أرشيف “النهار” – لماذا لا يعود الانتداب الفرنسي؟ وإلا “فحياد” لبنان

  • المصدر: أرشيف “النهار”
  • 26 آذار 2019 | 06:30

لبنان خلال الحرب العالمية الثانية (أرشيفية).

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه عبد الحميد أحمد في “النهار” بتاريخ 6 تشرين الثاني 2013، حمل عنوان “لماذا لا يعود الانتداب الفرنسي؟ وإلا “فحياد” لبنان”.

سيأتي 22 تشرين الثاني الذي سُمّي عيد الإستقلال، للمرة السبعين، ولكن هذه المرة اتضحت معانٍ جديدة غيّرت معناه الذي لم يعد نعمة! ولعله كان نقمة! لأن مفهوم لبنان ذاته اتضح اكثر خلال سبعين عاماً منذ الإستقلال، سقطت خلالها العروبة، لأن التاريخ لم يشهد منها سوى الإستبداد والمخابرات، وسقطت قضية فلسطين والمتاجرة بها وصارت في عهدة الفلسطينيين. تجمّع الفلسطينيون الذين يفاوضون على طاولة مستديرة مع الإسرائيليين! وسقط مفهوم لبنان: سويسرا الشرق، ونيال مين عندو مرقد عنزة الخ… ولبنان نبع الحضارة والحرية… وصار اللبنانيون يبيعون بيوتهم وسياراتهم ويهاجرون مع عائلاتهم في القوارب الى اندونيسيا، حيث لا يبقى منهم احد، وبقي من لبنان وللبنان مفهوم آخر. وصار لازماً حين نتطلع الى “لبنان الغد”، اذا بقي لبنان وكان له غدٌ، ان نخرج من الشعارات ونعيد الى الكلمات معناها، كما لكلمة “الإستقلال” معناها.

أحسن تعريف للبنان استوقفني ووجدته اقرب ما يكون للواقع هو الذي كتبه أنسي الحاج في جريدة “الأخبار” تحت عنوان “لا يصلحه احد(1)”. ورد فيه: “لبنان مجموعة مكونات بعضها لا علاقة له ببعضها الآخر وقد يتناقض وإيّاه، ومع هذا تتعايش كلها في ظل تسوية قَبَليّة ابتكرتها الظروف القاهرة…

“يحتاج لبنان الى منظّمين لِفَوْضاه ضمن الفوضى، الى حُماةٍ حكماء لهذه الحرية التي لا يعني وجود لبنان شيئاً بدونها…”.

اذا كان لبنان غير قابل للإصلاح – وهذا واقع مرير وليس تيئيساً، فعلى الأقل لنحاول ايجاد من ينظم فوضاه ضمن الفوضى! قال مستشار الرئيس فؤاد السنيورة السفير محمد شطح في حديث مع “ورده” في اذاعة الشرق الأحد في 20 تشرين الأول، كلاماً جريئاً وخطيراً وصادقاً وصحيحاً، والغريب أن الإعلام تجاهله بالرغم من خطورته في هذه الظروف، فالإعلام، ولا سيما التلفزيوني، مشغولٌ بأعزاز وطرابلس وعرسال، و… و… وكل ما من شأنه إشعال الفتنة. أما طرح الحلول للخروج من الكارثة التي نحن على شفيرها فهذا آخر هموم الإعلام اللبناني. قال شطح ان التاريخ اثبت اننا لا نستطيع العيش، إلاّ في حالة من اثنتين: اما في الوصاية، واما في الحروب الأهلية، وهذا صحيح، وهذا ما أكده تاريخ 70 سنة من الإستقلال! وأعطى مثالاً الوصاية الفلسطينية، حيث كانت القرارات اللبنانية تُتخذ في المخيمات، والوصاية السورية حيث كانت القرارات تُتخذ في دمشق ويمكن ان نضيف ان القرارات اللبنانية تُتخذ اليوم في طهران، واذا لم تعجبنا وصاية “حزب الله” الإيراني فإلى الحرب الأهلية.

والسفير محمد شطح الذي عُرف بموضوعيته واتزانه وثقافته يقترح “الحياد”، حياد لبنان لنخرج من تاريخ الوصايات والحروب الأهلية، وهو حياد دولي وإقليمي، وتعزيزاً لاقتراحه نلاحظ ان سويسرا امضت ثلاثة قرون في حروب اهلية بين الألمان والإيطاليين والفرنسيين، ولم يجد السويسريون غير الحياد دواء لمعضلتهم، فحياد سويسرا جعلها “سويسرا اولا”، عند الفرنسيين والإيطاليين والألمان.

واقتراح شطح يأتي من الجهة التي كانت تعارض هذا الحياد اي من الإسلام السياسي، فيما كان شعاراً يطرحه المسيحيون، وفي طليعتهم العميد الوطني الكبير ريمون اده رحمه الله، ولعل صائب سلام كان مقتنعاً به، ولكن البيئة الإسلامية السياسية لم تكن تقبل به في ذلك الوقت، قبل سقوط الشعارات والأوهام! اليوم هذا الإقتراح كان يجب ان يدوّي عالياً في هذه الظروف، فهذا هو طريق الحل الذي يقترحه السُّنّة والمسيحيون اي ثلاثة ارباع لبنان! فلماذا لا يُطرح للبحث في لبنان الغد؟ اذا كانت هناك دعوة الى طاولة حوار ففي هذا الإتجاه يجب ان يذهب الحوار وليس لإعلان بعبدا ولا لأضحوكة مقولة “الجيش والمقاومة والشعب” الخ… البديل من الحياد هو الحرب الأهلية التي نعيش على شفيرها، او الوصاية! واذا كان لا بد من الوصاية فلتكن ارقى منا وليس ادنى منا، لا من القرداحة ولا من مخيمات تل الزعتر ولا من “قم” في ايران! واذا كان لا بد من حلّ في الوصاية! فلماذا لا يعود الإنتداب الفرنسي؟

بصراحة وصدق منعاً للحرب الأهلية وتجنباً لأية وصاية، “لبنان الغد” يجب ان يبحث في “الحياد” من خلال هذا الواقع وبهذا الصدق والإخلاص!

في هذه الأثناء، المرجو من “السلطة” ان لا تكرر استعراضات العسكر والموسيقى وتسميها ذكرى الإستقلال، فقد صارت مملة وجارحة في هذه الظروف!

رحم الله إميل إده، كان يعرف التاريخ اكثر من الجميع ويعرف الى أين قد نصل اذا رحل الإنتداب الفرنسي، واي انتداب سيحلّ محله!

ألفرد نقاش الرئيس السابق في أثناء زيارته الجنرال ديغول الذي رحّب به كثيراً وزيادة في التكريم رافقه الى باب المصعد عند خروجه وأمسك بيده، وقال له: لقد أخطأتم خطأ كبيراً بإزالة الإنتداب الفرنسي عن لبنان، والتاريخ حكمٌ..

المحامي عبد الحميد الأحدب

(1) العدد الصادر في 19 تشرين الأول 2013 رقم 2113 من جريدة “الأخبار”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*