أرشيف “النهار” – ليس لأحدٍ أن يعلّمني حبّ بيروت

  • المصدر: أرشيف “النهار”
  • 7 آذار 2019 | 21:38

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه أدونيس في “النهار” بتاريخ 20 تشرين الثاني 2003، حمل عنوان “ليس لأحدٍ أن يعلّمني حبّ بيروت”.

قرأت، بحرصٍ شديد، ما كتب حول: “بيروت اليوم، أهي مدينة حقّاً أم أنها مجرّد اسْم تاريخيّ؟”.

حَفِلَتْ بعض المقالات بأشياء كثيرة غير لائقة، وهي إهانة للحقيقة وللّغة، ولبيروت نفسها. لذلك أهملها ترفّعاً وعلوّاً. وحفل بعضها الآخر بأفكار وآراء أفدت منها كثيراً، غير أنني لا أقدر أن أناقش كتّابها، واحداً واحداً، في هذه المقالة، لا لضيق المجال وحده، وإنما لضيق الوقت كذلك.

وأودّ أن أشكرهم جميعاً بأسمائهم، وفقاً لتسلسلها الأبجدي: عباس بيضون، شوقي بزيع، محمود حداد، الياس خوري، أنطوان الدويهي، جهاد الزين، طلال سلمان، وضاح شرارة، محمد علي شمس الدين، سمير عطالله، حسام عيتاني، عيسى مخلوف، عبده وازن.

وسوف أعود في مقالاتٍ لاحقة إلى مناقشة بعض القضايا المهمة التي أثاروها.

– 2 –

لم تكن هذه المحاضرة عن واق الواق، أو عن مدينةٍ لا عمرَ لها، أنشأها المقاولون والتّجار. لا قضية لها غير مجرّد السكن. لا أفق غير مجرّد الاتّجار. كانت المحاضرة حول مدينةٍ عريقة. مدينةٍ لا أرى نفسي، بِصحّتها الكاملة، إلاّ فيها – عندما أتمرأى في مرايا العالم. مدينةٍ أعشقها. وبقوّة هذا العشق وسيطرته، لا أقدر أن أراها إلاّ جميلةً وكاملة. لا أقدر أن أتحمّل ما يُضفي عليها البشاعة، أو ما يحيل جسدها إلى مجموعةٍ من الركام. مدينةٍ لم يكتب عنها أحدٌ من أبنائها، كمثل ما كتبت عنها، شَغْفاً، وتولّهاً، واستشرافاً. فبيروت كمثل موسيقى خافته حيناً، جهيرة حيناً، تتغلغل في جميع ما كتبته، نثراً وشعراً، منذ ولدتُ فيها، كما كرّرتُ مراراً، ولادتي الثانية -شعريّاً وثقافيّاً. وباسم هذا العشق أرفض، قطعيّاً، أن يعلّمني أحدٌ، أيّاً كان، حُبَّ بيروت. إنّها وجهيَ – كلّما نهضت، صباحاً، ونظرت في المرآة، أسألها عِبْرَ وجهي: كيف أنتِ، كيف أصبحت، وماذا ستفعلين، اليوم؟ وباسم هذا العشق أرفض، قطعيّاً، أن يذكّرني بها أحدٌ أيّاً كان.

وباسم هذا العشق نفسه، حاولت أن أشعل “حرباً” ثقافيةً، لعلّها تساعد في جلاء صورتها، وفي جلاء العلاقة بينها وبين أبنائها ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.

– 3 –

أعرف أن في بيروت شعراء وفنّانين وكتّاباً ومفكّرين – نساءً ورجالاً، بارزينَ، مبدعين. أعرف أنّ فيها مهندسين ومحامين وقضاةً كباراً. أعرف أن فيها سياسيين بارعين. أعرف أنّ فيها صحافيين ورجالَ إعلام تزدهي بهم حياتنا اليوميّة. أعرف أن فيها رجالَ دينٍ يتمنّى الفضاء أن يكون شريكاً دائماً لهم في توجّههم إلى الله. أعرف كذلك أنّ في بيروت نساءً هُنّ بين أعمق نساء العالم، وأكثرهنّ بهاءً.

بهذه المعرفة نفسها ساءلت بيروت ? ساهراً عليها، مستيقظاً فيها، معرّياً إيّاها لكي أحسن رؤيتها، كما هِيَ، خارج التوهّم “اللبناني”، وخارجَ اللّبْنَنَةِ البلاغيّة. لكي أرى كيف ولماذا سكتت على قتل أبنائها: أنطون سعادة، رياض الصلح، كمال جنبلاط، موسى الصّدر، بشير الجميّل، رنيه معوّض، رشيد كرامي، صبحي الصّالح، إدوار صعب، يوحنّا مارون، حسن خالد، كمال الحاج، حسين مروّه، حسن حمدان، ابراهيم مرزوق، توفيق يوسف عوّاد، سامية توتونجي، وعدد آخر كبير، يعرفهم الجميع، ويشكّلون جزءاً ضخماً من تراث لبنان، قتلوا بالرصاص، وقتل غيرهم بالهجرة، أو بالإهمال.

وبهذه المعرفة ساءلت ثقافة بيروت لكي أتفهّم كيف ولماذا هي كذلك “تقتل” يوميّاً مبدعيها – جبران خليل جبران، جورج شحادة، يوسف الخال، فؤاد غابريال نفّاع، سعيد تقي الدين، ناديا تويني، ميشال شيحا، عبد الله العلايلي. “تقتلهم” بإهمال إبداعاتهم وأحلامهم: لا تحتضنها، لا تحتفي بها، كما يجدر بمدينة عظيمة. وكيف ولماذا انطفأت الشُّعَل الثقافية الخلاّقة التي مثّلتها مجلّة “المكشوف” ومجلة “شعر”، مجلّة “مواقف” ومجلّة “آفاق” ومجلّة “الآداب” وغيرها. وكيف ولماذا تواصل قتل المسرح ومؤسساته وقتل الموسيقى والفنّ إلى جانب الجامعة الوطنية والمدرسة الرسمية والعلم، في عزوف كلّي عن توفير المناخ الضروري للبحث والإبداع في مختلف الميادين، الإبداع الذي لا معنى لبيروت إلاّ بدءاً به، ومنه، وفيه، لأنه هويتها وأفقها.

وكيف ولماذا تناهبَتْ ثرواتِ أهلها، في حربها الأهلية، في المصارف والأسواق – وتوحّدت فيها، في هذا كلّه، “الثورة” و”الرّجعة” في ثوب واحد. ثمّ كيف لم يُنظّم بعد نهاية تلك الحرب الطويلة المعقّدة أي مؤتمر وطنيّ لبحث أسباب قيامها وظروفها ونتائجها، ولاستخلاص العبر والدروس ورؤية المستقبل؟

وبهذه المعرفة كنت أسأل نفسي دائماً: كيف يمكن لمن يحب بيروت الكريمة، أَلاَ يزلزل ما يشوهها؟

– 4 –

مع ذلك، يبدو أنني أشعلت حرباً أهليّة ثقافيّة. سوء نيّة؟ سوء تفاهم؟ أم ماذا؟

ما يمكن استنتاجه، وهذا هو الفاجع، أنّ حرية الرأي والنقد ليست مهدّدة من قبل السلطة بقدر ما هي مهددة من المواقع التي يُفترض فيها الكفاح من أجل حرية الاختلاف وحرية النقد.

مع ذلك لن أقول: “لهم بيروتهم، ولي بيروتي”. سأقول على العكس: لنا جميعاً بيروت واحدة.

ربّما فهُم نقدي لبيروت فهماً تقليديّاً. ليس النقد، في تقاليدنا، أن ترجّ الأسس ذاتها، أن تَعيد النّظر جذريّاً، توكيداً لاهتمامكَ وارتباطكَ بما تنقده، ولأهميّة ما تنقده. هكذا لا تزال بيروت، كمثل شقيقاتها العربيّات، توحّد النّقدَ بالهجاء والذمَ والشّتيمة، وبالتّحقير والنّبذ. وهذه نظرةٌ ثقافيّة تصدرُ عن نظرةٍ دينية: لا يُنقَد المقدّس. وللمقدّس الغيبيّ انعكاساتٌ وصورٌ في الحياة وفي الأشياء المرئية. هكذا لا يجوز نقد المقدّس الوطني، أو الاجتماعيّ أو الأخلاقيّ أو السياسيّ. وكما أنّ النبوّة لا تُنقَد، فالمَلِكُ هو كذلك، لا يُنقَد. والسؤال هو: كيف يتبنّى هذه النّظرة تقدميو بيروت وعقلانيّوها، كما يتبنّاها رجعيّوها، تماماً؟ لكنه سؤال يقودنا إلى مشكلاتٍ أخرى، ليست هذه المقالة مكاناً لها.

أن تنقد الواقع أو “الشر”، وفقاً لهذه النظرة، هو أن تمدحَ المُرتجَى، وتمجّد “الخير”: ذهنيّة دينيّة – إيديولوجيّة. لا يجوز أن تُرى الأشياء، في حقيقتها الواقعيّة، إلاّ عِبْر “حقيقتها المأمولة”. لا بُدّ من الرّبط بين الكائنِ وما ينطوي عليه، أو ما نسقطُه عليه من الجمال والخير والأمل. خصوصاً أن الواقع “هنا” عندنا، جنَّةٌ، قياساً إلى الواقع “هناك”، عند “غيرنا”! أيكون هذا نقداً، أم يكون نوعاً آخر من الصَّلاة؟

بالنّسبة إليّ، لا أنقد إلاّ المُهمَّ وما يَهمُّني. ولن أكون في نقدي لحاضر بيروت أقلّ جذرية من نقدي للحاضر العربي في “بيان 5 حزيران 1967”. وقد نقدت بيروت لسببٍ أساسٍ أصوغه كما يلي:

أينما ذهبت في العالم كلّه، أقرأ أوّلاً كتاب بيروت، وأتكلّم أوّلاً لغة بيروت.

ولقد نقدتُها كأنني أنقد نفسي.

“الآخر” – وهو هنا بيروت وغيرُها – هو الوسط الذي يتكوّن فيه “الأنا”. ويحسُنُ ويستقيم تكوّنُ الأنا، ويزدهر ويعلو ويمتدّ، بقدر ما يكون هذا الوسط ميداناً حيّاً له، للتّساؤل، والبحث، والرّفض، والتمرّد. بقدر ما يكون ميدانَ صراع خَلاّقٍ، وخصام حميم عظيم، بين هذا الأنا، وهذا الآخر.

عَرّف “لا كان” نفسه مرّةً، بقوله: “أنا قارئ فرويد”. والمعنى العميق وراء هذا القول البسيط هو أنّ فرويد لم يُقْرَأُ حَقّاً، أي لم يُنقد، قبل “لا كان”.

كم لبنانيّاً يمكن أن يقول بتواضعٍ وصدقٍ، وبهذه الدّلالة اللاّكانيّة: “أنا قارئ بيروت”؟

بلى، إن ثمّة محنةً هائلةً في قراءة بيروت، ليس لأنّها غامضة، عصيّة، وإنما لأنّها محجوبةٌ بمختلف أنواع “المقدّسات”. وما يقال هنا عن بيروت، يقال كذلك عن شقيقاتها – المدنِ العربية، ويُقال عن العرَب أيضاً.

– 5 –

في بعض النّقد السائد ما يصدر عن عقدةٍ أسمّيها “عقدةَ الانتماء”. الانتماء المذهبيّ السياسيّ الإيديولوجيّ. والنّاقد هنا يتقمّص شخص العلاّمة الطّاغية الدّاعية. ويصل هذا الوضع النقديّ إلى مستوىً موغلٍ في التعفّن:

شخصٌ يقوم بعملٍ أو بكتابةٍ فَيُدان حَتّى درجة التّخوين،

شخص آخر يقوم بالعمل نفسه وبالكتابة نفسها، لكن لا تقال ضدّه أيّة كلمة. على العكس، يسري “تعليمٌ” بضرورة التكتّم الكامل عليه.

الانتماء؟ يُسعدني ألا يكون لي انتماءٌ إلاّ للإنسان في ذاتهِ، ولذاتهِ. إلاّ لِلّغة التي أكتب بها، والنصّ الذي أكتبه، والعمل الذي أقوم به. يسعدني ألاّ تكون لي هويّة مسبقة، جاهزة، مختومة، ونهائية. أن تكون هويّتي صيرورة مفتوحةً بلا نهاية. أن تكون مزيجاً مركّباً من الثقافات كلّها. يسعدني ألا تكون حياتي شجرةً، بل غابة. ألاّ تكون بحيرةً، بل محيطاً. ألاّ تكونَ هَبّةَ ريحٍ، بل وردةَ رياح.

وما يضير “هويّة” بيروت، إن قلتُ إن وضع “التّعليمَ” فيها عقبةٌ هائلةٌ في وجه العلم؟ إن قلت لا هويّة لها إلاّ بِقدْر ما تعرف كيف تجعل من تراثها موجةً حيّةً في خِضمّ حياتها الزّاخرة، وكيف تخلصُ من سِجْنِ “الجْمع” إلى فضاء الفرد، وكيف تخرج من المؤسّسة الدينيّة المغلقة إلى الإيمان الحُرّ الطّليق، وكيف تَتجاوَزُ الشَّرْعَ إلى الشعر؟

بلى، بيروت “هويّة” – نَصٌّ لم يقرأ حتى الآن إلاّ قراءة مذهبيّةً ? فما يضيرها إن قلت: حان الوقت لكي تُقرأ ثقافيّاً. لكي تُقْرَأ لا بوصفها “جوهرةً”، بل بوصفها كوكباً من البشر والحجر والتراب يدور في فلك التّاريخ، وفلك العالم الرّاهن؟

– 6 –

الطائفة، اليوم، في بيروت، تخرج من “دِينيّتها” وتصبح حزباً سياسياً. إنها ظاهرةٌ تُضْمِرُ تطوّراً يقلب جميع الأسس التي قام عليها لبنانُ – البدايات. بل يمكن القول إن لبنانَ هذا مهدّد بخطر الانتهاء.

وكانت الطائفيّة في لبنان تملك عَقْلَ الإنسان، واليوم أخذت تملك جسمَه كذلك. أصبح اللّبناني أسيرَ طائفته على نَحْوٍ كامل، عقلاً وجسماً. صار مستعبَداً في عمق أعماقه. مجرّدَ رَقْمٍ، مجرّدَ شيء. وفي هذا تلتقي البنية الطّائفيّة بالبنية الفاشيّة.

ومَن المواطِنُ البيروتيّ، اليوم؟ إنه عامُلٌ في بنيةٍ هي التي عَملته. إنه يتحرك داخلَ سجنٍ لا وجودَ له إلاّ فيه وبه. السجن الطّائفي هو الذي يكوّن المواطنَ: كيف يُمكنه، والحالة هذه، أن يكونَ حُرّاً؟

وهذه البنية إيّاها هي التي تُسهِّل على القوى الخارجية “سَرِقَة” لبنان. بل يمكن القول إن لبنان “مسروقٌ” سَلفاً، بفعل هذه البنية.

والمفارقة أنَّ القوى الثقافيّة اللّبنانية التي تصدّرت الدّعوة إلى الوحدة العربية العَلمانية، تخلّصاً من العثمانيّة ? الدّينية، تُخلِّف لوارثيها ضَياعاً مزدوجاً:

ضياع “الوحدة” في عودةٍ طاغيةٍ للنزوع الدّيني المسيّس، وعلى نحو أكثر تشدّداً،

وضياع “الوطن” اللبنانيّ في تَفتُّتٍ لم يُشْهَد له مثيلٌ من قبل.

وتكاد “اللبنانويّة”، اليوم أن تُصبح كمثل “الوحدويّة”: طمْساً كاملاً للوعي: وعي الذّات، ووعي العالم.

ولئن كانت “الوحدوية” في أساس المسؤوليّة عن كارثة فلسطين، فإنّ “اللّبنانويّة” تغامر بأن تصبح مسؤولة عن “إنهاء” لبنان بالمعنى الذي اعتنقناه.

المفارقةُ الأكثرُ دلالةً هي أَنَّنا نرى، اليوم، داخل كلّ بلدٍ عربيّ “شَعْبين”: شعب النّظام، وشعب الشّارع، ونجد في لبنان شعوباً عديدةً لا ترتبط بالنّظام، بل بالطّائِفة.

هكذا نرى أنّ الخطاب “اللبناني”، اليوم، بمعناه الوطني الواسع، يخفي تصدّعاتٍ وانشقاقاتٍ كبيرة. وهو، في ذلك، يشبه خطاب “الوحدة العربية”: ألفاظ تخرج من الأفواه مشحونةً بالأمل، لكي تطنَّ فارغةً في فضاء الواقع.

وأعرف أن هناك أفراداً لبنانيين (وعرباً) متفوّقين في جميع الميادين، وقد يبزّون أندادهم في العالم. لكن لا يجوز أن ننسى أمرين: الأوّل هو أنّ هذا التفوّق لم يَحصل بفعل الدّاخل اللبنانيّ (أو العربي)، وإنما حصلَ في شروط “الخارج” وبنية العلم “الخارجيّ”.

والثاني هو أنّ الأفراد المتفوقين في المجتمع لا يشكّلون معياراً لتقدّمه. إنما يتمثّلُ المعيار في البنية. المؤسسة: العائلية – التربويّة التعليميّة، الفكريّة، الاجتماعية، الاقتصاديّة. وعلى هذا لا يتغيّر المجتمع بمجرّد تقدّم عددٍ من أفراده. لا يتغيّر إلاّ بتغيّر مُؤَسّساته.

– 7 –

لا بُدّ، بعد الحرب الأهليّة، من أن نفتح أفقاً آخر للكلام، لِلّغة; أفقاً لا يفارق الجذر والأساس. أفق يَمّحي فيه “غير ملائمٍ، الآن”، أو “ليس هذا هو الوقت”، أو “يبلبل الجوّ”، أو “يخدش المشاعر”ô إلخ. إذا لم نفتح هذا الأفق الكلاميّ الرّحب، الحرّ، الشامل، يتعذّر علينا أن نفتح الأفق الآخر – أفقَ العمل. ومثل هذا الكلام هو الذي يفتح النّوافذ في الإتجاهات كلّها. ويتيح لنا أن ننتصر على أنفسنا -لأنه يساعدنا على تجاوز الأضاليل التي تحيط بهذه الحرب. وفي الداخل والخارج معاً; وربما في الداخل قبل الخارج. ويساعدنا على تجاوز أوهامِنا. ويتيح لنا أن نفكّر ونعملَ بحيث يقاتل كلٌّ منا من أجل الآخر أوّلاً: عندما يقاتل كلٌّ منّا من أجل الآخر، يكون مقاتلاً حَقّاً من أجل نفسه.

وفي مثل هذه اللّغة نتعلّم، أَلاّ قضيّة أكثرُ قيمةً من الحياة; أنّ القضيّة التي لا تعلّم إلاّ الموت هي نفسها قضيّة ميّتة. نتعلّم أَلاّ نتحّدث عن العنف الظاهر في حياتِنا، ونسكتَ على العنف الآخر المقنّع المبطّن، العنف الذي يكاد أن يصبح شِرْعةً وحياةً يومية. نتعلّم أن الصّراع ليس صراعاً فيما بيننا من أجل الغَلبة والرّبح، وإنما هو صراعُنا معاً لكي نبقى معاً، ولكي نصيرَ معاً سواسيةً وأحراراً. نتعلّم كيف ينتظمُ وعينا الجمعيّ في تعدّديّة متآلفةٍ، متخالفةٍ، وخَلاّقة. نتعلّم كيف نُخرج قناعاتِنا من أصداف الصّمت أو اللاّمبالاة، وكيف نحطّم سلاسل التّكتيك المداور، لكي نفتحَ استراتيجيات الهجوم الذي يحبّ ويحتضن ويبتكر.

وكلّنا يعرف السّهولة، وكيف تؤخذ، وأين، ومتى. غير أنّ السّلالم التي يصعد عليها الخلاّقون لا ترضى إلا بتسلّق الجبالِ العُليا.

نتعلّم في هذه اللّغة كيف نؤسّس لفكر آخرٍ، ولطرقٍ أخرى من التّفكير، بعيداً عن الاجترار التكراريّ الذي يعذّب الذات ويُلغيها. لبنان، لبنان، لبنان، سورية، سورية، سورية. وماذا بعد ذلك؟ فاصِلٌ كبيرٌ بين الفكر والشعور: فكرٌ لا شعور فيه، وهو لذلك نوعٌ جامِدٌ وصغيرٌ من الإيديولوجية. وشعورٌ لا فكر فيه، وهو لذلك نوعٌ من ردود الأفعال المَرضيّة. ولا حوارٌ حقيقيّ. الذّات مغلقّةٌ. والأنا والأنت – كلٌّ في بئرٍ مشيّدةٍ بإسمنت المسبّقات، إسمنتِ العداء والكراهية.

نتعلّم أن بيروت، اليوم، في أمسّ الحاجة إلى نبوّاتٍ فكريّة وسياسية واجتماعيّة كبرى. وأنّ طموحات أنبيائِها يجب أن تكون أكبر وأعلى من الاكتفاء بتسلّق الصّخر نفسه الذي تسلّقه ماعزُ التاريخ.

نتعلّم كيف نرفض أن تتحوّل بيروت إلى هيكل احتفاءاتٍ بحجارة الماضي وغبار الأمس. إلى تقليدٍ يلتهم العقلَ، وتقليدٍ آخر يلتهم الجسد والرّوح.

نتعلّم أن نُصغي إلى لبنانيين كثيرين -كلٌّ منهم يحاول أن يبنيَ لنفسه منفى في الخارج، أو منفى داخل نفسه. كلٌّ منهم يجهر: المعتقدات، المعارف، الخطط، البرامج، المؤسّسات، الأفكار، الاتجاهات… كلّها تفقد مصداقيّتها. ولا أجسامٌ وراءها، بل ظلال. وكلٌّ يتابعُ هذا الجَهْر: يصعب الإيمان بأيّ شيء. يصعب التّصديق يما يُذاعُ – تبشيراً وتطميناً. كلّ شيء يُراوغ أو يكذب. وتكاد الحياة نفسُها أن تتحوّل إلى نوعٍ من المراوغة. وصار الخلاص غامِضاً، بعيداً وملتبساً.

وفي هذا كلّه نكتشفُ كيف يغيب إلزامُ الوعي. وإلزام العدالة، وإلزام الحقيقة، وكيف “تُصنَعُ” حياةٌ خاصّة للعيش بهناءٍ في بلاغة الغياب، ومعجم التوهّم.

نتعلّم أن نمسرحَ العُرْيَ، ونكتنهَ المعنى.

– 8 –

“الحقيقة دون مجتمعٍ تتحرك فيه ليست إلاّ استيهاماً فرديّاً. والمجتمع الذي لا حقيقة فيه ليس إلاّ طغياناً (ميشيل دو سيرتو).

ما الحقيقة في لبنان؟ أهو “مجتمعٌ” حَقّاً، أم هو “مجتمعات “طوائف”؟

وما الثقافة التي تنهض عليها “الحقيقة” فيه “أو الحقائق”؟ ومن أين تجيء هذه الثقافة؟ من “جامعته” أو “جامعاته”؟ من “كنيسته” أو “كنائسه”؟ من “جامعه” أو “جوامعه”؟ مِن أين؟ من القوميّة اللبنانيّة، أو القومية السوريّة، أو القومية العربيّة؟ من الماركسيّة، أو اللّيبراليّة؟ من أين؟

ولا تُعطى الثقافة. تُخلق الثقافة، أو لا تكون إلاّ جُثّة – وإن عُطّرت.

كلّ شيءٍ في الثقافة اللبنانيّة للمساءلة وإعادة النّظر من الألف إلى الياء، أفقيّاً وعموديّاً.

كلّ ثقافةٍ “مُعطاةٍ” ليست إلاّ سلطةً يقمع بها الآباء الأبناء. وليست إلاّ تَسويغاً لامتيازات “الآباء” وأهل السلطة. ولا يجدي “الهامش” في تغييرها، وإن رَجَّها.

في كلّ حالٍ، يجب أن يعترف كلٌّ منا أنه لم يعد قادراً ولا صالحاً أن يعطي أيّ أمرٍ أو نَهيٍ في القضايا الإنسانيّة الأساسيّة:

لا في الحقوق والواجبات، لا في الحريات والعلاقات مع الآخر، لا في الحبّ والجنس، ولا في الحقيقة والثقافة.

يجب أن ننتقل من المذهبيّة إلى الإصغاء. من دور المعلّم إلى دور المتتلمِذ. من دور المتعالي إلى دور المتعاطف، من دور القائد إلى دور الرّفيق.

– 9 –

في تنوّع المصادر التّراثيّة -الدّينية وتمزّقاتها، وفي تضادّ المصالح والأفكار والآراء، وفي صراع الأغنياء -الأغنياء، والفقراء – الأغنياء، والفقراء – الفقراء، من يستطيع أن يدلّني على المشتركِ الحقيقيّ بين اللّبنانيين خارج المُحاصَصة السّياسيّة حصراً؟ وهي، في التّحليل الأخير، مُحاصَصة بين أفرادٍ، لا بين جماعات. وتكاد هذه المحاصَصة أن تصل إلى درجة لا يعود فيها للمواطن المحروم إلاّ أن يختار الثورة أو المنفى أو الموتَ قهراً وصَمْتاً.

ولم تعد تجدي “الحيل الاقتصادية” التي لا تزال تسوّغ جميعَ أنواع الفساد. ويكفي أن نجعل من وضع بيروت “حيلةً اقتصاديّةً”، ومن وضع لبنان مسوّغاً لها.

ولقد تحوّلت الثقافة السّائدة إلى نوعٍ من “الإعاشة الفولكلورية” تُوزَّع على النّاس. وهي مع ذلك، توزَّع بالمحاباة، لا بالمساواة. إضافةً إلى أن هذه الثقافة لم تستطع، بيمينها ويسارها، أن تجمع في حركيّة واحدة، فقراء لبنان أو ضحايا الفقر، طول خمسين سنة. على العكس، زادتهم تمزيقاً، وابتعاداً بعضهم عن الآخر. وتكاد أن تقتل في نفوسهم الثّقة بالمجتمع الذي يشاركون في تكوينه. وما يكون شأنُ “مجتمع” لا يثق به أفرادٌ هم الذين يكوّنونه؟

كلٌّ منهم يقول في ذات نفسه: قبل كلّ شيءٍ، الاستمرارُ في الحياة. وفي هذا ما يفتح الدّروبَ واسعةً لجميع المسوّغات. وفي مثل هذه الحالة، لا يعود الكلام على الديمقراطية والحريّات إلاّ ضَحِكاً ولهواً.

الثّقافة الحقيقيّة هي الحياة اليوميّة تُحرّكُ على نَحْوٍ خَلاّق، وهي العلاقات بين البشر يُعاد بناؤها على نحوٍ خَلاّق كذلك. إنها مشروعٌ متحرّكٌ دائماً في اتجاه البشر -تقدّماً وحيويّة، وبالمشاركة بين جميع الأفراد. هكذا يرتقون إلى مستوىً تكون فيه الأفكار والمصالح والقوى والرّؤى مُتَمَفْصِلةً ومتآرِزة.

بلى، وصل لبنان إلى مرحلة من الفقر الاجتماعيّ -السياسيّ تُحتّم على الثقافة فيه أن تلعبَ دوراً آخراً – دورَها الصّحيح: إعادة تكوين “المجتمع”.

هنا يمكن أن يلعبَ المركّب الطّائفيّ، بوصفه قائِماً، دوراً حافِزاً يَضَعُ البلادَ كلَّها في مُركَّبٍ تنافسيّ لبنائها من الدّاخل. لكنّ الواقعَ القائم المركّب يُلغي إمكانيّة القيام بهذا الدَّور. ذلك أنّه ينظر إلى “الخارج” بوصفه حمايةً للدّاخل – بدلاً من أن ينظرَ إليه بوصفه “الآخرَ” الذي يُحرّض على رؤيةٍ إنسانيّةٍ أكثرَ شمولاً وعمقاً، وعلى خبرةٍ أكثر اتّساعاً، وعلى عملٍ أكثرَ إبداعاً. هذا، من جهة. من جهةٍ ثانية، ينقلب هَمّ التّنافُسِ في الممارسة، إلى كَابِحٍ يحوّل الطّائفةَ إلى منظومةٍ مُغْلقةٍ، إلى “حزب” وإلى “معسكر”. يُصبح الفرد فيها مُحاصَراً، ولا يَجدُ مَرْجعيّته السّياسيّة إلاّ فيها.

من الحقّ إذاً أن نسأل: ما “المعنى” الذي تلتقي فيه الطّوائف، والذي تنتظمُ فيه البلادُ بوصفِها كُلاًّ – تشريعاً، وقيماً، وثقافَةً؟ أهناك توجّه واحدٌ لهذه الطّوائف نحو قيمٍ مشتركة غير سياسيّة؟ وما هي؟ هل تنظر هذه الطّوائف إلى لبنان بعين الحرص على أن يكون بناءً حضاريّاً متميّزاً، أم بعين الحِرص على أن يكون مجرّد مأوى أو ملجأ؟

ولئن كان معنى الكلمات يتحدّد بسياقاتِها وَمرْجعيّاتها وكان تحديد اللبنانيين لأنفسهم يتعيّن بهذه السّياسات والمرجعيّات فما المعنى الذي أعطته للبنان بعد الحرب الأهليّة المدمّرة؟ وما جَديد هذا المعنى؟

ليس الإنسان كائناً مغلقاً تختبئ قيمه في أحشائه. وليس مجرّد انعكاسٍ للعلاقاتِ المتنوّعة. فالإنسان هو ما يكونه، طبيعةً من ناحيةٍ، وهو ما يصير إليه، من ناحية ثانيةٍ، في تجربته وحياته وعلاقاته.

وهذا ما ينبغي أن تجعل منه الطّائفة، ما دامت قائمةً، قاعدةً لفكرها وسلوكها: بناء الإنسان فيها، لكي تقدر أن تشارك في بناء الإنسان لدى الآخرين، من أجل بنائه على مستوى الكون. بهذا وحده تعطي الطائفة مشروعيّةً لوجودها: تصبح نفسَها، وأكثر وأبعدَ من نفسها في آن.

إن البعد الإنساني في الطّائفة يُلزمها أن تعملَ باستمرارٍ على أن تتخطَّى وضعَها بوصفها طائفةً، وأن تؤسّسَ لانفتاحٍ كامل على القيم الإنسانيّة. هكذا ينبغي على الطّوائف نفسها أن تهدمَ حدودَها الطّوائفيّة، لكي تقيم فيما بينها الحدودَ الإنسانيّة، حُدودَ الإبداع والمشاركات الإبداعيّة. وعلى هذا المستوى، لا تجد الطّائفة مشروعيّتها، بالمعنى الكيانيّ، إلاّ في انفتاحها الكامل على الطّائفة الأخرى. إِلاّ في كوْنها مسكونةً بهموم الطّوائف الأخرى، وبالمسيرة الواحدة في أفق المستقبل. وهنا، بالضبط، يكمن، كما يبدو لي، معنى الحوار بين الأديان.

دون ذلك، سيبدو لبنان كأنّه “مُستعمَرٌ” من قبل الطّوائف، بوصفه مُحاصَراً بحدودها، مجزّأ، وَمكبوحاً.

دون ذلك، ستظلّ الطّوائف إِفْقاراً وتقزيماً للمركّب الغَنِيّ السيكولوجيّ – الثّقافيّ الذي يختزنه الإنسان. (وأرجو هنا أَلاّ يُخلطّ في كلامي بين الطّائفة والطّائفيّة).

دون ذلك أخيراً، سيبدو أنّ الطوائف تضفي على لبنان نوعاً من الصفات الأونتولوجيّة، المطلقة. ولبنان، شأن جميع البلدان، إنما هو وجودٌ تاريخيّ. وهو، إذاً، صيرورة. وكما أنّ الإنسان لا ينتهي من صيرورته إنساناً، فيما يفكّر ويعمل ويبدع، فإن اللبنانيّ لا يُولد لبنانياً، إلاّ بقدر ما يبدع ويعمل لكي يصيرَ لبنانياً. اللبنانيّ كمثل لبنان، حَركيّةٌ تاريخيّة. مشروعٌ وأفقٌ لا نهاية لهما.

– 10 –

لم أرد ولن أريدَ أبداً أن تكون علاقتي ببيروت علاقةً مع طائفةٍ أو مذهب. حزبٍ أو زعيم. تجمّع أو اتّجاه. مصلحةٍ أو فائدة. نشر كتبٍ أو إنشاء مجلّةٍ أو جريدة.

أرفض أن تكون إلاّ كمثل علاقتي مع نفسي، وعلاقتي مع الحقيقة.

وسأظلّ عاملاً طامحاً لكي أكون دائماً مع الحقيقة. هكذا أُصرّ على أن أرَى كلّ شيء، وأن أقولَ، ما استطعت، كلّ شيء. دون خوفٍ. دون مراعاةٍ. دون مساومة.

لن أرى الغروبَ شروقاً، والدّكان صرحاً ثقافيّاً، والبئرَ بحراً، ولو “وُضعت الشمس في يميني والقمر في يساري”.

لن أنظر إلى مَسْرح سياسيّ إلاّ عِبْرَ الآلام والعذابات والمواجع التي تحوّم فوق خشبته وحولها، وعبر الثمن الذي يكلّفه هذا المسرح. وسوف أحارب أيَّ إغواءٍ لاستقالةِ وَعْيي. وأقتلعُ فَنَّ “التّبصير”، لكي أُرْسيَ فنَّ الاستبصار. ولن أشارك في التأسيس لأيّ نـوعٍ من أنـواع الإرهـاب المُضْمَــر الــذي يحول دون المسـاءلة، وإعادة النّظَر، والنّقد الجَذْريّ. ولن أكون إلى جهة التّعابير والألـفـاظ، وإنّما إلى جهة الأشياء ذاتِها التي تُفصح عنها.

هكذا سأظلّ أرى إلى بيروت بعينٍ لا ترضى إلاّ برؤية كلّ شيء، لا الظّاهرَ وحده، بل الخفيّ الممكن كذلك. وسوف أظلّ مصغياً إليها بأذنٍ لا تَرضى إلاّ بأن تَسمع حتّى السّرائر. محاولاً أن ألمسَ “ما لا يُلمَس”، وأن أقولَ “ما لا يقال”، وأن أهبطَ في “الثقوب السّوداء” التي تنخر جسدَ الكرة اللبنانية، وجسد الثقافة اللبنانية (والعربيّة).

وسوف أظلّ دائبَ العمل على زلزلة القطيعيّة والتبعيّة، وعلى كَنْس الرّكام.

ألهذا، كانت محاضرتي بَلْبَلَةً؟ ألهذا كانت طوفاناً اختلط فيه القَشّ بالورد، والجَذْرُ بالحَصى؟

مع ذلك، تركت كثيراً من التّلالِ نائمةً في ضبابها وتركتُ مستنقعاتٍ كثيرة تحت غطائِها الكثيف من اللُّهاث البشريّ – لهاث الذين “لا صوتَ لهم”، ولا عمل، وينامون حالمين، لكن بِخُبْزِ غدهم. لم أقل إلاّ النّاتئ الذي يضرب البصرَ والبصيرة.

-11 –

قبلاً، رَأيتُ بيروت أكثر مما عشتها. اليوم، أعيشها أكثرَ ممّا أراها.

باريس، نوفمبر 2003

( تنشر هذه الكلمة، استثنائياً، في ” السفير ” و ” الحياة ” و ” النهار “)

(&) ألقيت هذه المحاضرة في إطار “أشغال داخلية 2” منتدى حول الممارسات الثقافية الذي تنظمه جمعية “أشكال ألوان”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*