، يستوقفك بعض الشبان من المنية، هؤلاء امضوا ليلتهم في الساحة. يقولون: “اردنا ان نحيي 14 آذار ثانيا من اجل الحريري ولبنان”. وعندما تسألهم ماذا تغير بعد سنة، يهزون رؤوسهم ويلتفتون يمينا قائلين: “انظري الى العلم اللبناني وحده بين الشباب تعرفي ماذا تغير. لم يوقفنا حاجز على الطريق، وتسألين ماذا تغير؟”.

لكن الالتزام لم يكن جامعا، فبعضهم لم يرفع علمه الحزبي، لكنه لفه منديلا او عصب به رأسه، وجذبت اللافتات كل الانظار لكثرة معانيها، فهناك لافتة تجمع كل الاسماء “اميل اميل، جامع جامع، هسام هسام، عبد القادر عبد القادر”، ومزيلة بعبارة “شو هالصدفة؟”، واخرى دوّن فيها”رستم، آصف، جامع، ماهر، بشار. الله يمهل ولا يهمل”.

لافتتان وجهت عبرهما اكثر من رسالة الى الداخل والخارج، وطغت احداث الاشرفية على بعض الهتافات، وحرص شبان على التلويح بشعار “شكرا للاشرفية، لأجل وحدة لبنان”، فيما لاقاهم آخرون حاملين لافتة “لا تحولوا بيروت مزارع شبعا”.

اكثر من مغزى واكثر من دعوة جمعتها الشعارات في مسيرة امس، وظهرت لافتة “رفيق، باسل، سمير، جورج، جبران، ما شبعت يا بشار؟”.

“مناضل لبناني – اشتراكي”

كل الايادي جندت للتلويح بالاعلام اللبنانية وان خرقتها بعض اعلام “القوات اللبنانية” والحزب التقدمي الاشتراكي. ومع تقدم الوقت، اصطف المجتمعون امام المنصة وفي الساحات المقابلة لتمثال الشهداء. بدأوا يقفزون ويصرخون “الثار، الثار، الثار، بدنا الثار من لحود ومن بشار”، ولم يوفروا النائب العماد ميشال عون، اذ ردد بعضهم “قولوا، قولوا، لميشال عون، شو ما عندو تلفزيون”.

وحدها بعض اقوال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والنائب سعد الحريري كانت تصوب الهتافات الى اتجاه آخر، فيصرخون “ابو بهاء، ابو بهاء”، “سعد… سعد… سعد”.

من بعيد، تبدو الحركة هادئة امام الضريح. البعض يتجمعون، يصلون ويقرأون الفاتحة، وسرعان ما ينضمون الى الجموع، تخرج من الضريح وتتجه نحو “خيمة الحرية” فتلاقيك مجموعة من انصار الحزب التقدمي الاشتراكي. يجلسون على الارض، يعصبون جباههم بمنديل الحزب، وبعضهم بمنديل كتب عليه “فدائيو الوليد” ويهتفون” لبيك، ابو تيمور”، “لبيك الوليد”، بالروح، بالدم، نفديك يا وليد”، في حين يلوح احدهم بصورة للرئيس لحود واقفا على الحائط، مع عبارة “لحود وقاف على الحيط”، ورغم الدعوات المتكررة الى ترداد شعارات سيادية، الا انهم بقوا يهتفون للوليد، ويقفزون في الهواء ويطالبون بتنحية لحود.

ويتقدم شاب ويصرخ: “أتيت من الشويفات، من جبل وليد جنبلاط، حتى يخرج لحود من بعبدا. الفرصة التي فوتناها في 14 آذار سنحققها في 14شباط”. وعندما تسأله عن اسمه، يجيبك: “انا مناضل لبناني في الحزب الاشتراكي. الا يكفي ذلك؟!”.

ويقاطعه آخر: أنا من المتن الاعلى. كرمال بو تيمور انا اليوم هنا حتى نريهم من هي الاكثرية الحقيقية”.

واذ يبتعد هؤلاء قليلا ليتقدموا نحو المنصة. تسترعي انتباهك لافتة مقسمة الى ثلاثة اجزاء: “جزء لصورة الرئيس الاميركي جورج بوش وتحتها عبارة لا لرعاة البقر، وجزء لصورة عون وعبارة لا لرعاة الغنم، وجزء ثالث لعلم لبنان مع عبارة نعم. نعم. نعم”.

وحين تحاول الاستيضاح من حاملي هذه اللافتة، يجيبك احدهم: “نحن هنا، وفاءً للحريري فقط!”

الحشود لم تتعب، وبقيت تهتف، فيما اللافتات من زغرتا تؤكد “يللي خلّف ما مات. رفيق الحريري خلّف عظماء، يا صعاليك”، ومن اهالي سعدنايل “تحيي الرئيس الشهيد”، ومن الناعمة تشدد على “الوحدة الوطنية والوفاء لمسيرة الحريري”.

لحظات، وبدأ يتردد ان النائب وليد جنبلاط، ورئيس الهيئة التنفيذية لـ”القوات اللبنانية” سمير جعجع سيحضران. وفيما كانت حركة الصحافيين تعوق لشدة التدابير الامنية، سادت حالة هرج ومرج في صفوف المحتشدين وهتفوا “حكيم، حكيم”، الا ان ثمة مجموعة اخرى بقيت تهتف “ايه، يللا، سوريا طلعي برا”.

الجميع كانوا يريدون ان يروا جعجع وجنبلاط، الا ان الاخير كان وصل الى الساحة وانتقل مباشرة الى الخيمة. هناك والى جانبه ابنته، يراجع كلمته. ثم ينظر في الارض ويرتب ربطة عنقه السوداء التي ارتسمت فيها صورة لوجه الحريري ولعلم لبنان ينزف. وبعد دقائق سمعت عبارات “الحكيم وصل، الحكيم وصل، فسادت حالة هرج ومرج داخل الخيمة، فيما الحشود في الخارج تستمع الى الخطباء. وبسرعة قصوى ووسط تدابير مشددة، دخل جعجع الخيمة وصافح جنبلاط ثم تشاورا وتحدثا ايضا مع نواب “تكتل التغيير والاصلاح” وبعض الشخصيات السياسية هناك.

اما في الخارج، فكان الخطباء يتوالون على الكلام. كلهم اجمعوا على “بوق الخراب في بعبدا”، و”ضرورة معرفة الحقيقة وتطبيق العدالة”.

في هذه الاثناء ، صعد وفد من نواب “حزب الله” الى المنصة وغادر بعد انتهاء الرئيس امين الجميل من القاء كلمته.

12:55: لحظة الانفجار الذي اودى بحياة الحريري، وقف الجميع صامتين ثم ما لبثوا ان اطلقوا العنان للشتائم ضد سوريا، وهتفوا “ايه ويللا الحريري بعد الله”.

وماجت الحشود منتظرة اطلالة سعد الحريري وراء العازل، لكن صوته سُمع من امام جامع محمد الامين، فاتجهت العيون والآذان الى جهة الجامع، تسمع وتصفق.

وفي لحظة حماسية، تفاعلت الجموع مع الخطباء، الى ان اصابتهم “حالة هستيرية” لحظة صعود الحكيم المنصة، فاراد المناصرون رؤيته مخترقين الحواجز وسط طوق امني مكثف، اذ حوصر جعجع وسط هذا الطوق ومنع المصورون من الاقتراب.

وعلى وقع الهتافات “قوات، اشتراكية، تيار المستقبل”، تجلت صورة “التحالف الثلاثي” حين صعد سعد الحريري من فوق الحاجز ولاقى جنبلاط وجعجع على المنصة، ورفعوا اياديهم ليحيوا الحشود.

اضف رد