أرشيف “النهار” – هنري كيسنجر ولبنان في حرب السنتين

  • المصدر: أرشيف “النهار”
  • 17 شباط 2019 | 08:00

هنري كيسنجر (أرشيفية).

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه كمال الديب في “النهار”، بتاريخ 28 تشرين الثاني 2010، حمل عنوان “هنري كيسنجر ولبنان في حرب السنتين”.

نشرت “النهار” في 12 و13 تشرين الثاني الجاري وقائع سجال حول رسالة مفتوحة وجّهها العميد ريمون إدّه إلى هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركية السابق (صحيفة “النهار” في 12 حزيران 1976) وعمّا إذا كان كيسنجر ردّ فعلياً على إدّه أم لا، وتعليق العميد كارلوس إدّه على الموضوع. وكي لا يضيع الموضوع الأساسي وهو دور كيسنجر، وبالتالي الولايات المتحدة الأميركية في إشعال ما عُرف بحرب السنتين في لبنان (1975-1976)، تقضي الأمانة الأكاديمية توضيح هذا الدور وخصوصاً بعد مرور أكثر من 35 عاماً أو جيل ونصف، وبالتالي جهل الجانب الأكبر من الرأي العام اللبناني تفاصيل تلك الأيام وماذا يعني اسم كيسنجر للمخضرمين.

هنري كيسنجر لاجىء يهوديّ ألماني الى أميركا، كان شديد الوعي لمصاب بعض أهله في معسكرات الاعتقال النازي في أوروبا، ولم يخف تعاطفه مع اسرائيل حتى قبل عمله في الشأن العام، وحرصه على مصلحتها وعلاقاته وصداقاته الحميمة مع قادتها. عمل على إقناع إدارتي نيكسون وفورد أنّ اسرائيل هي حاجة استراتيجية لأميركا في صراعها الدولي ضد الاتحاد السوفياتي، معتبراً أن مصلحة اسرائيل في احتلال أراضي العرب والإبقاء على تفوقها العسكري في المنطقة هي مصلحة أميركية، لأنّ ذلك سيضمن منع موسكو من نشر نفوذها في الشرق الأوسط. وهذا ما زرعه في ذهنية الإدارة الأميركية منذ تبوّأ منصب مستشار الأمن القومي في كانون الثاني 1969. وعندما فازت غولدا مئير، زعيمة حزب العمل، بمنصب رئاسة الوزراء في آذار 1969، وكانت من الصقور والمتطرفين ضد العرب، صبّت جهدها في اتجاه توثيق العلاقة مع أميركا أيضاً وعيّنت إسحاق رابين سفيراً لاسرائيل في واشنطن. فعمل الثلاثي رابين- مئير – كيسنجر في السنوات التالية على تطوير العلاقات ووضع سلسلة اتفاقات رسمية باتت كأنّها منحوتة في الصخر.

بإشراف كيسنجر تبلور التوجّه الأميركي سريعاً وبتزايد كل عام: قروض وهبات وتسليح ودعم اقتصادي وعسكري وديبلوماسي واسع، بدأ يتصاعد ويتراكم ككرة الثلج. ففيما قدّمت واشنطن لإسرائيل مبلغاً سنويّاً هو 30 مليون دولار، تضاعف المبلغ فجأة عشرين ضعفاً إلى 545 مليوناً عام 1971. ثم موّلت أميركا منذ 1972 نسباً مئوية متزايدة من ميزانية اسرائيل العسكرية(1) ومنذ 1973 تقدّم كيسنجر بمشروع دعم لإسرائيل بمبلغ 3 مليارات دولار سنويّاً، ووافقت الإدارة الأميركية على مليارين و200 مليون دولار. وأقامت أميركا جسراً جويّاً لاسرائيل في حرب 1973 كما نُقلت كميات كبرى من المساعدات بحراً. وتوالت المذكرات والوثائق المتبادلة لتدعيم الحلف رسميّاً، من رسالة نيكسون إلى غولدا مئير ومذكرة تفاهم ومذكّرة شباط 1972. ومن أهم إنجازات كيسنجر كان تعهّد واشنطن عدم إطلاق أي مبادرة جديدة للسلام في المنطقة بدون تفاهم مسبق مع اسرائيل ما أدّى إلى سيطرة اسرائيلية كاملة على السياسة الأميركية في المنطقة. هذه التفاهمات ألزمت أميركا في سلسلة توجّهات معادية للعرب لم تخرج عنها أي إدارة أميركية بعد ذلك. وأصبح مبدأ أميركيّاً ضمان تفوّق اسرائيل العسكري على الدول العربية مجتمعة. وستمضي سنوات من خداع كيسنجر للعرب والذي كان واضحاً في الدوائر الأميركية وفي أوروبا الغربية حتى قرأ العرب عن هذا الخداع في مذكرات كيسنجر نفسه التي نشرها عامي 1979 و1982(2).

كيسنجر وحرب تشرين 1973

عندما أصبح كيسنجر وزيراً للخارجية في 1971 اغتنم الرئيس المصري أنور السادات الفرصة ففتح قناة حوار سرية معه للتوصّل إلى سلام مع اسرائيل. وردّ كيسنجر أنّ واشنطن لن تحرّك عملية السلام طالما بقي النفوذ السوفياتي في مصر. فطرد السادات 7750 خبيراً سوفياتياً مع عائلاتهم من مصر في تموز 1972 كفاتورة سدّدها لكيسنجر، ولكن كيسنجر لم يتجاوب بل كان ثمّة استغراب أميركي واسرائيلي حول إقدام السادات على هذه الخطوة المجانية بدون مقابل. وأخذ السادات يبادل كيسنجر الأفكار والمعلومات طيلة أيام حرب 1973، فكان كيسنجر يستغّل أي معلومة يقدّمها السادات أثناء الحرب وينقلها إلى اسرائيل فوراً. إذ بعد 24 ساعة من بدء المعارك أرسل السادات مبعوثاً إلى كيسنجر يعلمه أنّ مصر “لا تنوي تعميق المواجهات ولا توسيع رقعة القتال في سيناء”، مكرّراً استعداده للسلام وبنود هذا السلام. فنقل كيسنجر المعلومات أنّ الجيش المصري لن يتحرك من النقطة التي وصل إليها شرق القناة(3). ما أفاد اسرائيل كثيراً وجعلها تطمئن في سيناء وتركّز على سورية. وعمد كيسنجر إلى إطالة أمد الحرب والمماطلة في الوصول إلى وقف لاطلاق النار بغية منح اسرائيل الوقت الكافي لتسجيل انتصارات على الأرض.

وبعد الحرب قام كيسنجر بجولات مكوكية بين القاهرة والقدس ودمشق. فصدّقته مصر والدول العربية رغم أنّه هو الذي أنهى مبادرة سلفه وليم روجرز للسلام وتجاهل نداءات السادات المتكرّرة قبل الحرب للتفاوض. وتوّجت جولة كيسنجر بحل منفرد لفك الارتباط على جبهة سيناء في ربيع 1975، متجاهلاً تماماً أي تعاطٍ مع القضية الفلسطينية التي هي أصل الصراع. وكان الرئيس السوري حافظ الأسد يستقبل كيسنجر في دمشق على أمل استعادة الجولان وحماية القضية الفلسطينية. فعندما أخرج خرائط الجولان محاولاً الحصول على تعهّد من كيسنجر عن مدى الانسحابات الاسرائيلية، رفض كيسنجر بشدّة البحث في هذا الموضوع، فأنزعج الأسد واكتشف الخداع الذي كان يتعرّض له(4). وفاوض الأسد كيسنجر لمدّة 130 ساعة، لم تقدّم فيها إسرائيل شيئاً، بل انتهى الأمر بانسحاب بسيط في جبهة الجولان واتفاق لفك الاشتباك. دور كيسنجر التخريبي بدا واضحاً للأسد ومعاونيه في نهاية 1974 ومطلع 1975 وأنّ وعود أميركا بتطبيق القرارات الدولية لا قيمة لها. بدا واضحاً لكل العرب ومنهم السعودية في بداية 1975 أنّ كيسنجر لم يسعَ إلى الحل السلمي الشامل، بل إلى تفرقة العرب وشق صفوفهم وخدمة اسرائيل، وإخراج مصر إلى الأبد من معادلة الصراع.

كيسنجر وحرب لبنان

بدل أن يرى العرب تقدّماً نحو السلام، شهدوا في 1975 ولادة اتفاقية “سيناء 2” وكانت هذه بداية انهيار الصف العربي بشكل غير مسبوق واشتعال عدّة حرائق كان أهمها الحرب اللبنانية في نيسان 1975. فكانت نتيجة سياسة كيسنجر غرق المنطقة في سلسلة حروب لا تزال مفتوحة حتى بعد 35 عاماً. لقد اشتعلت أزمات عدّة دفعة واحدة. فاحتدم الصراع بين مصر وكلّ من سوريا ومنظمة التحرير وليبيا، وبين سوريا والعراق وبين الأردن والفلسطينيين. وانشق الصف العربي إلى محاور فُولد محور دول “جبهة الصمود والتصدي” بقيادة سورية، وانفرط عقد منظمة التحرير المؤلفة من عدّة تنظيمات جراء الصراعات العربية بين رفض واعتدال، انعكست معارك بالسلاح بين الفلسطينيين.

وكان لبنان أكبر ضحيّة لتداعيات اتفاقيات سيناء، إذ أصبح ساحة لصراعات العرب وللصراع العربي الاسرائيلي، وما زال يدفع الثمن إلى اليوم. حيث خرج إلى العلن عام 1975 النزاع المضبوط بين الدولة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية منذ 1969 وانقسم اللبنانيون بين أحزاب مارونية وإسلامية ويسارية لتبدأ حرب طويلة استمرّت 15 عاماً. ودعم العراق، نكاية بسوريا، “جبهة الرفض” الفلسطينية وأبرز عناصرها “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” بقيادة جورج حبش.

رافق انفجار حرب لبنان في نيسان 1975 إطلاق كيسنجر محادثات “سيناء 2” ثم انفجر الوضع في بيروت مجدداً في أيلول 1975 مع توقيع “سيناء 2”. وتعمّقت الحرب اللبنانية مع كل خطوة في سياسة كيسنجر “الخطوة خطوة”، ذلك أنّ الأمر اتضّح للزعماء الموارنة أنّ كيسنجر يبحث عن حل منفرد لمصر، وليس عن حل للقضية الفلسطينية، وأنّ لبنان سيبتلي بثلاثمئة ألف لاجىء فلسطيني ما سيحدث تهديداً للكيان. وأصاب خروج مصر الذعر في المقاومة الفلسطينية أنّ ربيبها وحاميها الأكبر قد ذهب مع الريح. ومرّ كيسنجر في مطار بيروت اثناء مكّوكِه، فرجاه الرئيس فرنجية والزعماء المسيحيون عمل شيء من أجل الفلسطينيين وخاصة مئات آلاف اللاجئين في لبنان. فلم يفعل وفوق ذلك أخذ يطرح نقل المسيحيين إلى أميركا إذا كانوا يشعرون بخطر يتهدّدهم وغايته جعل لبنان وطناً بديلاً للفلسطينيين.

كان الأسد يؤكّد أنّ سبب فشل اتفاقات وقف اطلاق النار العديدة في بيروت هو أنّ الأزمة كانت تُدار من الخارج وأنّ جهات خارجية كانت تنفخ في النار كلّما لاح حل لبناني في الأفق كي تُبعد أنظار العرب عمّا يحصل بين مصر واسرائيل وكي يغرق لبنان في الدم. وكان المسؤولون السوريون يقضون الساعات الطوال والأيام في محادثات مع الأطراف اللبنانية والفلسطينية ويتنقلون في ظروف خطرة من منطقة لبنانية إلى أخرى لترتيب اتفاق لوقف النار، الذي ما أن يصلوا إليه ويبدو أنّه نجح في استتباب الأمن حتى يقع حادث أو حوادث كإطلاق رصاص من هنا وخطف من هناك وإنفجار هنا، وكأنّ طابوراً خامساً متجولاً يريد بقوّة أن لا يهدأ الوضع في لبنان. ليس فقط في أنّ “السي آي إيه” كانت ضالعة في الأحداث بنظر الأسد، بل أنّ اسرائيل كانت قد خرقت الساحة اللبنانية بعملائها وبحلفها مع جهات لبنانية الذي خرج إلى العلن عام 1976. وكان كمال جنبلاط قد صرّح مراراً وكتب في مذكراته أنّ “السي آي إيه” قد أنفقت مبلغ 250 مليون دولار لزعزعة لبنان.

في تلك الأثناء كان كيسنجر يراقب ما يجري في حرب لبنان ويسرّ بأنّ المقاومة الفلسطينية واليسار غارقان في أوحال الحرب اللبنانية. ولكن في ربيع 1976 وقد بدا الأمر يتجّه نحو حسم فلسطيني يساري لبناني تدعمه موسكو وقد يسقط لبنان في المعسكر السوفياتي، أخذ القلق يساور كيسنجر. ذلك أنّ نصراً مثل هذا سيؤدّي إلى تدخّل سورية واسرائيل معاً في حرب لبنان، فيتصادما وتنفجر حرب الشرق الأوسط مجدّدًا وتنهار معها مشاريعه بالنسبة الى المحور المصري الاسرائيلي. وإذ سعت سورية واسرائيل لمنع بعضهما البعض من التدخّل في لبنان فوجّهت اسرائيل تحذيراً لسوريا من مغبّة دخول لبنان، إلا أنّ كيسنجر أرسل مبعوثه الخاص السفير دين براون إلى بيروت في 30 آذار، وفي ذهنه أن يورّط سورية لإبعادها عن ملف المفاوضات المصرية الاسرائيلية (شرح كريم بقرادوني الكثير من هذه التفاصيل في كتاب “السلام المفقود”). وكان كيسنجر محاطاً بمعلومات استخباراتية عن قلق سورية من تدخّل عسكري اسرائيلي، وأنّ الأسد كان يضغط بشكل متواصل على عرفات وجنبلاط لوقف القتال وعدم هزيمة الجبهة المسيحية. ولذلك عمد إلى إقناع الأسد أنّه ما لم تتدخّل سورية وتضرب الفلسطينيين واليسار اللبناني فإنّ اسرائيل ستتدخل. وبذلك تتورّط سوريا حسب خطة كيسنجر وتلهي قسماً من جيشها بعيداً عن الجولان وتتأذّى صورتها أمام الرأي العام العربي المتعاطف مع الفلسطينيين، ويُضرب الفلسطينيون وحلفاؤهم في لبنان ويخسر الاتحاد السوفياتي ساحة كانت تعده بالنصر.

وكان شرط القبول الاسرائيلي بخطة كيسنجر أن يبقى التدخّل السوري محدوداً في عدد الجنود ونوع السلاح، وأن يمتنع عن استعمال سلاح الجو وصواريخ سام، وأن يقتصر العدد على لواء واحد جنوب طريق بيروت دمشق وأن لا يتوغّل قريباً من الحدود الاسرائيلية في الجنوب. هذه الشروط قدّمها وزير الخارجية الاسرائيلي ايغال آلون في مذكّرة إلى كيسنجر، وعُرفت بـ”اتفاقية الخطوط الحمر” والتي لم تكن سوريا طرفاً فيها على أي حال. على هذا الأساس عملت ديبلوماسية كيسنجر ضمن مبدئي أنّ أميركا لن تمنع سوريا من التدخّل وأنّ اسرائيل لن تعارض تغلغل الجيش السوري. وهكذا حصل التدخّل العسكري السوري على الضوء الأخضر.

وبدل التهديدات من تل أبيب وواشنطن ضد سوريا، بات كيسنجر ومبعوثه إلى المنطقة السفير دين براون وآخرون ومنذ أوّل نيسان 1976 يشيدون بالدور السوري البنّاء في لبنان.

وبات الخوف الاسرائيلي – الأميركي المشترك ليس أن تدخل سوريا عسكرياً لبنان، بل أن لا تدخل، خصوصاً إذا اتفّق المسيحيون مع جنبلاط وعرفات (اجتماعات بشير الجميّل وكمال جنبلاط) على وقف القتال وبذلك تعدل دمشق عن التدخّل وينتهي احتمال أن تضرب سوريا المقاومة. فبات هدف اسرائيل وأميركا إطالة أمد القتال لفسح المجال أمام دمشق للتدخّل عسكرياً، ولو كانت الإطالة على حساب المسيحيين.

وهكذا بدأت مؤامرة كيسنجر على مسيحيي لبنان.

لقد استعملت أميركا واسرائيل وسائل عدّة لإطالة المعارك عبر طابور خامس وحضر دين براون إلى المختارة للقاء جنبلاط وأعلمه أنّ الإدارة الأميركية متشائمة جدّاً من امكانية عودة التعايش بين المسلمين والمسيحيين، ما فسّره جنبلاط ومعه الحركة الوطنية بأنّه إشارة أو قبول ضمني أميركي للتقسيم، يعطي ضوءاً آخر لمواصلة القتال. كما زار براون ريمون إدّه وأوحى له أنّ قضية المسيحيين خاسرة، وفي حال انهيار المواقع المسيحية فإنّ سفن أميركا جاهزة لنقل المسيحيين إلى أميركا وكندا. ثم التقى براون القادة الموارنة في الكفور، فرنجية وشمعون والجميّل، وأحبط توقعاتهم بأن لا يعوّلوا على العون الأميركي وأنّ المارينز لن يهبطوا في بيروت كما فعلوا عام 1958، وأنّ خلاص المسيحيين هو في المضي في توثيق علاقتهم باسرائيل(5). وهكذا أضيف إلى الحرب ستين يوماً جديداً من أول نيسان إلى 29 أيّار 1976. فكان أول حزيران هو اليوم الذي دخل فيه الجيش السوري لبنان ويوم 12 حزيران تاريخ نشر رسالة إدّه إلى كيسنجر.

(1) Patrick Seale, ASAD of Syria, p. 217.

(2) Henry Kissinger, Years of Upheaval, 1979 and 1982.

(3) Patrick Seale, p. 208.

(4) Patrick Seale, p. 214-233.

(5) Jonathan Randal, The Tragedy of Lebanon, London, 1983, p. 178.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*