أرشيف “النهار” – من برلين الى بيروت مسؤولية الذاكرة

  • المصدر: أرشيف “النهار”
  • 21 تشرين الثاني 2019 | 06:50
    النهار
    https://www.annahar.com/

آثار في بيروت (أرشيفية).

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه بهجت ادمون رزق في “النهار” بتاريخ 22 أيلول 2003، حمل عنوان “من برلين الى بيروت مسؤولية الذاكرة”.

قبل قرابة أربع عشرة سنة، وخلال الاسبوع نفسه، تزامن حدثان تاريخيان، في لبنان والمانيا.

ففي حين كان المجلس النيابي المجتمع استثنائيا في مطار القليعات (شمال لبنان) ينتخب أحد أعضائه، رينه معوض، اول رئيس للجمهورية الثانية بعد الاستقلال (5 تشرين الثاني 1989) انفاذا لمشروع المصالحة الوطنية الذي أقر في الطائف، كان الالمان يهدمون جدار برلين الفاصل بين شطريها الشرقي والغربي (9 تشرين الثاني 1989).

بعد أيام معدودة، بدأ اسقاط رهان الوفاق، والوحدة، ودولة المؤسسات، باغتيال الرئيس اللبناني العائد من تقبل التهانئ بالعيد السادس والاربعين للاستقلال (22 تشرين الثاني 1989).

الهدف المباشر والاساسي الذي ترسّمه اللبنانيون والالمان واحد: اعادة توحيد الوطن، بدءا بالعاصمة.

… وقامت معا ورش الاعمار: اعمار بيروت الموحدة، واعمار برلين الموحدة. وسرعان ما شيدت المباني الجديدة في وسط بيروت، وفي وسط برلين. لكن الصعوبة لم تكن في البناء الحجري والمادي فحسب، بل في اطلاق الانسان الحي من عقاله، فاعمار المكان هو، ايضا، اعادة الاتصال في الزمان، اي المحافظة على الذاكرة.

ان برلين، كما بيروت، عاشت الانشطار النفسي في الشعب الواحد: حرب الايديولوجيات في المانيا، وحرب الطوائف في لبنان. وبرلين، كما بيروت، عادت تبحث، بعد جيل ضائع، عن هويتها. فالمرء لا يملك المكان وحده اي المساحة السطحية، بل عليه ان يمتلك الداخل، من عمق تجربته التاريخية والانسانية، ومن خلال رموزه (الصراع المستميت على اورشليم القدس دليل ساطع على هذا التوجه). ويحار الانسان، حين يواجه أزمة صاعقة تمس كيانه، بين ما اذا كان الاجدى نسيانها، وانكار حصولها، أو محاولة فهمها وعقلنتها، بغية تخفيف احتمال تكرارها.

والحق ان المسؤولين، في بيروت وفي برلين، اعتمدوا سياسات مختلفة، ففي برلين آثروا فهم الاعصار الذي حل بهم، فكرسوا جهدا لقيام أمكنة للذاكرة. تشكل “كنيسة الذاكرة” وسط برلين، رمزا مذهلا وحيّا للحرب العالمية الثانية، فالكنيسة التي شيدت لذكرى الامبراطور غليوم الاول، وانتصاره على الفرنسيين سنة ،1870 دمرها القصف سنة ،1943 فحُفظت على حالها، وهي تنتصب اليوم ركاما، تجاه مركز اوروبا التجاري، والمكان مخصص لرسالة السلام. كذلك يظهر باب “براندبور” قوس النصر القائم في مواجهة البرلمان الالماني (ريشتاغ) ر مزا آخر لبرلين، وجدارها الشهير، فهناك كانت نقطة الفصل بين برلين الشرقية وبرلين الغربية، ولقاء الجدار مع التاريخ. وقد شيد الباب بين 1789 و،1791 على مثال اكروبول اتينا، وعلى قمته عربة خيل موجهة شرقا، نحو المدينة، عنوانا للسلام، وكان هتلر قد وجه العربة غربا، رمزا للفتوحات. اليوم، عندما نعبر باب “براندبور” نجد داخل النصب نفسه “قاعة للصمت” تدعونا للخشوع والتأمل، في ابعاد ذكرى ذلك الحائط. كما نجد، على مسافة قصيرة، رموزا عدة تشير الى ذكرى الذين سقطوا، فيما كانوا يحاولون اجتياز الحائط، كذلك الحال عند موقع المراقبة “تشارلي” (شيك بوينت شارلي) وهو الممر الوحيد للسيارات والمشاة بين برلين الشرقية وبرلين الغربية (أنجز الحائط في 13 آب 1961 وهدم في 9 تشرين الثاني 1989). أما المعبر الثاني فكان محطة القطار في شارع “فريديريش” وكانت تسمى آنذاك “قصر الدموع” نسبة الى مآسي الفراق والانسلاخ التي شهدتها هذه المحطة. وكان القطار النفقي يمر في شارع فريديريش من دون توقف، لأن المحطات اقفلت وسدّت المنافذ.

لكن ما بالنا وكل ذلك، فالهدف ليس تعداد تاريخ برلين، بل فهم روح المدينة. فكل مدينة لها تاريخها، أحزانها وأفراحها، والحكومة الالمانية خصصت متحفا لتاريخ برلين، يعرض مراحل تطور المدينة. الهدف هو التفتيش عن الذاكرة، والحفاظ عليها. فالمساحة لا تكفي للتعريف، بل تجب العودة الى العمق، الى الجذور الاساس، ويتحتم تحمل مسؤولية الاخطاء لتجاوزها. فالحرب العالمية الثانية، وانشطار المدينة الى جزءين، هما في صلب فهم برلين وتطورها.

… أما في بيروت، فنفاجأ بأن الاثار التي اكتشفت في وسطها، والتي تدل على وجود المدينة الفينيقية، قبل الرومانية، تكاد تندثر من الاهمال، حتى لكان ربما من الافضل ان تظل مطمورة، لكي تبقى سليمة للأجيال القادمة (“النهار،” الجمعة 8 آب 2003 بعنوان: الاهمال يجتاح المواقع الاثرية في وسط بيروت). أما مشروع “حديقة السماح” في موقع المعابد، فلا يزال تائها، وساحة الشهداء خالية من تمثال شهداء ،1916 كما لا نرى اي نصب يذكرنا بالحرب اللبنانية وشهدائها. لقد عادت “ساعة العبد” الى ساحة النجمة، امام البرلمان اللبناني، في الوسط التجاري الذي اصبح المكان المفضل لتدخين “الاراكيل” بين بيروت الغربية وبيروت الشرقية. لكننا لا نزال نتساءل اين النصب الذي يمثل بيروت المدينة، ويحيي ذاكرتها؟ وما هو؟

ان ذاكرة الحرب اللبنانية أليمة جدا، حتى لقد ادّعى بعضهم، عن حسن نية طبعا، انها حرب الآخرين على أرض لبنان، لكي ينسى اللبنانيون انهم تقاتلوا، وتذابح الاخوة. قال لي محدثون في العاصمة الالمانية، ان اكثر من نصف سكان برلين الغربية، طالبوا بالمحافظة على قصر الجمهورية، قرب كاتدرائية برلين، لانه كان قصر الشعب، حتى ،1990 في برلين الشرقية، رغم ان المبنى قبيح للغاية، وباهظ الكلفة، لكنه جزء من ذاكرتهم، فهناك جيل عاش تجربة خاصة به، ولا ندري ما اذا كان علينا الاعتراف بها أو انكارها. فالمشكلة مع الالم، والحزن، والفراق، والموت، ان النسيان قد يطويها، او تبقى حية فينا، فتظل تراودنا الى ما لا نهاية.

الحرب “الأهلية” اللبنانية مقيمة في ذاكرة اللبنانيين على اختلافهم، وهذه التجربة الفاجعة المشتركة بينهم، اذا ما تم استيعابها بطريقة عقلانية، قد تؤدي الى الاعتراف بالآخر، وتساعد على تأسيس لبنان الغد، بعيدا عن العنف القابع في نفوسنا. ومن لا ذاكرة له، لا غد ينتظره. فالشعوب بحاجة الى ان تعي حقيقة ماضيها، لكي تطل على المستقبل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*