الرئيسية / مقالات / أرشيف “النهار” – ماذا بقي من التيار العوني؟

أرشيف “النهار” – ماذا بقي من التيار العوني؟

  • المصدر: أرشيف “النهار”
  • 13 تشرين الأول 2019 | 06:50

الرئيس عون (أرشيفية).

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه فؤاد عون في “النهار” بتاريخ 14 تموز 1999، حمل عنوان “ماذا بقي من التيار العوني؟”.

لأكثر من عشر سنين مضت كان التيار العوني، التيار الذي اصبح القاسم المشترك للشعب اللبناني، فجعله وهو المعروف بتعدد قياداته واتجاهاته وعقائده وعصبياته واديانه ومذاهبه، قسمين فقط: مع التيار او ضده. هذا التيار الذي كان يحشد على طريق قصر بعبدا وفي ساحاته، وباعتراف وسائل الاعلام في حينه، جماهير ضاهى عددها نسبيا الجماهير التي كانت تحتشد في القاهرة ايام عز الرئيس عبد الناصر وفي عواصم عربية واقليمية اخرى ايام عز قادة هذه العواصم، هذا التيار هو ثمرة معاناة الشعب والوطن خلال سنوات عدة، كان لبنان خلالها ينتقل من محنة الى محنة ومن وصاية الى وصاية، سيادته منتقصة وحريته معدومة وقراره مصادر والخارجون عليه وعلى قانونه يتقاسمونه مناطق نفوذ ويبنون الحواجز والمتاريس ويقيمون الحدود بين ابناء شعبه الواحد لينشئوا دويلات الزواريب والاحياء والقرى بهدف تقسيم المؤسسات لاستيعابها والسيطرة عليها وتذويبها وصولا الى الحلول مكانها. هل استقى التيار العوني مبادئه ونظرياته وافكاره من كتاب “ويبقى الجيش هو الحل؟” وهل كان هذا الكتاب النظام الاساسي للتيار العوني؟ نعم، قال الكثيرون في حينه ولا يزالون، نذكر بعض اقوالهم على سبيل المثال، ففي احد كتبه قال احد كبار السياسيين في لبنان: “الكتاب – ويقصد كتاب “ويبقى الجيش هو الحل” – تبنّته قيادة الجيش، فهي التي نشرته ووزعته وعمّمته وروّجت له. وعنوان الكتاب هذا كان ايضا عنوانا لخطة سارت عليها قيادة الجيش لمدة من الزمن. عجبا كيف التزم العماد ميشال عون وصايا العميد فؤاد عون بدقة متناهية، وكأنما الكتاب هو الكتاب المقدس لقيادة الجيش في زمن عون”.

قال احد كبار الصحافيين (الذي تولى الوزارة اخيراً ) في جريدة “السفير الصادرة بتاريخ 17/3/1989: “وثيقة بقلم قيادة الجيش تروي احلام العماد للسنوات الثلاث المقبلة. برنامج عون: من المارونية السياسية الى المارونية العسكرية. خطة مكتوبة تحدد وسائل الاستيلاء على الحكم وتعطيل انتخابات الرئاسة ودور المجلس النيابي. اخطر ما في الكتاب انه يتحدث عن برنامج الاستيلاء قبل حلول الاستحقاق الدستوري بأشهر، وهو برنامج تشهد البلاد منذ اشهر تنفيذا حرفيا لبنوده”. لن اناقش السياسي الكبير والصحافي الوزير، اللذين احترم اراءهما وافكارهما واقوالهما، ولكنني الفتهما الى انني وضعت الكتاب وحدي وتحمّلت تكاليفه من مالي الخاص وخصصت ريعه لمعوقي الجيش وعائلات شهدائه علّه يخفف بعضا من آلامهم، ووزّعته على الاصدقاء والاصحاب وطلبت اليهم دفع ما يريدون في حساب شهداء الجيش الذي فتحته قيادة الجيش في بنك عودة فرع الحازمية. هذا التيار وصل الى السلطة في 23 ايلول 1988 بطريقة دستورية وبدون بلاغ رقم واحد متمثلا بالحكومة التي شكّلها رئيس الجمهورية وضمن صلاحياته الدستورية، برئاسة العماد ميشال عون قائد الجيش وعضوية آخر مجلس عسكري وامضى في السلطة سنتين وعشرين يوما واخرج منها في 13 تشرين الاول 1990.

هذا التيار، اين هو الآن بعد مرور اكثر من عشر سنين على انطلاقته والى اين يسير ويتجه؟ هل لا يزال القاسم المشترك للشعب اللبناني، ام انه ضاع وانحلّ كغيره من التيارات والاحزاب؟ هل لا يزال القوة الكبيرة التي اخافت خصومها، فضيّقوا عليها ومنعوا عناصرها من التعبير عن آرائهم فجعلوهم كبش محرقة يوقفونهم ويزجون بهم في السجون عند مطلق حادث او اخلال بالامن او حتى عند ظهور بعض المناشير على الطرقات وبعض الكتابات على الجدران ويتهمونهم بتهديد السلم الاهلي وتخريب الامن القومي، وبعد فترة يفرجون عنهم ويُبقون قضاياهم عالقة امام المحاكم؟ للاجابة عن هذه التساؤلات لا بد من تقويم ما حدث في 13 تشرين الاول 1990 وتحديد الاسباب التي ادت الى ذلك انطلاقا من اداء حكومة العماد عون خلال توليها السلطة. 13 تشرين الاول 1990 هو التاريخ الحدث في مسيرة الوطن الاخيرة، هو التاريخ الذي تضاربت حوله المواقف والآراء، هو التاريخ الذي لم يُجمع اللبنانيون عليه وعلى ما حدث فيه، هو التاريخ الذي اعتبره رجال الطائف ومن يؤيدهم من اللبنانيين الحد الفاصل لانهاء الازمة اللبنانية، هو اليوم الذي تم فيه انهاء حال التمرّد التي كان يمثلها العماد ميشال عون وحكومته والتيار العوني، هو اليوم الذي انطلقت فيه مسيرة توحيد لبنان شعبا وسلطة ومؤسسات.

في المقابل هو التاريخ الذي يعتبره التيار العوني ومن يؤيده من اللبنانيين يوم الانقلاب العسكري على السلطة الشرعية في لبنان، يوم فقدان الحرية والاستقلال والقرار الحر، يوم توقّف تاريخ لبنان الاستقلال الكامل وبدأ تاريخ لبنان الاستقلال الذاتي. هكذا وبلغة المنتصرين في المعركة قضي على التمرّد وتم توحيد المؤسسات وخصوصا مؤسسة الجيش اما في لغة الخاسرين فقد انتهى عصر الحرية والكرامة. واننا نترك للتاريخ وحده الحكم على صحة احدى هاتين اللغتين وخطأ الاخرى. بعد الذي حدث في 13 تشرين الاول 1990 لا بد من تذكر الظروف والاسباب التي ادت الى اخراج التيار من السلطة. هل كان التيار هو السبب الرئيس في خلق هذه الظروف والاسباب ام انه ساهم في خلقها فقط؟ ما هي الاخطاء التي ارتكبها؟ هل كان في امكانه تلافي هذه الاخطاء في حال ثبوت حصولها؟ ان تقويم اداء حكومة العماد عون يفرض على من يقوم بذلك ان يضع نفسه في الاجواء والظروف ذاتها، التي كانت تمارس فيها الحكومة السلطة ويسأل هل ان القرارات التي اتخذتها حكومة العماد عون في حينه كانت صائبة ام خاطئة؟ وهل كان سيتصرف هو في شكل افضل؟

كما لا يحق له وبعد مرور اكثر من عشر سنوات على تلك الاحداث القول ان حكومة العماد عون قد أخطأت وكان عليها ان تتصرف على النحو الآتي… وان ترى وتقدّر هكذا… وان تقوم الاوضاع في شكل آخر… وان وان… ان تقويما لا يأخذ في الاعتبار ما سبق يعتبر تجنيا وانحيازا ولكن بما بانني كنت جزءا من السلطة في حينه واعتبر نفسي مسؤولا كغيري عما حدث وسبق ودفعت ثمن مسؤوليتي ربما اكثر من غيري، وبما انني لن افتش عن الاعذار واحمّل المسؤولية لغيري ولن اتهرب من دفع الثمن ثانية اذا اقتضى الامر. وحفاظا على تراث التيار وبراً بتضحيات الكثيرين من عناصره في سبيل لبنان حرّ، سيد، مستقل، اقول انه كان على قيادة التيار ممثلة بالحكومة ان تتصرف حيال بعض الاحداث التي واجهتها على الشكل الآتي:

اولا- على الصعيد الداخلي

أ- امهال الوزراء المتخلفين فترة قصيرة للانضمام الى الحكومة، ولما لم ينضموا اليها، العمل على تعيين بديلين عنهم مع العلم ان هناك الكثيرين من العسكريين والمدنيين الذين كانوا جاهزين للانضمام الى الحكومة في حال تمت دعوتهم رسميا. ان هذا التدبير كان اكثر من ضروري لاشعار الجميع وخصوصا معارضيها ان الحكومة واثقة من شرعيتها ودستوريتها وجادة في تحمل المسؤولية والامساك بالسلطة وبالاوضاع في البلاد.

ب- اجراء حركة تشكيلات واسعة بين وظائف الفئة الاولى وازاحة غير الملتزمين باوامرها ووضعهم في التصرف وتعيين بديلين عنهم للامساك بالادارة وتسييرها بشكل يُشعر المواطنين ان مصالحهم مصانة وامورهم موضع اهتمام الادارة.

ج- تخلي اعضائها عن وظائفهم العسكرية وتعيين بديلين عنهم وخصوصا في قيادة الجيش ورئاسة الاركان والمفتشية العامة. د- التخلص او تنحية بعض العناصر الذين كانوا يلعبون على الحبلين (رجل في الفلاحة ورجل في البور) وهذا ما اكدته الايام القليلة التي تلت 13 تشرين الاول 1990 حيث ابقي بعض هؤلاء في وظائفهم الحساسة او اوكلت اليهم وظائف مهمة او حساسة جديدة في وقت كان المفترض ببعضهم ان يكون في عداد المعتقلين.

ه- معالجة اوضاع الميليشيات منذ اليوم الاول لتسلمها السلطة بشكل حازم وعدم السماح لهم في التطاول على سلطة الحكومة حتى لو اقتضى الامر استخدام القوة معها والعمل في الوقت نفسه على استيعاب عناصرها في اجهزة الدولة العسكرية والمدنية. وهذا امر كان اكثر من ضروري وملحّ لأن الحكومة اضطرت في وقت لاحق للدخول مع الميليشيات في صراع عسكري كان له الأثر الاكبر في تفشيل الحل وفي اخراج التيار من السلطة.

و- عدم السماح للنواب بتأمين نصاب قانوني خارج نطاق سلطتها حتى لو اقتضى الامر منعهم من ترك هذا النطاق والسفر، او حتى حل مجلس النواب بمجرّد اجتماعهم خارج لبنان او حتى خارج نطاق سلطة الحكومة وليس بعد موافقتهم على اتفاق الطائف.

ثانيا – على الصعيد الاقليمي

أ- اذا كانت الحكومة قد اصابت في عدم اقامة اي اتصال مع اسرائيل، لكن كان عليها ان تحسن قراءة الاوضاع الاقليمية وتحسن فهم الثوابت في سياسة الدول العربية وتكتشف مواقع القوى العربية الفاعلة والاهمية التي تشكلها هذه المواقع بالنسبة الى السياسة الدولية. من هنا كان على الحكومة ورغم الصعوبات التي كانت ستواجهها والتضحيات التي كانت مضطرة لتقديمها والثمن الذي قد تجبر على دفعه ان تتلافى استعداء سوريا نظرا لمدى تأثيرها على سير الاوضاع في لبنان وللاهمية التي كانت تشكلها بالنسبة لقضية الشرق الاوسط وحاجة السياسة الدولية لها في هذا المجال. كان يمكن تلافي الاستعداء من خلال: – تكثيف الاتصال لشرح سياسة الحكومة وطمأنة السلطات السورية الى النيات الصادقة للتنسيق معها انطلاقا من الجغرافيا والتاريخ، للوصول الى علاقات واضحة واخوية. – حسن اختيار الوسطاء الصادقين والراغبين فعلا الوصول الى نتائج ايجابية بين الطرفين. – تلافي اقامة العلاقات مع بعض الاطراف العربية المعادية لسوريا او التي تطمح للنيل منها.

ب- كان على الحكومة أن لا تعتمد كثيرا في اتخاذ قراراتها وتحديد توجهاتها ورسم سياستها وخصوصا تجاه سوريا على مبادرات جامعة الدول العربية وخصوصا اللجنة الوزارية العربية السداسية ولجنة القمة العربية الثلاثية، نظرا الى ان هذه المبادرات تبقى مبادرات وربما تمنيات وغالبا ما تكون خجولة وعرضة للتغيير عند اول صعوبة او مقاومة وخصوصا اذا كان يتعلق في حق اللبنانيين في تقرير مصيرهم وفي شكل يزعج احد الاطراف العربية.

ثالثا- على الصعيد الدولي بعد تأكدها من اصابة الاتحاد السوفياتي بالوهن وانفراط عقد جمهورياته وسقوطه من مستوى الدولة العظمى وبقاء الولايات المتحدة الاميركية الدولة العظمى الوحيدة في العالم، كان على الحكومة ان تُحسن قراءة هذه المتغيرات وان تحيط نفسها بالمستشارين الذين لديهم الخبرة الكافية بمرتكزات السياسة الاميركية وكيفية اتخاذ القرارات فيها وكيفية توزيع القوى داخل السلطة، وان تتلافى استعداءها محافظة على قنوات الاتصال مفتوحة على مصراعيها نظرا الى العلاقات الجيدة جدا التي كانت تربط العماد عون خلال توليه قيادة الجيش بأكثر من موقع من مواقع اتخاذ القرار في الولايات المتحدة الاميركية ولأنها كانت تعتبر ضمنا ان حكومة العماد عون هي الحكومة الشرعية في لبنان، يؤكد ذلك حضور سفيرها احتفالات عيد الاستقلال عام 1988 في اليرزة وليس في مكان آخر.

كما كان على الحكومة ان تتلافى الخطأ الكبير الذي ارتكبته في السماح بالتظاهر ثم الاعتصام امام السفارة الاميركية في عوكر الشيء الذي اتخذ منه السفير الاميركي حجة ليوغر صدر ادارته على الحكومة ويحملها على اتخاذ قرار اجلاء طاقم السفارة من لبنان. كم كان حريا بالحكومة التنبه الى النوايا السيئة عند الذين قادوا هذه التظاهرة ونظّموا هذا الاعتصام، فكأنهم كانوا يعملون ضد مصلحة الحكومة وربما بتحريك من اعدائها وخصومها. بعد مضي تسع سنوات على اخراجه من السلطة، يصحّ ان نسأل انفسنا ونقول: أين هو التيار حاليا وما هو وضعه وما هي تطلعاته المستقبلية بعدما حدث تغيير كبير في الوضع السياسي الداخلي في لبنان وبدأ عهد جديد برئاسة العماد اميل لحود الذي تعهد اخضاع الجميع للقوانين المرعية الاجراء بدءا به شخصيا وباحترام الحريات التي يعطيها الدستور اللبناني وبتأمين العمل السياسي للجميع ولكن تحت سقف القوانين. على هذه التساؤلات سنجيب في مقال آخر قريبا.

اضف رد