أرشيف “النهار” – لا يريدون لنا وطناً نرتاح فيه… أين أنت يا صائب بك؟

  • المصدر: أرشيف “النهار”
  • 7 أيار 2019 | 06:30

نستعيد في #نهار_من_الأرشيف مقالاً كتبه عبد الحميد الأحدب في “النهار” بتاريخ 3 أيلول 2004، حمل عنوان “لا يريدون لنا وطناً نرتاح فيه… أين أنت يا صائب بك؟”.

خلال مؤتمر القمة العربية عام 1970 الذي حضره الرئيس شارل حلو في القاهرة، طلب الرئيس اللبناني الكلام وهو ينظر الى ساعته، ليقطع سير جلسة القمة ويقول ان ولايته انتهت وولاية الرئيس سليمان فرنجية الذي انتخب بأكثرية صوت واحد، قد بدأت، ولهذا ينسحب من الجلسة لانه لم تعد له صفة، ويقترح دعوة الرئيس فرنجية الى الحضور. وكان لذلك وقع الصاعقة على الرؤساء العرب! فالرؤساء والملوك العرب ذهلوا لانهم لا يفهمون معنى “انتهاء ولاية” رئيس جمهورية وانتخاب رئيس يحل محله، فالرئيس ينتخب بالاجماع والى الابد، فاذا جاء من يحل محله اودى به الى القبر او الى السجن! هذا في الثقافة العربية السائدة عالمنا العربي!

كان لبنان ينفرد عن البلاد العربية بهذه الحرية، وهذه الديموقراطية، وهذه الشرعية، التي اكدها خطاب البطريرك الماروني نصرالله صفير بإدانته “المشاورات الممهدة للاستحقاق الرئاسي التي تحصل في دمشق كأننا فقدنا نهائيا استقلالنا وسيادتنا على ارضنا في اختيار حكامنا… وذلك يقضي نهائيا على القليل من الديموقراطية التي نفاخر بها، ويجعل لبنان كالانظمة المحيطة به”.

ووضعت يدي على قلبي بعد هذا الموقف الذي هو بطريرك المواقف، لكن الموقف يجب ان يكون اسلاميا مسيحيا، والا فان من حق المسيحيين غدا ان يكونوا مواطنين من الدرجة الاولى بعد الاستقلال الثاني ويخشى ان يصبح المسلمون مواطنين من الدرجة الثانية، اذا غابوا عن معركة الاستقلال الثانية التي كانوا ابطالا مع المسيحيين في معركتها الاولى، فالدول الصغيرة يرتبط وجودها بدورها، واذا زال دورها اصبح وجودها مهددا، ولبنان بدون الحرية لا معنى لوجوده. واخذت اتطلع والدقائق والساعات تمر الى موقف سياسي اسلامي يلاقي موقف البطريرك، فاذا بيان المفتي قباني والشيخ قبلان يغطي بعض الفراغ، ولكن البطريرك ليس رجل دين فحسب بل رجل سياسة، لذا كان المطلوب موقف رجل سياسة من المسلمين يساند موقف البطريرك صفير، وعادت الدقائق ثم الساعات تمر بدون ان نسمع صوتا مثل الرعد الذي كنا نسمعه ايام صائب سلام، واذا بالفراغ يكبر ويكبر…

وتذكرت صائب سلام يوم قال لعبد الحميد غالب، الذي كان المفوض السامي في العصر الناصري، فقد حضر عبد الحميد غالب وقتها اجتماعا للهيئات الاسلامية البيروتية مطالبا بأن يدخل رشيد الصلح لائحة صائب سلام الانتخابية، وكان صائب بك رافضا لهذا الاقتراح، وفجأة التفت غالب وقال لصائب سلام: “ولكن المشير حيزعل خالص”. وكان المشير في دمشق وقتها، فانفجر صائب سلام في عبد الحميد غالب قائلا: “اسمع يا عبد الحميد.. نحن ادرى بشؤوننا من المشير، ونحن لا نقبل وصاية احد علينا…”

مواضيع ذات صلة

  • أرشيف “النهار” – حديث في الحرية وحديث في مأساتها
  • أرشيف “النهار” – البيئة بين الدولة والمواطن
  • أرشيف “النهار” – كيف نعيد لبناننا الأخضر

والموقف الذي اعلنه البطريرك كان بحاجة الى زعيم كبير مثل صائب سلام، ومثل رياض الصلح، فالزعامات لا تولد في الصالونات والحفلات الاجتماعية ولا في المصارف ولا في المقاهي… الزعامات تولد في السجون كما ولدت في قلعة راشيا زعامة رياض الصلح والشيخ بشارة الخوري والمير مجيد ارسلان وصبري حماده، والزعامات تولد من المستشفيات كما ولدت زعامة صائب سلام من الاصابة التي نقلته الى المستشفى في تظاهرات عام 1958ضد التجديد لكميل شمعون.

والفراغ الذي نعيش فيه، هو فراغ رجال يؤمرون ولا يأمرون، ويبحثون عن الزعامة في الصالونات الاجتماعية وفي المصارف والمقاهي وفي المزابل… لم يعد في البلد رجال!

وكانت كارثة الفراغ السياسي الاسلامي بعد بيان البطريرك صفير، ولكن لطف الله ملأ الفراغ قليلا في موقف جاء من الكويت، من رئيس تحرير جريدة “الرأي العام”، في الرسالة التي وجهها الى الرئيس الاسد عن التجديد، يدعو فيها الرئيس الاسد الا يعتقد ان التجديد هو انتصار للخط السوري لان في “لبننة الاستحقاق رصيدا لبنانيا وعربيا ودوليا…”.

ويبقى سؤال خطير: لماذا يذهب “البعث” السوري الى هذا الحد في اذلال الرأي العام اللبناني وتحديه في انتخابات الرئاسة؟

ام هي سياسة حافة الهاوية في لعبة الحلف السوري الايراني في نزاعه مع اميركا؟ هل هي مناورة لطرح الوزير جان عبيد في آخر لحظة، فيكون لبنان قد اصبح بعثيا بعد ان طردت بغداد البعث العراقي؟ ام ان البعث السوري يخبئ اسم عسكري لآخر لحظة؟

من الصعب تصور “البعث” السوري يسير على خطى “البعث” العراقي عند اجتياح الكويت، وذهب الى ذلك التصادم مع العالم كله!

“البعث” السوري كان الى اليوم اذكى بكثير من “بعث” العراق، ولم يخط خطوة في لبنان الا بتوافق مع اميركا بدءا من عام 1975 حين وضع خط احمر في الجنوب مرورا بيوم قال فيه السفير الاميركي للدكتور سمير جعجع بعد الطائف: “ماذا تنتظرون؟” الى التمديد للرئيس الهراوي وقد كان التفويض الاميركي لسوريا قائما. اما اليوم فاميركا من جهة وسوريا وايران من جهة اخرى في حال حرب. لهذا فمسيرة دمشق في الرئاسة اللبنانية اليوم، معاكسة لاتجاه التاريخ تماما، وتشبه ما كان يحصل في اوروبا الشرقية ايام السوفيات: بريجنيف يقرر وحكام اوروبا الشرقية يوافقون، بالباطنية حينا وبالتقية احيانا، وكما حصل اليوم في انتخابات الشيشان الذي فاز فيها رجل موسكو بأكثرية ساحقة! “البعث” السوري لم يرتكب اي خطأ سياسي منذ عام 1975 في لبنان، كل القرارات كانت تتخذ بالتوافق، فماذا جد من جديد؟ هل تخوض سوريا حربا مع اميركا المكروهة عربيا؟ ام ان “البعث” السوري استسهل الامر بعد يقظة “الباطنية” و “التقية” في لبنان، وانتشارهما بين الناس حتى اصبحنا نسمع على السنة بعض الناس خطابا، ثم سرعان ما يناقضه تزلفهم للمسؤولين ولا سيما كبارهم، والامثال المتداولة شاهدة: “مين ما اخذ امي صار عمي” و”الايد اللي ما فيك ليها بوسها ودعي عليها بالكسر” الخ… الخ…

“التقية” و”الباطنية” كانتا مدرستين في الذل والخبث وتراجع الرأي الحر والموقف الجريء، انتشرتا خلال الحكم الاستبدادي العثماني وما قبله، فهل عدنا الى “الباطنية” و”التقية” الى هذا الحد؟

النظام السياسي اللبناني مضحك في كل تناقضاته! اولها ان المعارضة اصبحت بين الوزراء، والكتل داخل الوزارة وهذه بدعة في بهدلة الديموقراطية وشرشحتها…

صائب سلام كان شعاره دائماً: “الوطن هو المكان الذي يشعر المرء فيه انه مرتاح”.

يا صائب بك، بعدما حدث في 7 آب سنة 2001 امام قصر العدل من ضرب للمحامين على باب القصر والنقباء والنواب يتفرجون من غرفة نقابة المحامين في قصر العدل! ومن باب رفع العتب اضربت النقابة يوماً ولم نعد نسمع شيئاً، كأن ما حصل ليس مجزرة للعدل ولكرامة الانسان وللحرية، ليس كمجزرة بودابست في المجر عام 1956، وكمجزرة ربيع براغ عام 1967 حين نزلت الدبابات السوفياتية لقتل الحرية في براغ، بل مرت 7 آب كأنها مجرد نسمة هواء! انها الباطنية والتقية! ست سنوات من عمر العهد… كل يوم 7 آب، في الامن، في العدل، في الصحة، في الضمان، في الكازينو، في المصارف، في التظاهرات، الطلابية في… في… كل يوم كان 7 آب منذ ست سنوات… فكم مر 7 آب ثقيلاً في كل حقل!!!

الى متى؟ يريدون ان يجددوا لهذا الذل؟ لهذه السرقات؟ للهجرة؟ للبطالة؟ للنظام البوليسي؟ للشيشان؟ للموت البطيء! حتى الاحزاب الحاكمة حصلت فيها حركة تمرد في الضاحية في ايار الماضي، لان الشعارات الفارغة لا تطعم البطون الجائعة المحرومة. الى متى التقية والباطنية والصالونات السياسية؟ هل ارتكت “البعث” السوري اول خطأ في سياسته الدولية في لبنان؟ اذا صدر قرار عن مجلس الامن فإن الامر يصبح اخطر بكثير مما تصوره عسكريو البعث! ألن يجر ذلك الى حروب في كل مكان؟

رحم الله صائب بك حين قال: “الوطن هو المكان الذي يشعر المرء فيه انه مرتاح”.

لم يعد لنا وطن نرتاح فيه يا صائب بك منذ تركتنا، لم يعد عندنا رجال…

ومن يوم انعقاد مجلس الوزراء الذي اقترح التعديل الى يوم انعقاد مجلس النواب ليقر التعديل” ستحصل اشياء كثيرة مضحكة وربما صارت مبكية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*