أرشيف “النهار” – من دفاتر الأيام الخوالي: “الفصول اللبنانية” التي تركها إدوار حنين وديعة بين يديّ …

  • المصدر: أرشيف “النهار”
  • 22 آذار 2019 | 06:34

من وحي فصل الربيع (تعبيرية – طوني فرنجية).0

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه سيمون عوّاد في “النهار” بتاريخ 22 آذار 2011، حمل عنوان: “من دفاتر الأيام الخوالي: “الفصول اللبنانية” التي تركها إدوار حنين وديعة بين يديّ…”.

تعود معرفتي بإدوار حنين إلى عهده أميناً عاماً لحزب الكتلة الوطنية في مبنى قريب من سينما ريفولي القديمة. يومها، أعجبني جزء من سياحاته، لأنه كإبن بطوطة جاب العوالم والمعالم ولم يترك دولة أو مدينة تعتب عليه، ووصف إنطباعاته في سلسلة كتبها لجريدة “الجريدة” في عزّ صاحبها جورج نقاش ومديرها المسؤول يومذاك جورج سكاف، و”مختصرها المفيد” رشدي المعلوف. وقد لاقت هذه المقتطفات السياحية رواجًا في برنامجي السياحي “أهلاً بكم في لبنان” وشكّلت محورًا من محاور الآداب السياحية.

ومنذ ذلك الحين، نشأت بيني وبينه علاقة وطيدة، إلى جانب العلاقة مع العميد ريمون إده يوم كان يتردد يوميًا على “النهار” وعلى غسان تويني أولاً وميشال أبو جوده، إلاّ أن هذه العلاقة لم تكن على احتكاك دائم إلاّ في سنوات الأحداث التي مرّت على لبنان منذ 1975. فقد شاء الأمين العام لـ”الجبهة اللبنانية” أن يضمّني إلى جناحه الفكري في مجلة “الفصول اللبنانية” التي كان يصدرها بإسم “الجبهة اللبنانية” مع أصدقائي في الأكاديمية اللبنانية: جواد بولس وشارل مالك وفؤاد افرام البستاني، وكان إلى جانب هؤلاء الوزير السابق والصديق الدائم جورج سكاف والعزيز الذي رحل من بيننا نائب نقيب الصحافة آنذاك فاضل سعيد عقل والأب منصور لبكي.

كنا نجتمع عند انتهاء إجتماع أعضاء “الجبهة اللبنانية” ومنهم بعض أعضاء “الفصول” كل ثلثاء، وخلال وصولي المبكر أحيانًا كنت أتحدّث باستمرار إلى الرئيس كميل شمعون فنتداول مجريات الأحداث، ولا سيما أنني أسهمت كثيراً في إنجاز حوارات معه، وخصوصًا ذلك الحوار الشهير في “القضايا المعاصرة”. وأذكر أنه طلب مني إعداد “ملف” عن التصوّر والمنحى الآتي لهذه الأحداث وفقاً لمعطيات أملكها أو استنتجها. وقد أشارت مجلة “الحوادث” في أخبارها التي تُعدّ أسراراً إلى هذا التقرير المهم جدًا. وعندما سألت الصديق سليم اللوزي عن المصدر الذي سرّب هذا الخبر علمت أنه الرئيس شمعون.

لم يكن غريباً أن أعدّ هذا التقرير المفصّل عن الحرب بعدما وضعت جزءًا منه في كتيّب أصدرته لاحقًا قبل “الاتفاق الثلاثي”. وتذكّرت كيف روى لي شارل مالك بعدما أقنعته بأهمية كتابة مذكّراته التي دوّنها بخط رديء يومياً، وهي أشبه بـ”diary”، وأودعها قبل وفاته مكتبة الكونغرس الأميركي وأعطى مفتاحها نجله حبيب. إلاّ أنه آثر أن يُسرّ إليّ ببعض جوانب هذه المذكّرات أو اليوميات في كتاب بعنوان “لبنان إلى أين؟”. ولفتني في مطلع حياته الأكاديمية كيف زاره أستاذ جامعي من كامبردج أوفده إليه المفوّض السامي في القاهرة مستر “كايسي” سنة 1939 إلى ضهور الشوير حيث كان يصطاف مع زوجته إيفا بين أشجار الصنوبر. وقد فهم من رسول كايسي رغبة أنكليزية في كتابة تقرير عن تصوّره لمسار الأحداث في الشرق الأوسط. ورغم تحضيره آنذاك لفصله التدريسي في الجامعة الأميركية في فرع الفلسفة عن أرسطوطاليس، فقد تمكّن من إنجاز تقريره قبل حلول موعد إفتتاح الموسم الدراسي. ومنذ تلك اللحظة بدأت علاقته العليا ببريطانيا العظمى ومن ثم بأميركا العظمى.

مواضيع ذات صلة

  • أرشيف “النهار” – هنري بركات: رجل الاخراج الصعب ونقيضه الشعبي
  • أرشيف “النهار” – لبنان يبحث عن كبار
  • أرشيف “النهار” – بلدة الأمراء أنجبت بشير الشهابي واستضافت لامارتين

وبدوره إدوار حنين تعوّد أن يطلب مني وضع تصوّرات واقتراحات إلى درجة كنت فيها أتعرّض لنقد إحدى الإذاعات في المنطقة الغربية على خلفية العناد والتشدّد في نزعتي اللبنانية في كل هذا. وظللت على هذا التواصل وكان إسمي يُدرَج كمستشار في مجلة “الفصول” قبل أن يعهد إليّ بأمانة إصدارها قبَيْل وفاته، ولا سيما أنه كان ضيف مكتبي اليومي بعد نسف مبنى “الجبهة اللبنانية”. ومن أطرف ما سمعته من الرئيس شمعون، عندما كان يزورنا، إقتراحه أن تجتمع الجبهة في المكتب. فضحكت وقلت له: إن المبنى ليس ملكي، بل مكتبي هو ملكي. وأنا لا أملك حقّ وضع شاغلي المكاتب في هواجس التفجير بعد تجربة “عوكر”، فضحك، وقال: معك حق! ومِمّا أتذكّره عن تلك المرحلة أن حنين طلب إصطحابي إلى بكركي لتهنئة البطريرك الجديد مار نصرالله صفير، وإذا لم تخنّي الذاكرة في نيسان 1986، وقدّمني إليه بثوب فضفاض تعثّرت بأذياله معبّرًا عن تقديره ومحبّته التي تنمّ عن محتده الطيب. ولقد كان له فضل عليّ في مناسبات عدة شاء أن يقرّبني فيها من شخصيات كنت أعرفها، إلاّ أن معرفتي إزدادت وثوقًا بها كالرئيس الراحل شارل حلو. ومنذ عرّفني إليه بأسلوبه المحب نشأت بيني وبين الرئيس حلو وشائج وأواصر أطرى فيها على مؤلّفي “دور الأسر في تاريخ لبنان” بمقدّمة هي من صميم فؤاده وإعجابه.

لن تتخيّلوا كيف عايد والدته في عيد الأم!

ADVERTISING

inRead invented by Teads

ويذكر ميشال المر الذي كان وزيرًا للدفاع كيف أوفدني الرئيس حلو إليه في موضوع شخصي. كما لا أنسى له موقفه الداعم لمجلة “الفصول” يوم تعرقل طلب الإذن بإنزالها في الأمن العام فتدخّل لدى الرئيس الياس الهراوي هو والبطريرك صفير. وكانت حجّة التأخير هي التحقّق الروتيني بعدما زارني ضابطان من الأمن العام وطرحا عليّ أسئلة عن توجّه المجلة، وعلى الأخص ما إذا كنت أعد منبرًا لجبهة لبنانية جديدة! فما كان مني بعد هذا اللقاء إلاّ أن كتبت الافتتاحية على ما دار بيننا وكتبت عنوانًا معبّرًا: “إستنطقوها قبل أن تنطق!”. في تلك الفترة المراوحة تأخيرًا لم أستسلم، ولا سيما أنني ملتزم تجاه المعلنين وشركات الإعلان التي تأتي في طليعتها شركة الراحل الطيب أنطوان الشويري. فعمدت إلى مخرج إقامة إحتفال لإطلاق العدد الأول في “البورتيمليو” ودعوت إليه شخصيات سياسية ورئيس الجمهورية والحكومة وقائد الجيش ومدير المخابرات. وقد أوفدوا ممثلين عنهم وأمّنوا غطاءً أمنيًا للاحتفال. أما التغطية الإعلامية فطلبتها من الـ L.B.C، فأوفدت الصديقة جيزيل خوري التي صورتها بالصوت والمشاهد والكلمات، ولا سيما الكلمة التي ألقيتها وبثتها في برنامجها الصباحي خلال ساعة، ثم اقتُطف جزء منها في نشرة الأخبار المسائية. وهكذا وضعت التأخير أمام أمر واقع عندما وزّعت ما لا يقلّ عن مئتي عدد على الضيوف ومنهم رجال إعلام!

بقيَ أن أقول إنني نجوت بأعجوبة من تفجير مقر “الجبهة اللبنانية”. فقد مرّ عليّ الصديق جورج سكاف وطلب أن نبكِّر في الحضور. فاعتذرت عن موافاته لارتباطي بموعد سابق في المكتب، إلاّ أنه ساءني أن أذهب وأرى الرئيس شمعون وفؤاد افرام البستاني أمام مقر الجبهة وعلى جبينهما آثار دماء وهما يدليان للصحافة بتعليق الى الحادث. ثم قصدت مستشفى سيدة لبنان في جونية لأطمئن على صديقي المحب جورج سكاف الذي نُقل إليها، فوجدت الشيخ فؤاد الخازن يصرخ محتجاً على تركه ممدداً من دون حراك، ظاناً انه قضى.

أود أن أذكر عن تلك المرحلة التي قضاها حنين في مكتبي أنه سألني ذات يوم عن مصير الثلاثماية ألف ليرة التي بقيت من حساب “الفصول”، فاقترحت عليه أن يحوّلها إلى دولار لتحتفظ بقيمتها مع الارتفاع المتواصل في سعر الدولار. وأذكر أنها قاربت العشرة آلاف دولار في ذلك الحين. وفيما بعد جاء شقيقي المهندس حميد ليبلّغني أن ثمة “شاليه” في “نيو كسليك” معروض للبيع بقيمة عشرة آلاف دولار، فقلت لحنين: لِمَ لا تشتريه عوض إبقاء المبلغ في المصرف؟ فاستجاب لهذا الاقتراح وحمى رصيده المتبقّي في “الفصول”. وللحقيقة، فإن تنبّهي لـ”لعبة الدولار” بدأ يوم أشار عليّ ميشال أبو جودة بأن أحوّل ما لديّ إلى دولار مخافة ذوبان الليرة سنة 1976، فما كان منّي إلاّ أن حوّلتها في البنك البريطاني على باب إدريس، وأذكر أن الآنسة حداد الموظفة في البنك حذت حذوي لأنها أدركت أن قراري بالتحويل نابع من معرفة خلال عملي الصحافي. يبقى أن أشير إلى أهمية الدور الذي لعبه فاضل سعيد عقل وجورج سكاف في إغناء موضوعات “الفصول اللبنانية” في مرحلتها الجبهوية وفي المرحلة التي تسلّمتها بعد وفاة إدوار حنين.

رحم الله الطيّبين من رجالنا الذين أعطوا وما أخذوا، لأن الوطن في المفهوم الفكري عطاء وفي المفهوم السياسي أخذ ومصالح مع معظم الذين دأبوا في تقاسم “الجبنة” كما كان يحلو للرئيس اللواء فؤاد شهاب أن يسمّيها في مغانم السياسة والسياسيين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*